
قلبي مُقسَّمٌ إلى غرفٍ عدّة. أرتّبها كما أرتّب خزانة ثيابي. لكلّ طبقةٍ خصوصيّتها، تبعًا للألوان أو الفصول، أو لشروطٍ أخرى وليدة الحاجة. فيه غرفةٌ للحزن وأخرى للفرح ، غرفةٌ للسعادة وأخرى للقهر، غرفةٌ للذكريات الحلوة وأخرى لتلك المرّة، غرفةٌ للخذلان وأخرى للدهشة. وهناك غرفة أرمي فيها كلّ ما لا حاجة لي به. أسمّيها غرفة التطهير؛ يتكدّس فيها أشخاصٌ سقطوا على الطريق، بعدما اتّسعت فتحة الغربال.
فاضت غرفة الحزن في قلبي منذ الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على لبنان، أو، بتعبيرٍ أدق، الحرب المستمرّة على لبنان مند أكتوبر 2023. حاولتُ إغلاقها بإحكام، في فعلٍ أنانيّ تحت شعار حماية النفس. قلتُ إنّ ما تراكم فيها من حزنٍ يكفي لولد الولد؛ فلا حاجة، بل لا قدرة لي على المزيد. لذا، قرّرتُ الدخول إلى الفقّاعة، بعدما امتلكني الحزنُ الذي خفت منه على غرف قلبي الأخرى . لا أريده أن يُلغي دورها؛ كأن أعيش بلا فرحٍ، أو سعادةٍ، أو دهشةٍ، أو ذكرياتٍ حلوة. سأقيمه بالعزلة…وسأصمد.
كانت الفقّاعة هشّة؛ فتسرّبت إلى روحي أخبار القتل والدمار والتعذيب التي يتفنّن الاسرائيليّون في ممارستها. قلتُ: لا لمشاهدة الصور في هذه الحرب؛ لقد اكتفيت منها في الحرب الماضية. ففي غرفة الذاكرة يتكدّس مخزونٌ من الإجرام الإسرائيلي، الممتدّ على طول عمر هذا الكيان. فيها فائضٌ يكفي لأن أركّب لكلّ خبرٍ صورته. ولكلّ طفلٍ وجهًا واسمًا ومستقبلًا وأحلامًا. مخزونٌ يكفي لأن يُسمِعني نحيبَ امرأةٍ فقدت فلذة كبدها، أو رفيق دربها، أو أخاها؛ صدى صوتٍ تنخلع له أضلع الروح. ويكفي هذا المخزون لأن أتخيّل، من دون الصورة الحسيّة، الحال التي آلت إليها أوضاع الأسرى في السجون الإسرائيليّة. لا أعرف مصير المقاومين الذين وقعوا في الأسر في الحرب التي تدور رحاها في الجنوب، لكنّني أتخيّل. صورٌ لن تُلغيها أيّ فقاعةٍ أحشر جسدي داخلها. أحسدُ من يملك ذاكرة السمكة. أمّا أنا، فأشعر أن ذاكرة هذا الموت والتعذيب والقهر، ستصمد أمام أقسى أنواع مرض الألزهايمر.
توهّمتُ أنّ الإجرام بلغ ذروته. قلتُ: ليس هناك مزيد. كيف يُمكن أن يكون هناك مزيد؟ كلّ شيء يبلغ ذروته، ثمّ يُعيد نفسه من زوايا مختلفة : في الفنّ كما في الحبّ، في الرواية والسينما، حتّى في الحياة والموت. إلّا في الإجرام الإسرائيلي؛ فثمّة ما يُفاجئك دائمًا… يُفغِر فاك.
ولجتُ غرفة الحزن مُكرهةً، قرّرت أن أُعيد توضيبها لتتّسع لما حشرته في داخلها، ولتستقبل المزيد الذي تُنبئ به الأحداث في كلّ لحظة، لا في كلٍ يومٍ أو ساعة. دخلتها مُدّعية جرأةً زائفة. انفجرت في وجهي صورُ المآسي؛ غرقتُ في بحرها: مجزرةُ المنصوري، والطفلة التي تدلّى رأسها من طرف نافذة سيّارة الإسعاف… مجزرة قانا… راشيل كوري التي تصدّت للدبابة الاسرائيليّة فطحنت جسدها… محمد الدرّة… صوت هند رجب يصمّ أذنيّ… مجزرة المعمداني… محمد “الأشقر واللي شعرو كورلي” الذي مات قبل أن يتذوّق يخنة البندورة التي اشتهاها…
الصحافيّون، عددٌ هائلٌ منهم سقط في غزّة ولبنان. سامر أبو دقّة… ممّددًا في الأرض بعد إصابته. العدوّ يمنع إسعافه، وعائلته تتابع من بلجيكا على الشاشة محاولة إنقاذه. أقصى القسوة. اغتيالٌ على الهواء مباشرةً. قلت إنّها الجريمة المُروّعة التي ستحمي الصحافيّين في الميدان. مُغفَّلةٌ أنا، بل ساذجة. بعد نحو عامين، تكرّر المشهد… اغتيلت آمال خليل بالأسلوب نفسه. تحوّل أهلها إلى مشاهدين مسمّرين أمام الشاشة ينتظرون خبر إنقاذها. سبعُ ساعات. ما أطولها… إنّها العمر كلّه.
وبين هذه الصورة وتلك يطلّ ضحايا إنفجار مرفأ بيروت… يؤنبونني …ماذا هل انمحت صورنا من ذاكرتك ؟ هل اختنقت أصواتنا؟ “ابني حلو منيح وعيونو عسليّة”… الكسندرا… الياس … بابتسامة ملؤها الحياة…
كفى. أصرخ كمن يُحاول أن يُمحو كلّ هذه الصور بحركة من يده ورأسه، فإذا به يستجلب المزيد … الصحافيّون… المُسعفون …عائلات تُمحى من السجلّات… شجرة عائلةٍ، بل عائلات كاملة، تهوي من دون أثرٍ، بلا قبر، بلا شاهد، ولا حتّى إشارة: “مرّوا من هنا”…
اختنقت أنفاسي. لهثتُ كما لو قضيت عمري أركض. أيُّ هبلٍ أصابني؟ من يُوضّب غرفة أحزانه؟ وكيف أُوضّبُها؟ هل أزيل حزنًا لأنّه مضى عليه زمنٌ؟ أم أشطب آخر، لأن ما تلاه كان أكثر عنفًا ودمويّة؟
أوصدتُ باب الحزن. تركتُ الصور على فوضاها، وخرجتُ لأستريح في غرفة “حماية الذات” تبعًا لنصائح الـ”لايف كوتشينغ”: احمِ نفسك! كيف؟ بحمّامٍ ساخن وفنجان من البابونج ؟ هراءٌ… ما بعده هراء. خرجت من حماية الذات مهرولةً. احتميتُ في غرفة الروتين. العادات الصغيرة لا بدّ أن تُنقذني. فشلت للمرّة الألف. الروتين: صوت “الدرون” يصمّ الآذان… الغارات على الضاحية والجنوب والبقاع… تدمير قرى الجنوب… مسيّرات تلاحق مواطنين آمنين، افتراضيًّا… لا، ليس هذا الروتين الذي أبحث عنه. لا أريده روتينًا. من يعتاد القتل والتدمير؟ لا، لا أحسد من اعتادوه، بل أبغضهم…
ينبض القلب بسرعة؛ خفقات تتجاوز الحدّ الطبيعي. الحزن يضغط، يفيض، يتسرّب، وينزح إلى غرفٍ أخرى. غرفة الفرح خاليةٌ منذ زمن. أحميها للأيّام القادمة… الأمل.
يقول لي حزني أن أُحرّره كي لا يقتلني. أُعاند. سأصمد داخل فقَّاعتي المُهشَّمة. رجلٌ يغادر سيارته على عجل، ليحمي زوجته وطفله. “اخرج إذا أردت أن تموت وحيدًا وتحمي عائلتك”. يمتثل. يركض. أركض معه نحو غرفة الخيال: ماذا فكّر؟ ماذا شعر؟ هل ودّع زوجته؟ قبّل طفله؟ أوصاه بالدفاع عن الأرض والعِرض؟ هل كان جائعًا؟ عطشانًا؟ ماذا كان ينوي أن يفعل حين يصل إلى مقصده؟ أن يتمدّد على الكنبة؟ هل يملك واحدة ؟ أم يرمي جسده على فرشةٍ إسفنجيّة في مركز نزوح؟ أرى المقاوم الجريح الذي سلّم نفسه، لينقذ أهل البلدة التي أسعفه أبناؤها. أراه يسير إلى عدوّه. جرأة… شهامة… مقاومة. أبكي أمام خيالٍ عاجز…
أهرب إلى غرفة السعادة. أحاول فتحها، فأفشل. لقد تآكلها الصدأ. أخلع الباب وأدخل. الرطوبة والعفن يغطّيان المكان. كيف أرمّمها؟ كيف أعزلها؟ بأيّ لون أطليها. السعادة… لا يُمكنني أن أفرّط بهذه الغرفة. أحتاجها ؛ إنّها ملاذي الأخير.
تنفجر بيروت، والضاحية والجنوب والبقاع… إنّه الأربعاء الأسود. كانت الأيام السابقة ناصعة البياض!!! أشتم.أرتجف. أبكي من دون دموع… تتصدّع غرف قلبي وتنهار واحدةً تلو الأخرى.
…أنظر إلى الجنوب، إلى الدم الذي يروي الأرض؛ الأرض التي من دونها لا يقوم وطن. أراها تحت الركام، لكنّها لا تزال أرضنا، والدماء التي روتها وترويها هي دماء أبنائها البواسل.
في زاويةٍ من قلبي الذي تحطّمت غرفه، أرى حائطًا أسند رأسي إليه؛ آخر ما تبقّى من غرفة الأمل ترويه، دماء الشهداء، فتسقط كلّ الثرثرات: ثرثرات التفاوض والاستسلام، وثرثرات المنابرالمملوءة بالحقد والتفاهة. أصمّ أذنيّ. أغمض عينيّ. أنظر إلى الجنوب بقلبي الذي سيرمّمه المقاومون، أبناء الأرض…الأمل.
