ولا في الأحلام…

غفوتُ على الكنبة وأنا أقلّب الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي. سقط الهاتف من يدي من دون أن أشعر. نمتُ كما لم أفعل منذ بدء الحرب؛ أذكر أنّ آخر الأخبار التي قرأتها كانت تتعلّق ببدء المفاوضات المباشرة بين لبنان والكيان الإسرائيلي؛ وأذكر صورةً استوقفتني تجمع سفيرة لبنان في واشنطن وسفير إسرائيل هناك وخلفهما العلمان، اللبناني والإسرائيلي. لم أدقّق في ما إذا كانت الصورة حقيقيّة أم من صنع الذكاء الاصطناعي؛ غفوت قبل أن أتأكّد من الأمر، وحلمت: كان حلمًا جميلًا، لا كابوسًا من ذلك النوع الذي يلازمني كلّما أويت إلى الفراش.

بدأ المنام بالجلسة الأولى للمفاوضات المباشرة. أذكر من الوفد السفيرة اللبنانية التي رفضت أن تمدّ يدها ليد السفير الإسرائيلي. وبادرت إلى القول:

  • عذرًا، نحن في حالة عداء، وبدء المفاوضات لا يعني أنّنا على وفاق.

أربك هذا الموقف السفير الإسرائيلي، فاصفرّ وجهه.

جلست السفيرة الشابّة، المتخصصّة في الشؤون الإقتصاديّة، وأمسكت بزمام الكلام:

  • نحن هنا لنقول لكم إنّنا لن نبدأ أيّ مفاوضات من دون وقف إطلاق شامل في لبنان. لن نفاوض و”درون” واحد  يُحلّق في سماء بلادنا يؤرق راحة اللبنانيين.

صُعق السفير الإسرائيلي من نبرة نظيرته اللبنانيّة الحازمة. لم يكن هذا في حسبانه ؛ جاء ليفرض الشروط، لا ليُصغي إلى ما ستقوله. حاول أن يعترض، فوقف بعصبيّة لإنهاء النقاس، وقال:

  • هذا ليس تفاوضًا، ونحن لا نرضى بهذه النبرة.

أجابته السفيرة، بعد أن وقفت بدورها:

  • قلت ما عندي، وأنا أتحدّث هنا، باسم السلطة والشعب والجيش والمقاومة، باسم كلّ لبنان.

شعر السفير الإسرائيلي كأنّ دلوًا من المياه الباردة سُكب على رأسه. رأيتُ المياه تنساب من كلّ جوانبه: من شعره، وبزّته، وحذائه.  قال بنبرةٍ ساخرة لم تُخفِ غضبه الشديد:

  • الله يديم الوفق…

أدارت السفيرة ظهرها وقالت:

  • الكرة الآن في ملعبكم… سلام

خرجت والوفد المرافق من القاعة، وتركت نظيرها الإسرائيلي في حالٍ من  البلل والذهول التامّين.

اتصالاتٌ على مدار الساعة بين الوفد المُفاوض في واشنطن وبين الحكومة الإسرائيلية. خرج نتنياهو عن طوره.  فقد أفشل الوفد اللبناني المسرحيّة التي قام بها في جولته على الحدود، مدّعيًا أنّه يتجوّل في بنت جبيل حيث يُسطّر المقاومون أروع الملاحم.

“ننسحب، لا مفاوضات … ولكنّنا نحتاج إلى لعب دور المفاوض، نتيجة الضغط العالمي الذي نتعرّض له. لقد قدّم لنا لبنان فرصةً ذهبيّة بطلبه المفاوضات، لا يمكننا تفويتها…لا يمكننا أن نوافق على مطالبهم. سنقول للعالم إنّهم وضعوا شرطًا لا نرضى به. لكن لن يتعاطف معنا أحد، لأنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل  إلى مطلب دولي. هذا الشرط كان مشمولًا بالاتفاق الأميركي – الإيراني، برعاية باكستانيّة. والحلّ؟ لا حلّ سوى القبول بهذا الشرط ، ولكن علينا أن نكسب الجولة الثانية من المفاوضات.

الحلم. ما أجمله من حلم. لا أريد أن أستيقظ منه قبل بدء الجولة الثانية من المفاوضات.

وصل الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى قاعة المفاوضات. لا مُصافحة بالأيدي كما في الجولة الأولى.

أخرجت السفيرة اللبنانيّة ملفًا ضخمًا من حقيبة يدها، ووضعت على الطاولة أمام الوفد الإسرائيلي صور الشهداء المدنيين: نساء وأطفال وكهول. صور لعناصر أمن الدولة والجيش، وللصحافيين والمسعفين، وآخرها لعنصرَي الصليب الأحمراللبناني. أشاح الوفد الإسرئيلي بنظره، مقلّلًا من قيمة ما عرضته السفيرة اللبنانيّة.

بادرت السفيرة اللبنانيّة بالقول:

  • أودّ أن أبلغكم أنّ الدولة اللبنانيّة اتخذت قرارًا بالإجماع بنزع سلاح حزب الله.

انفرجت أسارير الوفد الإسرائيلي، ورفع السفير الإسرائيلي زجاجة المياه أمامه ليشرب نخب هذا القرار.

ابتسمت السفيرة اللبنانيّة وتابعت:

  • سيتم تجريد حزب الله من سلاحه، وسيُسلّم هذا السلاح إلى الجيش اللبناني بإشراف رئيس الجمهورية وقائد الجيش. في المقابل، على الجيش الإسرئيلي أن ينسحب إلى الحدود المعترف بها في اتفاق الهدنة الموقّع عام 1948. يلي ذلك انتشار الجيش اللبناني على الحدود، لتُصبح حمايتها في عهدته.

ثمّ سحبت السفيرة اللبنانيّة، وسط ذهول الوفد الاسرائيلي، ورقةً موقّعة من قبل أمين عام حزب الله، يتعهّد فيها بتسليم سلاح حزب الله إلى جيش اللبناني على أن يكون الأخير هو الجهة المخوّلة الدفاع عن أرض لبنان.

استيقظتُ على خبطة يد السفير الإسرائيلي على الطاولة، وهو يصرخ بأعلى صوته:

  • هراء… هراء… هراء! لا سلاح على الحدود لا بيد الجيش اللبناني ولا بيد سواه.

استيقظتُ مذعورةً على صوت “درون”. دخلت غرفتي وقرأت حلمي… فأيقظتني.

… خيرًا اللّهم اجعله خيرًا.

أضف تعليق