ولا في الأحلام…

غفوتُ على الكنبة وأنا أقلّب الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي. سقط الهاتف من يدي من دون أن أشعر. نمتُ كما لم أفعل منذ بدء الحرب؛ أذكر أنّ آخر الأخبار التي قرأتها كانت تتعلّق ببدء المفاوضات المباشرة بين لبنان والكيان الإسرائيلي؛ وأذكر صورةً استوقفتني تجمع سفيرة لبنان في واشنطن وسفير إسرائيل هناك وخلفهما العلمان، اللبناني والإسرائيلي. لم أدقّق في ما إذا كانت الصورة حقيقيّة أم من صنع الذكاء الاصطناعي؛ غفوت قبل أن أتأكّد من الأمر، وحلمت: كان حلمًا جميلًا، لا كابوسًا من ذلك النوع الذي يلازمني كلّما أويت إلى الفراش.

بدأ المنام بالجلسة الأولى للمفاوضات المباشرة. أذكر من الوفد السفيرة اللبنانية التي رفضت أن تمدّ يدها ليد السفير الإسرائيلي. وبادرت إلى القول:

  • عذرًا، نحن في حالة عداء، وبدء المفاوضات لا يعني أنّنا على وفاق.

أربك هذا الموقف السفير الإسرائيلي، فاصفرّ وجهه.

جلست السفيرة الشابّة، المتخصصّة في الشؤون الإقتصاديّة، وأمسكت بزمام الكلام:

  • نحن هنا لنقول لكم إنّنا لن نبدأ أيّ مفاوضات من دون وقف إطلاق شامل في لبنان. لن نفاوض و”درون” واحد  يُحلّق في سماء بلادنا يؤرق راحة اللبنانيين.

صُعق السفير الإسرائيلي من نبرة نظيرته اللبنانيّة الحازمة. لم يكن هذا في حسبانه ؛ جاء ليفرض الشروط، لا ليُصغي إلى ما ستقوله. حاول أن يعترض، فوقف بعصبيّة لإنهاء النقاس، وقال:

  • هذا ليس تفاوضًا، ونحن لا نرضى بهذه النبرة.

أجابته السفيرة، بعد أن وقفت بدورها:

  • قلت ما عندي، وأنا أتحدّث هنا، باسم السلطة والشعب والجيش والمقاومة، باسم كلّ لبنان.

شعر السفير الإسرائيلي كأنّ دلوًا من المياه الباردة سُكب على رأسه. رأيتُ المياه تنساب من كلّ جوانبه: من شعره، وبزّته، وحذائه.  قال بنبرةٍ ساخرة لم تُخفِ غضبه الشديد:

  • الله يديم الوفق…

أدارت السفيرة ظهرها وقالت:

  • الكرة الآن في ملعبكم… سلام

خرجت والوفد المرافق من القاعة، وتركت نظيرها الإسرائيلي في حالٍ من  البلل والذهول التامّين.

اتصالاتٌ على مدار الساعة بين الوفد المُفاوض في واشنطن وبين الحكومة الإسرائيلية. خرج نتنياهو عن طوره.  فقد أفشل الوفد اللبناني المسرحيّة التي قام بها في جولته على الحدود، مدّعيًا أنّه يتجوّل في بنت جبيل حيث يُسطّر المقاومون أروع الملاحم.

“ننسحب، لا مفاوضات … ولكنّنا نحتاج إلى لعب دور المفاوض، نتيجة الضغط العالمي الذي نتعرّض له. لقد قدّم لنا لبنان فرصةً ذهبيّة بطلبه المفاوضات، لا يمكننا تفويتها…لا يمكننا أن نوافق على مطالبهم. سنقول للعالم إنّهم وضعوا شرطًا لا نرضى به. لكن لن يتعاطف معنا أحد، لأنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل  إلى مطلب دولي. هذا الشرط كان مشمولًا بالاتفاق الأميركي – الإيراني، برعاية باكستانيّة. والحلّ؟ لا حلّ سوى القبول بهذا الشرط ، ولكن علينا أن نكسب الجولة الثانية من المفاوضات.

الحلم. ما أجمله من حلم. لا أريد أن أستيقظ منه قبل بدء الجولة الثانية من المفاوضات.

وصل الوفدان اللبناني والإسرائيلي إلى قاعة المفاوضات. لا مُصافحة بالأيدي كما في الجولة الأولى.

أخرجت السفيرة اللبنانيّة ملفًا ضخمًا من حقيبة يدها، ووضعت على الطاولة أمام الوفد الإسرائيلي صور الشهداء المدنيين: نساء وأطفال وكهول. صور لعناصر أمن الدولة والجيش، وللصحافيين والمسعفين، وآخرها لعنصرَي الصليب الأحمراللبناني. أشاح الوفد الإسرئيلي بنظره، مقلّلًا من قيمة ما عرضته السفيرة اللبنانيّة.

بادرت السفيرة اللبنانيّة بالقول:

  • أودّ أن أبلغكم أنّ الدولة اللبنانيّة اتخذت قرارًا بالإجماع بنزع سلاح حزب الله.

انفرجت أسارير الوفد الإسرائيلي، ورفع السفير الإسرائيلي زجاجة المياه أمامه ليشرب نخب هذا القرار.

ابتسمت السفيرة اللبنانيّة وتابعت:

  • سيتم تجريد حزب الله من سلاحه، وسيُسلّم هذا السلاح إلى الجيش اللبناني بإشراف رئيس الجمهورية وقائد الجيش. في المقابل، على الجيش الإسرئيلي أن ينسحب إلى الحدود المعترف بها في اتفاق الهدنة الموقّع عام 1948. يلي ذلك انتشار الجيش اللبناني على الحدود، لتُصبح حمايتها في عهدته.

ثمّ سحبت السفيرة اللبنانيّة، وسط ذهول الوفد الاسرائيلي، ورقةً موقّعة من قبل أمين عام حزب الله، يتعهّد فيها بتسليم سلاح حزب الله إلى جيش اللبناني على أن يكون الأخير هو الجهة المخوّلة الدفاع عن أرض لبنان.

استيقظتُ على خبطة يد السفير الإسرائيلي على الطاولة، وهو يصرخ بأعلى صوته:

  • هراء… هراء… هراء! لا سلاح على الحدود لا بيد الجيش اللبناني ولا بيد سواه.

استيقظتُ مذعورةً على صوت “درون”. دخلت غرفتي وقرأت حلمي… فأيقظتني.

… خيرًا اللّهم اجعله خيرًا.

صديقتي العزيزة… لا داعي للهلع

اتصلت بي صديقتي المقيمة في فرنسا وسألتني: ماذا يجري في لبنان؟

فاجأني سؤالها لأنّنا نتحدّث بشكلٍ شبه يوميّ ونحكي عن الوضع في لبنان والمنطقة ليس كخبيرتين في الشؤون الاستراتيجيّة والنوويّة شأن السواد الأعظم من اللبنانيين، بل كصديقتين معنيّتين بما يجري حولهما في العالم. ما فاجأني أكثر أنّها، بحسب علمي، كانت قد دخلت طوعًا في نومة أهل الكهف منذ حرب غزّة، تحت شعار: “ما بقى بدي أعرف”. لماذا قررت الآن أن تعرف؟ وأيّ معرفة حبّ اللبنانيين بعضهم بعضًا، ذاك الحب الذي يقتل!

سألتها عن القصد من سؤالها، فأجابتني : “شامّة ريحة حرب أهليّة بلبنان”.

قلت لها : “أوووف… وصلت ريحة الزنخة لعندكن”.

ويبدو أنّ صديقتي، التي أقلعت عن متابعة وسائل التواصل الاجتماعي لتنعم في نومة أهل الكهف، عادت إلى هذا العالم مجدّدًا، في اللحظة التي بلغ فيها “الحبّ” مرحلة هدر الدم.

الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي حامية الوطيس؛ حرب من دون دماء، ولكنّها تصيب في القلب مقتلًا. والمفارقة أنّ هذه الصديقة نفسها غادرت لبنان، كما أخبرتني، ليس هربًا من المدفع، بل من حجم الطائفية والعنصرية المتعششة في المجتمع اللبناني. “لا ما في فيني عيش معن”، قالتها يوم قررت الرحيل عام 2000 حين كان يُفترض أنّ تكون البلاد في أفضل أحوالها مقارنة بما سبق وما تلا. فما الذي يُذهلها اليوم، والبلاد في أسوأ أحوالها؟

ما فاجأ صديقتي لم يفاجئني. لا أدري لماذا استهجنت موجات الحقد والكراهية المُتحكّمة بمفاصل المجتمع اللبناني. هل افترضت، لسببٍ سماوي مثلًا، أنّ اللبنانيين تخلّصوا فجأةً من أحقادهم الدفينة وأصبحوا شعبًا واحدًا تتظافر جهود أبنائه، معاذ الله، في مواجهة الأخطار الخارجيّة؟ هل نظرت كيف اتحد الإيرانيون، فوقف من يُعادي النظام وعانى من بطشه إلى جانب من يُؤيّده ويعيش في كنفه، رفضًا للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على بلادهم؟ هل أصابتها الغيرة مثلًا؟ أم أنّها ظنّت أن توحّد الشعوب ينتقل بالعدوى ؟

يبدو أنّني الوحيدة التي لم تتفاجأ بفيض التحريض الطائفي على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أرى فيه جديدًا يستدعي الاستهجان؛ فالإناء ينضح بما فيه، والكنيسة لا تعانق الجامع إلّا في صور وزارة السياحة. أمّا والتعايش، إذا وجد، فيبقى حالات فرديّة وليس حالة وطنيّة عامة.

نحن شعب تربّى على حقيقتين وروايتين. المسلّمات بالنسبة لنا وجهة نظر، وكلّ مواطن صاحب نظرية لا يتزحزح عنها قيد أنملة. نناقش لا لنتعلّم أو لنغيّر الواقع نحو الأفضل، بل لنُثبت أنّنا أصحاب الحق، وأنّ الآخر مخطئ . نلعن فلانًا أو نخوّنه قبل أن يبدأ النقاش، فيما يفترض العكس: أن ننقاش لنستنتج… ما قيمة النقاش إذا كانت النتيجة محسومة سلفًا، فكيف إذا كانت كلّ نتائجنا محسومة أصلًا!

نحن لسنا شركاء في الوطن، بل أعداء “نطناطح” عليه. لنا مُفرداتنا الخاصّة التي نعيّر بها بعضنا بعضًا : ممانع، خائن ، عميل، صهيوني، إيراني، إسرائيلي، أميركي… سنسكريتي. هناك دائمًا: نحن وأنتم. لا وجود للبناني أو الوطني في أي نقاش؛ فهذه صفات تُدرج في خانة المزايادات المقيتة. والأنكى، أنّ كلّ طرف يدّعي أنّه لبناني أكثر من الآخر وأنّ الوطنيّة حكر عليه. يسقط الجنوب من لبنان البعض، وتتحوّل الضاحية إلى عبء أو لزوم ما لا يلزم، من دون أن ينال ذلك من وطنيّة المتحدّث. ولا أدري كيف يحسب هؤلاء مساحة الوطن، وعن أيّ وطن تحديدًا يتحدّثون؟ يخلط البعض الآخر عن قصد بين السلام والاستسلام (فمعظم اللبنانيين جهابذة العصر ولا جهلة بينهم) ويستعجلونه تحت ضغط النار. يفترضونه حلًا سحريًّا، وتلتمع أعينهم إمّا غبطة أو مكرًا لا فرق، لدى وقوعهم على هذا الاكتشاف فيتهافتون، في الأرجح، على تسجيله كلّ باسمه، طمعًا بنياشين تعلّق على صدورهم. يُدافع المقاومون، أهل الأرض، عن أرضهم التي تقع ضمن نطاق الـ10452 كلم مربع ، فتصدر في المقابل بيانات تضع الحرب في خانة الانتقام لدم خامنئي!!!! تصريح موزون يعزّز اللحمة الوطنيّة، ومنهم من يتوعّد بكبائر الأمر بعد انتهاء الحرب… والدم يسيل غزيرًا في الجنوب.

تحوّلت المنابر الإعلامية إلى وسيلة لشحن الحقد وتغذيته، وهذا ليس جديدًا، بل هو عدّة الحرب وعتادها منذ أن ملك كل طرف وسيلته الإعلاميّة التي تُباع وتُشترى في سوق النخاسة . لكلّ مؤسّسة إعلامية عشرات الأجندات بدل الأجندة الواحدة. أمرٌ “عاديٌّ”، بل “طبيعيٌّ” بدليل أنّ ايًّا من وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام لم يحرّك ساكنًا، بالرغم من أنّ بعض المقدمّات الإخبارية تكاد أن تشعل فتيل الفتنة التي تنتظر في الزاوية. الجديد الوحيد الذي يُضاف إلى “حبّنا الحمّاري للوطن” منذ حرب الكلّة في العام 1860إلى يومنا هذا، هو وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي ساعدتنا، مشكورةً، لنستفرغ كلّ قرفنا على الملأ. الكراهية موجودة، ورفض الآخر حقيقة، والتخوين نشيد يومي، وجهات النظر تُباع بالكيلو، فما الجديد إذن ؟ …

صديقتي العزيزة… لا داعي للهلع.

واسمحي لي أن أطلب منك معروفًا، عودي إلى نومة أهل الكهف واحجزي لي مكانًا إلى جانبك .

«نجوم الأمل والألم» : نجمتان مطرّزتان في السماء

«أوف، شو عملوا فينا»، عبارة تردّدها في داخلك وأنت تشاهد فيلم «نجوم الأمل والألم». قد لا تنجح في أن  تُبقيها همسًا داخليًا، فيخرج الإنفعال على شكل تمتمة خافتة. لا حرج في أن تقولها بصوت عالٍ، أو أن تردّد عبارة مرادفة لها مثل «شو مرق علينا»، وأنت على يقين بأنّ كلّ من يشاهد الفيلم يشاركك الشعور نفسه. لا يترك لك الفيلم مسافة آمنة بينك وبينه، بل يضعك في قلب تجربة تشبهك. أنت أمام مرآتك. شريط أحداثه… هو شريط حياتك. تتماهى معه. تصبح شريكًا. بطلًا من أبطاله، أو بمعنى أدق، مواطنًا من مواطنيه.  إنّه فيلم عنّا نحن اللبنانيين وتحديدًا «جيل الحرب»، تلك التسمية التي تستدرج الشقفة على أنفسنا، نحن الذين لم يفتنا القطار فحسب، بل دهسنا تحت عجلاته. والقطار، أو بالأحرى سكّة الحديد، مكانٌ محوري في الفيلم من دون أن يُحمّل أي معنًى مجازيًا. إنّها سكّة وُجدت في زمن يسبق زمن بطليّ الفيلم نينو (حسن عقيل) وياسمينا (منية عقل)، وانتهى دورها قبل ولادتهما على الأرجح. لم يبق منها سوى هيكل متآكل يغزوه الصدأ، لكنّه يتحوّل إلى مساحة للقاء طفلين يهربان إليه من كلّ ما يزعجهما. إنّها ذاكرة نحاول جاهدين الحفاظ عليها، رغم الندوب التي أصابتها والتشوهات التي نالت من جماليتها، أو من خصوصيتها المرتبطة بنا كأفراد.

يحكي فيلم «نجوم الأمل والألم» عن الحرب، بل عن الحروب اللبنانيّة. تلك المادّة الحيّة التي لا تزال تمّد الفن السابع اللبناني بوقودٍ لا ينضب، وتتوارثها الأجيال في نسخٍ أكثر عنفًا ووحشيّة. تمتد مساحة الفيلم على ثلاثين عامًا، تحكي الحرب بأشكالها المتعدّدة وإفرازاتها المدمّرة، على خلفيّة قصّة حب تجمع طفلين على سكّة الحديد، ثم تفرّقهما الظروف، لتعيد الصدفة جمعهما ثانيةً. ويكاد انهيار البلد عمومًا والانهيار الإقتصادي خصوصًا أن يفرّقهما من جديد. ورغم أن قصّة الحب تتقاطع مع بعض كلاسيكيات الأفلام الهوليوديّة، حيث تذهب ياسمينا لتبحث عن نينو في المكان الذي تعرف أنّه يهرب إليه دومًا، أي سكّة الحديد، فإنّ هذا التأثّر لم ينتقص من سلاسة العلاقة العاطفية التي شكّلت القماشة التي طُرزت عليها أحداث الفيلم. قصّة لا تخرج عن المألوف السينمائي، إذا صحّ القول، لكّنها حُبكت برومانسيّة لطيفة، من دون مبالغة أو ابتذال، فجاءت الأحداث في سياق إنساني حقيقي غير مفتعل، منذ لحظة الافتتان الأولى مرورًا بالأزمات والخلافات التي تنتاب أي علاقة، وصولًا إلى مواجهتهما مصيرهما المشترك. ولا شكّ في أنّ التناغم بين البطلين حسن عقيل ومنية عقل مضافًا إلى رقّة نينو وطرافته وجاذبية ياسمينا وإتقانها لعبة التطواطؤ مع شريكها، أضفى نكهة مميّزة على هذا الفيلم. بهذا المعنى، كان اختيار المُمثّلين موفّقا جدًا، بدءًا من المخضرمين مثل جوليا قصار وكميل سلامة وصولًا الى الطفلين الذين لعبا دور ياسمينا ونينو أيام الطفولة، من دون أن ننسى طبعًا الشيف (تينو كرم) وزوجته (نادين شلهوب).

شكّلت مشاهدة هذا الفيلم متعة تمتّد لساعة وخمسين دقيقة، لا يعكّرها سوى دموع تنهمر فرحًا وحزنًا. فيلم مؤثّر منذ لحظاته الأولى حتّى النهاية. مؤثّر في عفويته من دون تبسيط، في واقعيته من دون مبالغة، في ألمه حدّ البكاء وفي أمله، الذي لا يعدو نجمتين مطرزتين في السماء.

وفي المناسبة، يبدو عنوان الفيلم باللغة الإنكليزية A sad and beautiful world (عالم حزين وجميل)، أكثرمطابقةً لروحه، من العنوان الذي اختير له باللغة العربية« نجوم الأمل والألم ». واستطرادًا، فالأمل، إن وجد، يأتي بعد الألم، لا قبله.  

ملفتةٌ الحرفيّة في هذا الفيلم، وخصوصًا أنّه أوّل فيلم طويل للمخرج سيريل عريس. ولا مبالغة في اعتباره تحفةً فنيّة تتخطّى الإطار اللبناني، ما جعله يحصد أكثر من جائزة منها جائزة الجمهور في مهرجان البندقية، وجائزة اليسر لأفضل سيناريو في مهرجان البحر الاحمر السينمائي الدولي، كما دفع الدولة اللبنانية، ممثّلةً بوزارة الثقافة، إلى ترشيحه لتمثيلها في جائزة الأوسكار. أخيرًا وليس آخرا، إذا استعرتُ من الموسيقى لوصفه، لقلتُ إنّه مقطوعة متكاملة؛ يتصاعد إيقاعها السردي بتناغم، فيما تأتي الموسيقى نوتةً تمنح المشهد حميميّته، وتضفي ذلك الدفئ الذي يسري في روح المشاهد جنبًا إلى جنب مع الألم، أمّا الأمل، فيبقى خيارًا شخصيّا.

مأتم الرحباني : مشهد سوريالي تحت شمس حارقة

مشهد سورياليّ بامتياز هو ما شهدته كنيسة رقاد السيّدة – المحيدثة في وداع زياد الرحباني أمس.

إنّه مشهد لبناني بامتياز أيضًا. ليس بالمعنى الوطني الجامع حيث تعانق الكنيسة الجامع، وتقف المحجّبة جنبًا إلى جنب السافرة في وداع  من اتفقوا على حبّه، بل لبنانيّ في حجم طبقات الانفصام المجتمعي والسياسي الذي يعكسه. طبقة الساسة مع كل ما تحمل العبارة من معاني الكذب والنفاق والتزلّف. طبقة الثرثارين الذي يتلهّفون للظهورعلى الشاشة ويقولون أي كلام. “هول نهفة” بنبرة زياد ولغته طبعًا. ينتمي هؤلاء تحديدًا إلى فئة “حاج تحللي …الله يرد عنك ” (مسرحية بالنسبة لبكرا شو). وهناك أخيرًا طبقة    الأوفياء والأصدقاء ومحبّي زياد، الناس العاديين الذين توزّعوا في زوايا الباحة الخارجية يتذكّرونه أو يبكونه بعيدًا عن عدسات الكاميرا والنجومية المشتهاة. هؤلاء هم الأكثر صدقًا وشفافية وحزنًا وصمتًا من دون تفجّع أمام عدسات الكاميرات. ولعّل أجمل الأكاليل التي وصلت إلى باحة الكنيسة والتي ربّما كانت ستعني لزياد أكثر من سواها، الأكليل الذي أرسله “سناك فيصل” في الحمرا.

 لو لم يكن زياد ابن فيروز، هل حضر من حضر من المتزلفين الذي قارعهم  زياد وانتقدهم بشدّة على مدى عقود؟ “أنا والله فكري هنيك…” كتبها زياد عن هؤلاء الزعماء الذين حضربعضهم بوقاحة مُفرطة ، للوداع الأخير أو لتقدمة واجب العزاء للأم الثكلى. في هذا اليوم الطويل، لم تكن فيروز، سفيرتنا الى النجوم، فيروز، بل كانت أمّا في تسعينياتها مفجوعة برحيل ابنها، وأي ابن !!! زياد رفيق اللحن والكلمة و….

مشهد سوريالي في التأبين الذي لا يشبه زياد، بل هو النقيض تمامًا لما يؤمن به، وهو ما لا يصعب اكتشافه لمن رصد كل نغمة، وكلمة، وحرف، وقفشة قالها على مدى عقود. تأبين زياد من دون موسيقاه ولو في لحظة الوداع الأخيرة : مشهد غريب وغير مفهوم!  لعلّه أراد أن يسمع لحنًا قبل أن تنطلق به السيارة إلى مثواه الأخير. “أنا صار لازم ودّعكن”، ربّما، أو “جايي مع الشعب المسكين”، مثلًا. اللحن الموسيقى عالق أصلًا في رأسه ولا يفارقه حتى في رقاده. هذا ما يستنتجه من يُصغي إلى حديثه في إحدى المقابلات وهو يروي أنّ والده عاصي سأله حين كان طفلا : أين سمعت هذا اللحن الذي عزفه على البيانو ، فأجابه : “هون براسي”، وتابع : “كان بيي يجي ينوّط اللحن”. حتّى من لم يشاهد هذه المقابلة، يدرك تمامًا أنّ زياد يفضّل الموسيقى على “كتر الكلام” وخاصة إذا كان “أي كلام” : “دقّ ضلّك دقّ، قلّي النغمة لك، النغمة ع الحقّ شو أحلى من الحكي ، النغمة بتفوت، النغمة بتفوت ع قلبي”.

في إحدى مقابلاته التلفزيونية يبرّر زياد عدم إلقاء كلمة في تشييع والده أو في إحدى مناسبات ذكرى رحيله قائلًا : بعد سعيد عقل شو بدي قول، بس تسمعو بتصير بلا عقل. لما بحطو عاصي بمصافي الانبياء، انا شو عندي قول. ما حدا حكي عن عاصي اللي كان يعزف عالبيانو بأصبعين ويكمّل تأليف اللحن بالإيد التانية…

زياد زياد زياد كان النشيد الذي ردّده محبّوه الذين تجمعوا حول حاملي النعش. لحن رافقه من شارع الحمرا حيث كان التشييع الذي يشبهه، في المكان الذي لم يخرج من نطاقه سكنًا وعملًا وعيشًا، وصولًا إلى وجهته الأخيرة.

لو كانت لزياد أذنان تسمعان وعينان تريان ما جرى حوله في ذاك اليوم السوريالي الطويل  لكتب عشرات المسرحيات الساخرة. فالمادّة كانت دسمة في الفضاء الخارجي للكنيسة. يكفي أن يستمع إلى ما قيل عنه، والأهم هويات الذين قالوا ما قالوه عنه، حتّى تقع الطامة الكبرى. المشهد هو تجسيد حرفيّ لـ ” نزلنا عالخندق نزلوا ورانا “. ومن لم يدلُ بدلوه ألّف أخبارًا وكتب سيناريوهات، فكانت الإشاعات تملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب التصريحات والتحليلات لبعض الوقت. والمدهش أيضًا وأيضًا، أنّه كان للذكاء الاصطناعي حضوره الطاغي على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيب صور لا يصدّقها سوى جاهل أو من رزح تحت الضغط العاطفي، فصدّق كلّ ما يراه، وكنت منهم للأسف، فوقعت في فخّ صورة زائفة للسيّدة فيروزتُظهر فيها تنهمر دمعة على إحدى وجهنتيها كأنّها هاربة من شلالات نياغرا لشدّة غزارتها! والاعتراف بخطأ التصديق حتّى ولو كان ناتجًا عن جهل أو ضغط عاطفي أفضل من التعرّض لابتزاز أحد الأصدقاء (جهاد بزّي) الذي وثّق خطأي ووعدني خيرًا.

لم تتوقّف “هررة ” الكلام عبر الشاشات التلفزيونية منذ أن انتشر خبر رحيل زياد. كلام وتحليلات ونقاشات تُشبه الخوض في احتمالات نشوب حرب نووية من قبل محللين استراتيجيين، نبتوا كما الفطر ليلبّوا حاجات القنوات الفضائية والمحليّة التي صنعتهم وتقاطع المصالح التي جمعتهم. ماذا لو اكتفت محطات التلفزة بنقل مراسم التشييع والحضور الشعبي وحتى الرسمي والفنيّ من دون كلام، فقط على وقع موسيقاه، ماذا لو ؟ ولكن في رحيل زياد يطغى الكلام بدلًا من الموسيقى والتحليل بدلًا من الصمت.

مشاكسٌ زياد حتى في رحيله. شكلّت أعماله الفنيّة مرآة عكست هذا المجتمع الذي شرّحه في الموسيقى كما في الكلمة والمشهد. جمع رحيله كل تناقضات البلد على المستويات كافة ليشكّل مرآته مرّة أخرى : سوريالية جديدة تضاف إلى المشهد العام تحت شمس حارقة!

هدّوا البال يا رفاق: إنّها مجرد حفلة

جرّبنا نحن اللبنانيون كل أنواع الخلاف وأشكاله منذ الأزل. نختلف قبليًّا وعشائريًّا. نختلف دينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا. نختلف أديولوجيًّا وسياسيًّا وحزبيًّا. نختلف طبقيّا واجتماعيّا ومناطقيّا. اختلفنا ولا زلنا أكثر بكثير ممّا اتفقنا. قد تكون تلك هي حال الشعوب التي تتنوّع  مللها وطوائفها ومذاهبها. وقد يكون هذا ما كتبه الله علينا: ألّا  نتّفق إلّا على فكرة أنّنا على خلاف وقد لا نتّفق حتّى على ذلك بالضرورة. إذ لا بدّ أنّ يكون هناك من سيعترض على فكرة “أنّنا على خلاف” كأن يقول مثلًا إن علّة هذا البلد تكمن في مسؤوليه وحكّامه، ومن دونهم يعيش اللبنانيون بحبّ ووئام، وبالتالي لا نعود مُتّفقين على خلافنا. خلافنا ليس من النوع العادي، بل يحمل دائمًا في طيّاته انتقاصًا وتنمرّا وصولًا إلى تخوين من يُخالفوننا في الرأي. “أحترم رأيك” أو “وجهة نظرك تستحقّ النقاش” (لا سمح الله) ليستا واردتين في قاموسنا اليومي. ومن ليس من رأينا،  فهو حتمًا ضدّنا. هو عدّونا الذي لا بدّ أن نلغيه (قبل موقفه) من الوجود. الرأي الثالث هو بمثابة تلّون لا طعم لصحابه ولا نكهة. هو تذاكٍ مرفوض في مجتمع يقتاط من الخلاف ويسعد به وينتشي. إمّا أن تكون مع الحدث موضع النقاش أو تكون ضدّه. تلك هي حدود النقاش المتاحة.
اختلف اللبنانيون في شأن حفلة عمرو دياب. خلاف حقيقي وليس مجرد اختلاف في الذائقة الفنيّة. خلاف يصلح أن تُنصب له المتاريس وقد نُصبت. خلاف يصلح لأن يكون فتيلًا مناسبًا لتفجير البلاد في حال اتُخذ القرار خارجيّا بذلك. أوليست تلك هي اللازمة التي تُردّد في بلد رأى النور بناءً لقرار خارجي؟ حفل حضره  15، 16، 17 ألف مواطن، لا ندري على وجه التحديد الرقم النهائي، واختلف بشأنه 4 ملايين لبناني وهو تعداد “شعب لبنان العظيم” بحسب آخر إحصاء خضعت له البلاد في العام ١٩٣٢، يُضاف إليهم لبنانيو الخارج الذين لا نعرف أعدادهم النهائيّة كذلك. فهذا الرقم يخضع أيضا لحسابات سياسيّة ومزايدات اجتماعيّة وارتفاع مضطرد ربطًا بظروف البلاد غير المستقرّة. إذ ينام اللبناني على أساس أنّه مقيم في وطنه متمسّك بأرضه، يستيقظ ليجد نفسه مُغتربًا في إحدى دول الخليج في الأرجح “يرفع اسم بلاده عاليًا” حتّى لو أعطي راتبًا أقل من ذاك الذي يستحقّه تحت لازمة “أشكر ربّك عم تقبض فريش دولار”، ثمّ لا يلبث أن يعود سائحًا ويغادر منتوفًا، فهو الدجاجة التي تبيض ذهبًا ومن أحقُّ بالذهب من تجّار البلاد الذين رفعوا الأسعار احتفاءً بالسياح “ولاد البلد”. بعد هذا الاستطراد الذي فرض نفسه، نعود إلى بيت القصيد لنشير إلى أنّ جميع هؤلاء اللبنانيين مقيمين ومغتربين أدلوا بدلوهم فردًا فردًا في حفل عمرو دياب. ولولا صورة الثنائي برّي- ميقاتي- مرتديَين سترتَي نجاة صفراوَي اللون يُحلّقان فرحين مرحين في فضاء البلوك رقم9، لحافظ بياض حفل  عمرو دياب على موقعه في “توب 10” المواضيع الأكثر إثارة على مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن تلطّخه أي مشتقّات نفطيّة أو حتى اكتشاف ثروة حيوانيّة نادرة الوجود في جبال الشيخ مثلًا. التفاعُل ليس القضيّة، فهذا أقل ما يُمكن أن يحصل في بلدٍ يكاد يموت أبناؤه من شدّة الضجر بعدما صمدوا في وجه كلّ أنواع الموت الأخرى. فليفرحوا، إذن، متى سنحت لهم الفرصة بذلك. ولكنّ دعاة الفرح، وهو الحزب الأول في هذه الانقسام الجديد- الظريف، لم يكتفوا بدعوة حنونة إلى الفرح لمن استطاع اليه سبيلا، بل ذهبوا أبعد من ذلك بكثير وبدأوا برشق الآخرين الذين انتقدوا الكلفة العالية للحفل إلى تفاصيل أخرى بكلّ أنواع التهم وألطفها أنّهم نكديّون. النكديّون الذي انتظموا في حزب لم يقصّروا في ردّ الصاع صاعين، فاستحضروا كلّ مآسي البلد وأزماته وكفّروا كلّ من سوّلت له نفسه البسط والانشراح والفرفشة في ظل هذه الأوضاع القائمة. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن استهلال الحديث بـ “دعاة الفرح” لا يعني أنّهم البادئون في هذه الحرب الشعواء، بل أنّ سياق النص فرض ذلك، فاقتضى التوضيح. “دعاة الفرح” مقابل “النكديّون” هو عنوان الانقسام اللبناني الجديد الذي لا ينفك يُبهرنا بابتكاراته وإبداعاته. ليس مفيدًا استرجاع كلّ ما قيل من الطرفين عن الحفل، لأنّ النتيجة ستكون مجلّدًا بعدّة أجزاء ولا حتّى الاكتفاء بأبرز ما قيل لأن ذلك سيخفّض عدد المجلدات بنسبةٍ لا تستحق الذكر، بل نكتفي بإشارة واحدة لكلّ فريق: فليسمح لنا “دعاة الفرح” الذين حملتهم حماستهم الى القول تعليقًا على الحفل “هذه هي بيروت”. بيروت أكثر اتساعًا، ثقافيًّا وفكريّا وحضاريّا، من حفلٍ غنائيّ لفنانٍ حتّى لو كان لقبه الهضبة أو المُنخفض لا فرق. لا لم تستعد بيروت دورها في ساعتين من “الفز والنط” على المسرح ومحيطه ولا أعاد اللون الأبيض السلام إلى النفوس. احتضار المدن عمومًا واحتضار بيروت خصوصًا أعقد من أن تُنقذه حفلة. إنّها مجرّد حفلة ونقطة عالسطر. وبالانتقال إلى حزب “النكديّون”، لا بدّ من تذكيرهم بأنّ الذين حضروا حفل عمر دياب ليسوا هم من سرقوا البلد ولا هم مسؤولون عن إعاده بنائه ولا علاقة لهم براتب أستاذ الجامعة اللبنانيّة المتدهور ولا بأزمة الكهرباء ولا بمافيا الدواء، وبينهم كثيرون من أهل الخير الذين يتبرّعون لمساعدة الآخرمن دون إعلانات رسميّة. وهنا أيضًا نقول إنّها مجرّد حفلة ونقطة عالسطر.بيروت ليست كرة طاولة، ضربة يربحها هذا الفريق فتتألّق، وأخرى يخسرها الفريق المقابل :فتموت. هدّدوا البال يا رفاق ولنحلّق سويّا فوق بلوك رقم 9 مع الثنائي برّي-ميقاتي، ولنغنّ أغنية “زينة ونحول” معًا

من وردة لوردة تطير، تجني العبير بين الحقول

تلعب مع صديقها نحّووول، زيـــنــه

أنا زينه… أنا زينه… وحدي في البساتين

أنا زينه الجميلة أغدو في كلّ حين

يا أحلى نحلة زينه

تمضي في رحلةٍ زينه

لاتسبقينا يا زينه

أين تطيرين يازينة؟ ماذا ترين في السماء؟

أنا نحلة صغيرة أحبّ أن أطيرَ

أحبّ أن ألعب في الفضاء

تراند العروبة ينتهي مع صفّارة الحكم

   
المنتخب الأجمل على الإطلاق في منتهى الموضوعية

عرب، ولكنّنا  فخورين بالجنسيّة الثانية، وفي حال وُجدت الثالثة، زد وبارك. وإذا طُلب منّا التخلي عن جنسيّة والاحتفاظ بأخرى، فالخيار معروف، “شو بدنا بالجنسية العربيّة شو بتجب لنا”. صحيح

عرب، ولكنّنا نُعلّم أولادنا في جامعات  الدول الأوروبيّة والأميركيّة ونفتخر. سألتني صديقتي ، “ايه وين بدنا نعلمهم؟” قلت: في إحدى الدول العربيّة. أو لسنا عربًا ونفتخر؟ أضعف الإيمان ان نتعلّم حيث هي مفخرتنا.

 عرب، ولكنّنا نتحدّث بالفرنسيّة والإنكليزيّة والاسبانيّة بطلاقة، ونُمعن في إحداث التواءٍ في الحنك أو في تحويل حرف الراء إلى غين  لنصيب اللكنة ونبهر من حولنا.   

عرب، ولكنّنا لا نشعر بأيّ إحراجٍ عندما نرتكب أخطاءً لغويّة، بل نبتسم جزلين فرحين بضعفنا في إتقان لغة الضاد لأنّها لم تعد على الموضة، في حين نحمرّ خجلًا ونتلعثم في حال أخطأنا أثناء التحدث بأيّ لغة أجنبية. ويا غيرة الدين. 

عرب، ولكنّنا نقول زهقنا فلسطين. ولا حاجة للاستفاضة هنا. المعنى بقلب القول بكلّ تفاصيله وأبعاده الثلاثيّة.

عرب،  ولكنّنا لا نرى أنّ ثمّة  مشكلة في توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل. ونرى أنّ التطبيع مسألة عاديّة جدا، ونسخر من قلبنا وربّما نخجل، في حال انسحب أي عربي من مباراة يتواجه فيها مع إسرائيلي. هنا، يصبح العربي متخلّفا و”ليك وين بعده” والإسرائيلي منفتح و”كول”. وإذا أردنا فتح مزدوجين هناك الكثير من الأمثلة والأسباب، على امتداد العالم العربي، التي تبرّر لماذا يرضى الاسرائيلي بل يسعى الى مواجهة العربي في أي مباراة من ملكة الجمال إلى صحن الحمص، ولماذا على العربي المؤمن بعروبته أن يرفض من دون ان يُعيّر بموقفه.

عرب،  ولكنّنا لا نستقوي إلّا على بعضنا في أصغر تفصيل وصولًا إلى أكبر قضيّة أو موقف.

عرب، ولكنّنا “من موت ومن عيش” قبل أن نحصل على تأشيرة دخول إلى معظم الدول العربية الاخرى، وننتقل من مركز أمن إلى آخر بحجة تشابه في الأسماء، في حين يختم الأجنبي جواز سفره في المطار ويتمختر عريض المنكبين شلولخ.

عرب، ولكنّنا نتعرض لتشكيلة من أنواع الذلّ حين نعمل في الدول العربية، هذا في حال حصولنا على الوظيفة. في حين أن للأجنبي وظيفة ومكانة مفصّلتين على مقاسه. لذا، وفي حال امتلاكنا جنسية ثانية نستخدمها للدخول إلى البلاد العربية لأنه “أسهل وأضمن وأريح بال”، كما نستخدمها للحصول على وظيفة برتبة وراتب أعليين.

عرب، ولكنّنا نذبح على الهويّة ونهجر باسم الدين والمذهب.

تتكلم الأرض عربي عندما نريد ونرغب، علمًا أن فريق كرة قدم  تأهل بجدارة لاعبيه فقط وليس لأن الشلش العربي حرّك له اقدامه. 

إنّها مباراة كرة قدم لا مكان، للأسف، للعروبة فيها قبل انتفاء الظروف أعلاه. 

العروبة ليست “تراند” ستُعلِن، في أي حال، صفارة الحكم انتهاءه عمّا قريب. العروبة شيء آخر لا مكان له في يومياتنا البائسة. لن نستعيد الأندلس لو أتيح لنا كل الوقت الأصلي والأضافي من خلال هزّ شباك الخصم. لن نحرّر فلسطين من خلال رفع العلم الفاسطيني في الملاعب. ولن يكفي رفع العلم من أجل إحقاق الحق أصلًا.  في المناسبة، لم أفقه سبب الدهشة جرّاء رفع العلم الفلطسيني من قبل جمهور عربي في أرض عربية. ليست دهشة عاديّة بل دهشة عارمة. خلت للحظة أنّ جمهورا أميركيّا أو أوروبيّا هو الذي لاح بالعلم الفلسطيني مثلًا ما استدعى احتفالا افتراضيّا في قضية تحوّلت افتراضيّة في عالمنا العربي المُطبّع الحبيب.

نفرح لفوز المغرب لأن لعبهم جميل ومُمتع وحماسي.

نفرح لأن ابتسامة بونو الطفولية تستدرج كلّ التعاطف والحب.

نفرح لأنّ لنا بين المغاربة أصدقاء نفرح لفرحهم.

نفرح لأنّنا نحتاج إلى ابتسامة، إلى نصر صغير لا علاقة له لا بالعرب ولا بالعروبة اللذين يستدرج ذكرهما مآسٍ جمّة.

نفرح ولا نثأر لتاريخنا مع الاستعمار، لأن الثأر لا يكون في ملاعب كرة القدم بل له ملاعب أخرى ضلّها مدّعو عروبة الملاعب.

نفرح بالأم التي تراقص ابنها في الملعب لأنّه مشهد إنساني بامتياز، ونحزن للدموع التي انهمرت جراء الخسارة لأنّه أيضًا وأيضًا مشهد انساني بامتياز.

 فلنشاهد هذا المساء مباراة المغرب ، وتبًا للعروبة بكلّ المعاني التي عشناها ونعيشيها والتي ستتدحرج فوق رؤوسنا ما إن يطوي هذا المونديال صفحته.

أما في الغابة التي نعيش فيها

 

كتبت هذا التحقيق في صحيفة السفير في العام 11/11/1996، أي قبل أسبوعين وإثنين وعشرين عامًا بالتمام والكمال. أدرج هذا التحقيق الذي حمل عنوان ”يقدمون الماء والكهرباء والهاتف المشوّش… وهم باقون ، وزراء الظل لا يخافون منافسة الوزراء“، في خانة تحقيقات  ”الثلّاجة“. ويعني هذا التصنيف الذي يفهمه أهل المهنة تمامًا، أن لا عجلة في نشره. يمكن تأجيله بضعة أيام وربما أسابيع إلى أن تجد إدارة التحرير فراغًا ما في صحيفتها فتملأه بتحقيق من ”الثلّاجة“. كان هذا التصنيف يُزعج المُحقّق ويُشعره أنه أدنى مستوى وأن تحقيقاته التي تصلح لأي زمان هي تحقيقات لا لون لها ولا طعم، علمًا أن مفهوم التحقيق و”الثلاجة“ أمران متناقضان وخصوصًا حين يتعلق الأمر بهموم الناس وهواجسها الحياتيّة والمعيشيّة. المهم، لست هنا في وارد مناقشة مفاهيم المهنة الخاطئ منها والصائب، ولكنها جملة اعتراضية وربما دفاعًا متأخرًا عن قناعة راسخة، أن التحقيق الصحفي الذي يحكي وجع الناس هو أهم من المانشيت السياسيّة، وقد اعتمدت بعض الصحف ومحطات التلفزة هذه السياسة نقلًا عن الإعلام الأجنبي الذي يشّكل هذا المفهوم ركيزة عمله. المهم هنا، أنني بحثت في أرشيفي عن هذا التحقيق الذي ما أزال أذكره جيدًا، وقلت لو أعدت نشره الآن مع تعديلات طفيفة لما اكتشف أحد أنه الأرشيف!  ما زلنا، نحن الشعب اللبناني العنيد، بعد مرور أسبوعين وأثنين وعشرين عامًا نعاني من مشاكل انقطاع التيار الكهربائي والمياه وندفع أغلى فاتورة هاتف. كانت، في حينها، خطوط الهاتف مُشوّشة وتنقطع باستمرار. أما اليوم فقد انتقلت المشاكل إلى الشبكة العنكبوتيّة. ما زلنا، نحن الشعب اللبناني العنيد، بعد مرور أسبوعين وأثنين وعشرين عامًا ندفع فاتورتين واحدة للدولة بدل خدمات لا تقدمها وأخرى لأصحاب الخدمات الخاصة. والأسبوعان هنا أهم من الاعوام اللاحقة، لأن هذه الفترة الزمنيّة القصيرة قياسًا بالردح الزمني الذي تلاها كفيلة بإسقاط حكومات في الدول الأخرى. اما في الغابة التي نعيش فيها، فنحوّل قضايانا إلى طرائف نتلهى بها ونطالب بوزارة لأصحاب  مولدات الكهرباء وأخرى لأصحاب صهاريج المياه

ملاحظة: ليست هناك” تحقيقات ثلّاجة“  مثلما ليست هناك  تعديّات وأعمال بلطجه تستمر أسبوعين وأثنين وعشرين عامًا، بل هناك شعب يظن أنه سيُعمّر، لا قدّر الله لأبد الأبدين، وأن لا شيء يستحق العجلة للإعتراض وتغيير واقع الحال، وخصوصًا أنه منهمك في التنافس على عرض صوره وطرافته المفترضة على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالان عن التلفزيون في التسعينيّات

كتبت هذين المقالين عن البرامج التلفزيونية في العام 1992، وقد نُشرا في صحيفة ”الحياة“. كنت في حينها في بداياتي المهنيّة وكان النقد التلفزيونيّ أيضًا في بداياته  قبل أن يُحوّلوا هذا العمل اختصاصًا قائمًا بذاته، تتنافس الصحف المحلية على فرد مساحات  وترويسات خاصة به وقبل أن يتبارز الصحافيّون على لقب مؤسس النقد التلفزيوني. حصل ذلك في زمن بعيد واستمر طويلًا في صحيفة ”الحياة“ أولًا ثم في الصفحة الثقافية في صحيفة ”السفير“ ثم في الصفحة الثقافة في صحيفة ”النهار“، قبل أن يقترح الأستاذ أنسي  الحاج أن يكون هناك عمودًا متخصصًا في النقد التلفزيوني ورضي أن أكتب فيه مرتين في الأسبوع،علما أنه كان يميل إلى أن يجعل هذه الزاوية يوميّة وطلب مني التفرّغ الكامل لها. ولكني اعتذرت لأني لم أكن أرغب في التخلي عن عملي في قسم التحقيقات. الغاية من كلّ هذه الرواية ليست مجرد استعادة لذكريات جميلة بقدر ما هو تأكيد على أن النقد التلفزيوني الذي لم تهضمه المؤسسات الإعلاميّة يومًا ولطالما أدرجته تارةً في خانة ”الغيرة المهنيّة” وطورًا في إطار ”الرغبة في النقد من أجل النقد“، هو في صلب العمل الصحافي وقد تطوّر مع تطوّر المجتمع وحاجاته وتطور التلفزيون وما تعرضه الشاشة الصغيرة. تبدو اليوم مشاكل التلفزيون أعقد بكثير وأعمق بما لا يُقاس ممّا كان عليه الأمر في التسعينيّات، وكأننا كنا في زمن مختلف فعلًا. كما تبدو ثمة قضايا في المقابل غير قابلة للعلاج وأكثر ما ينطبق هذا الكلام على البرامج الحوارية التي ما تزال تعاني من نفس المشاكل منذ ان نشأتها الأولى

IMG_0395 (2)

 

 

 

 

IMG_0394