
اتصلت بي صديقتي المقيمة في فرنسا وسألتني: ماذا يجري في لبنان؟
فاجأني سؤالها لأنّنا نتحدّث بشكلٍ شبه يوميّ ونحكي عن الوضع في لبنان والمنطقة ليس كخبيرتين في الشؤون الاستراتيجيّة والنوويّة شأن السواد الأعظم من اللبنانيين، بل كصديقتين معنيّتين بما يجري حولهما في العالم. فاجأني أكثر أنّها، بحسب علمي، كانت قد دخلت طوعًا في نومة أهل الكهف منذ حرب غزّة، تحت شعار: “ما بقى بدي أعرف”. لماذا قررت الآن أن تعرف؟ وأيّ معرفة حبّ اللبنانيين لبعضهم الذي يقتل!
سألتها عن القصد من سؤالها، فأجابتني : “شامّة ريحة حرب أهليّة بلبنان”.
قلت لها : “أوووف… وصلت ريحة الزنخة لعندكن”.
ويبدو أنّ صديقتي، التي أقلعت عن متابعة وسائل التواصل الاجتماعي لتنعم في نومة أهل الكهف، عادت إلى هذا العالم مجدّدًا، في اللحظة التي بلغ فيها “الحبّ” مرحلة هدر الدم.
الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي حامية الوطيس؛ حرب من دون دماء، ولكنّها تصيب في القلب مقتلًا. والمفارقة أنّ هذه الصديقة نفسها غادرت لبنان، كما أخبرتني، ليس هربًا من المدفع، بل من حجم الطائفية والعنصرية المتعششة في المجتمع اللبناني. “لا ما في فيني عيش معن”، قالتها يوم قررت الرحيل عام 2000 حين كان يُفترض أنّ البلاد في أفضل أحوالها مقارنة بما سبق وما تلا. فما الذي يُذهلها اليوم، والبلاد في أسوأ أحوالها؟
ما فاجأ صديقتي لم يفاجئني. لا أدري لماذا استهجنت موجات الحقد والكراهية المُتحكّمة بمفاصل المجتمع اللبناني. هل افترضت، لسببٍ سماوي مثلًا، أنّ اللبنانيين تخلّصوا فجأةً من أحقادهم الدفينة وأصبحوا شعبًا واحدًا تتضافر جهود أبنائه، معاذ الله، في مواجهة الأخطار الخارجيّة؟ هل نظرت كيف اتحد الإيرانيون، فوقف من يُعادي النظام وعانى من بطشه إلى جانب من يُؤيّده ويعيش في كنفه، رفضًا للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على بلادهم؟ هل أصابتها الغيرة مثلًا؟ أم أنّها ظنّت أن توحّد الشعوب ينتقل بالعدوى ؟
يبدو أنّني وحدي غير متفاجئة بفيض التحريض الطائفي على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أرى فيه جديدًا يستدعي الاستهجان؛ فالإناء ينضح بما فيه، والكنيسة لا تعانق الجامع إلّا في صور وزارة السياحة. أمّا والتعايش، إذا وجد، فيبقى حالات فرديّة وليس حالة وطنيّة عامة
نحن شعب تربّى على حقيقتين وروايتين. المسلّمات بالنسبة لنا وجهة نظر، وكلّ مواطن صاحب نظرية لا يتزحزح عنها قيد أنملة. نناقش لا لنتعلّم أو لنغيّر الواقع نحو الأفضل، بل لنُثبت أنّنا أصحاب الحق، وأنّ الآخر مخطئ . نلعن فلانًا أو نخوّنه قبل أن يبدأ النقاش، فيما يفترض العكس: أن ننقاش لنستنتج… ما قيمة النقاش إذا كانت النتيجة محسومة سلفًا، فكيف إذا كانت كلّ نتائجنا محسومة أصلًا!
نحن لسنا شركاء في الوطن، بل أعداء “نطناطح” عليه. لنا مُفرداتنا الخاصّة التي نعيّر بها بعضنا : ممانع، خائن ، عميل، صهيوني، إيراني، إسرائيلي، أميركي… سنسكريتي. هناك دائمًا: نحن وأنتم. لا وجود للبناني أو الوطني في أي نقاش؛ فهذه صفات تُدرج في خانة المزايادات المقيتة. والأنكى، يدّعي كلّ طرف أنّه لبناني أكثر من الآخر وأنّ الوطنيّة حكر عليه. يسقط الجنوب من لبنان البعض، وتتحوّل الضاحية إلى عبء أو لزوم ما لا يلزم، من دون أن ينال ذلك من وطنيّة المتحدّث. ولا أدري كيف يحسب هؤلاء مساحة الوطن، وعن أيّ وطن تحديدًا يتحدّثون؟ يخلط البعض الآخرعن قصد (إذا لا جهلة بين اللبنانيين، معظمهم جهابذة العصر) بين السلام والاستسلام ويستعجلونه تحت ضغط النار. يفترضونه حلًا سحريًّا، وتلتمع أعينهم غبطة أو مكرًا لا فرق، على هذا الاكتشاف الذي يتهافتون، في الأرجح، على تسجيله باسمهم، طمعًا بنياشين تعلّق على صدورهم. يُدافع المقاومون، أهل الأرض، عن أرضهم التي تقع ضمن نطاق الـ10452 كلم مربع ، لتصدر بيانات تضع الحرب في خانة الانتقام لدم خامنئي!!!! تصريح ، موزون يعزّز اللحمة الوطنيّة. منهم من يتوعّد بعد انتهاء الحرب بكبائرالأمور… والدم يسيل غزيرًا في الجنوب.
تحوّلت المنابر الإعلامية إلى وسيله لشحن الحقد وتغذيته، وهذا ليس جديدًا، بل هو عدّة الحرب وعتادها منذ أن ملك كل طرف وسيلته الإعلاميّة التي تُباع وتُشترى في سوق النخاسة . لكلّ مؤسّسة إعلامية بدل الأجندة عشرات الأجندات. أمرٌ عاديٌّ، بل طبيعيٌّ بدليل أن لا وزارة الإعلام ولا المجلس الوطني للإعلام يحركان ساكنًا، حتّى لو كانت بعض المقدمّات الإخبارية تشعل فتيل الفتنة التي تنتظر في الزاوية. الجديد الوحيد الذي يُضاف إلى “حبّنا الحمّاري للوطن” منذ حرب الكلّة في العام 1860إلى يومنا هذا، هو وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي ساعدتنا، مشكورةً، لنستفرغ كلّ قرفنا على الملأ. الكره موجود، ورفض الآخر حقيقة، والتخوين نشيد يومي، وجهات النظر تُباع بالكيلو، ما الجديد إذًا ؟ …
،صديقتي العزيزة… لا داعي للهلع.
واسمحي لي أن أطلب منك معروفًا، عودي إلى نومة أهل الكهف واحجزي لي مكانًا إلى جانبك .










