الشعارات الإنتخابية غضب وقوة وترهيب بدلًا من الترغيب… والآتي أعظم

03-02-18-22201850

لا يكتمل المشهد الانتخابي من دون لافتات وشعارات تملأ الطرق وواجهات الأبنية وتزاحم الإعلانات التجاريّة على احتلال أيّ مساحة يمكن أن تشكّل نقطة جذب لنظر المواطن. ولم تنجح وسائل التواصل الاجتماعيّ وتطوّر الخدمات التي تقدّمها أن تحلّ بديلًا عن عامود الكهرباء الذي عليه ترتفع صور المرشحين وشعاراتهم. ولعّلها، استطرادًا، المرحلة الوحيدة التي يشعر فيها عامود الكهرباء بأنّ له دور فعّال في حياة العباد، بل يتباهى أنه عامود أساس  فيها ويرسم معهم لمستقبل نيابيّ ”أفضل“. ولا يُلام عامود الكهرباء على حالة الانتشاء التي تعتريه في مرحلة التحضير للانتخابات وخصوصًا أن وجوده في معظم أوقات السنة هو لزوم ما لا يلزم لأنه كما بات معلومًا -إلّا في دوائر القرار المحلّية- أن الكهرباء مقطوعة عنه منذ زمن طويل في لبنان. في أيّ حال، ليست الغاية رثاء عامود الكهرباء ولا المطالبة بحقوقه المهدورة ولا بالمهام الانتخابيّة المنوطة به، بل التوقف عند الشعارات الانتخابيّة نفسها. ورغم أن الطرقات العامة لم ترتدي كامل حلّتها الانتخابيّة بعد، فإن ثمة شعارات ولافتات لا يمكنك تجاهلها حتى لو أردت ذلك. تصطادك وأنت عالق في زحمة السير بين مئات السيارات والشاحنات وجبّلات الإسمنت وصهاريج المازوت والمياه. سطوتها أقوى من هاتفك المحمول الذي لا تفلته من يدك لا حين يزدحم السير ولا حين تخلو أمامك الطريق. تحاول أن تشيح بنظرك عن فوضى اللافتات تجنبًا للتلوّث البصري، وهو لا ينقصك وسط التلوّث المفروض على كلّ حواسك الأخرى، ولكنك تفشل بطبيعة الحال لأن النجاح يعني السير مغمض العينين، وهو ما لا تبدو عواقبه محمودة. تحاول أن تتجاهل الإعلانات، تعتاد وجودها وتعوّد نفسك ألّا تركز على مضمونها مكتفيًا بمزيج الألوان والأحجام الذي يرافقك في رحلتك مهما طالت أو قصرت مُدتها ومسافتها. ولكنّ ثمّة إعلانات تعيد تمارين التجاهل التي أرهقت نفسك بها إلى نقطة الصفر. ولعّل انتصار الإعلان على تجاهلك له يُعد عنصر  نجاح يُسجّل لصالح مصمّم الإعلان. يصحّ هذا الكلام في وصف الإعلانات الإنتخابية التي رفعها حزب الكتائب في المناطق التي له فيها مرشحين. يجذبك الإعلان ثم يصدمك. وإذا صحوت من صدمة إعلانات حزب الكتائب تغيب مجددًا تحت وطأة إعلانات التيّار الوطني الحر

تحت عنوان ”نبض التغيير“ تصوّر إعلانات حزب الكتائب الإنتخابية شابًا أو شابةً يُفترض أن تدلّ تعابير وجهه أو وجهها على الغضب. إنه الغضب من واقع البلاد الحالي الذي لا بدّ من تغييره عبر انتخاب مجلس نواب جديد يضم مرشحي حزب الكتائب الذي سيأتي هذا التغيير الموعود عن طريقهم.  هذا ما يُمكن استنتاجه من اللافتات المُذيّلة بتوقيع حزب الكتائب، علمًا أن شكل الشخص المُصوّر في الإعلان لا يوحي أنه غاضب فعلًا بل هو أقرب إلى أي حالة إنفعالية أخرى غير الغضب. قد يتبادر إلى ذهنك أن تيارًا كهربائيًا اشتغل لسوء حظّه للحظات اثناء تعليق صورته على عامود الكهرباء وأدى إلى صعقه ! لا يكفي أن يفتح من في اللافتة فمه على وسعه إلى حدٍ يُتيح عدّ أضراس العقل وربما معاينة اللوزتين، حتى يحقّق تجسيد فعل الغضب والرغبة في التغيير. يخشى الناظر إلى هذه اللافتات أن يخرج  مَن في الصورة في أيّ لحظة ويفترسه. لن يخطر في باله أنها مجرّد دعوة سلميّة وتحفيز على المشاركة في الإنتخابات لما فيه خيره وخير البلاد، بل يراه تهديدًا لحياته وخصوصًا أن أبطال هذه اللافتات يقلّدون تعابير وجوه الوحوش المفترسة، وليس الشباب الذي يُفجّر غضبه. يقابل إعلانات حزب الكتائب إعلانات التيار الوطني الحر، فقد زرعتا جنبًا إلى جنب في دلالة على أن المنافسة تبدأ على أعمدة الكهرباء ومنها تنزلق باتجاه صناديق الإقتراع. ولا تقتصر المنافسة عند هذا الحدّ، بل تتسع لتشمل اللغة المعتمدة في اللافتات نفسها. فرغم أن لا غضب في شعارات التيّار ولا وجوه تهدّد بافتراسك، فهناك عبارة مؤلّفة من كلمتين تفي بالغرض: التيّار القويّ! ومن يجرؤ أن يواجه القويّ أو يعترض طريقه أو يصوّت ضده؟ وإن سوّلت نفسه ذلك، فإن الشعار الذي يرفعه ”التيار القوي“ يدفعه إلى إعادة التفكير  في الأمر، لأنه سيكون في مواجهة تيّار قويّ ”مكمّل طريقو

 إنها البداية فحسب، ولابدّ أن الأحزاب الأخرى ستدخل الساحة بسلاح وعتاد من العيار نفسه وربما أثقل، فقد يخرج سيف من لافتة أو مدفع من أخرى أو رشاش من ثالثة… وكلّها شعارات تخفي خلفها رغبة حقيقيّة وصادقة في حثّ المواطن على ممارسة حقّه في الإنتخاب الديمقراطي… واستعراض القوة من الترهيب ما لا يأتي الترغيب بالنتيجة المرجوة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s