
مشهد سورياليّ بامتياز هو ما شهدته كنيسة رقاد السيّدة – المحيدثة في وداع زياد الرحباني أمس.
إنّه مشهد لبناني بامتياز أيضًا. ليس بالمعنى الوطني الجامع حيث تعانق الكنيسة الجامع، وتقف المحجّبة جنبًا إلى جنب السافرة في وداع من اتفقوا على حبّه، بل لبنانيّ في حجم طبقات الانفصام المجتمعي والسياسي الذي يعكسه. طبقة الساسة مع كل ما تحمل العبارة من معاني الكذب والنفاق والتزلّف. طبقة الثرثارين الذي يتلهّفون للظهورعلى الشاشة ويقولون أي كلام. “هول نهفة” بنبرة زياد ولغته طبعًا. ينتمي هؤلاء تحديدًا إلى فئة “حاج تحللي …الله يرد عنك ” (مسرحية بالنسبة لبكرا شو). وهناك أخيرًا طبقة الأوفياء والأصدقاء ومحبّي زياد، الناس العاديين الذين توزّعوا في زوايا الباحة الخارجية يتذكّرونه أو يبكونه بعيدًا عن عدسات الكاميرا والنجومية المشتهاة. هؤلاء هم الأكثر صدقًا وشفافية وحزنًا وصمتًا من دون تفجّع أمام عدسات الكاميرات. ولعّل أجمل الأكاليل التي وصلت إلى باحة الكنيسة والتي ربّما كانت ستعني لزياد أكثر من سواها، الأكليل الذي أرسله “سناك فيصل” في الحمرا.
لو لم يكن زياد ابن فيروز، هل حضر من حضر من المتزلفين الذي قارعهم زياد وانتقدهم بشدّة على مدى عقود؟ “أنا والله فكري هنيك…” كتبها زياد عن هؤلاء الزعماء الذين حضربعضهم بوقاحة مُفرطة ، للوداع الأخير أو لتقدمة واجب العزاء للأم الثكلى. في هذا اليوم الطويل، لم تكن فيروز، سفيرتنا الى النجوم، فيروز، بل كانت أمّا في تسعينياتها مفجوعة برحيل ابنها، وأي ابن !!! زياد رفيق اللحن والكلمة و….
مشهد سوريالي في التأبين الذي لا يشبه زياد، بل هو النقيض تمامًا لما يؤمن به، وهو ما لا يصعب اكتشافه لمن رصد كل نغمة، وكلمة، وحرف، وقفشة قالها على مدى عقود. تأبين زياد من دون موسيقاه ولو في لحظة الوداع الأخيرة : مشهد غريب وغير مفهوم! لعلّه أراد أن يسمع لحنًا قبل أن تنطلق به السيارة إلى مثواه الأخير. “أنا صار لازم ودّعكن”، ربّما، أو “جايي مع الشعب المسكين”، مثلًا. اللحن الموسيقى عالق أصلًا في رأسه ولا يفارقه حتى في رقاده. هذا ما يستنتجه من يُصغي إلى حديثه في إحدى المقابلات وهو يروي أنّ والده عاصي سأله حين كان طفلا : أين سمعت هذا اللحن الذي عزفه على البيانو ، فأجابه : “هون براسي”، وتابع : “كان بيي يجي ينوّط اللحن”. حتّى من لم يشاهد هذه المقابلة، يدرك تمامًا أنّ زياد يفضّل الموسيقى على “كتر الكلام” وخاصة إذا كان “أي كلام” : “دقّ ضلّك دقّ، قلّي النغمة لك، النغمة ع الحقّ شو أحلى من الحكي ، النغمة بتفوت، النغمة بتفوت ع قلبي”.
في إحدى مقابلاته التلفزيونية يبرّر زياد عدم إلقاء كلمة في تشييع والده أو في إحدى مناسبات ذكرى رحيله قائلًا : بعد سعيد عقل شو بدي قول، بس تسمعو بتصير بلا عقل. لما بحطو عاصي بمصافي الانبياء، انا شو عندي قول. ما حدا حكي عن عاصي اللي كان يعزف عالبيانو بأصبعين ويكمّل تأليف اللحن بالإيد التانية…
زياد زياد زياد كان النشيد الذي ردّده محبّوه الذين تجمعوا حول حاملي النعش. لحن رافقه من شارع الحمرا حيث كان التشييع الذي يشبهه، في المكان الذي لم يخرج من نطاقه سكنًا وعملًا وعيشًا، وصولًا إلى وجهته الأخيرة.
لو كانت لزياد أذنان تسمعان وعينان تريان ما جرى حوله في ذاك اليوم السوريالي الطويل لكتب عشرات المسرحيات الساخرة. فالمادّة كانت دسمة في الفضاء الخارجي للكنيسة. يكفي أن يستمع إلى ما قيل عنه، والأهم هويات الذين قالوا ما قالوه عنه، حتّى تقع الطامة الكبرى. المشهد هو تجسيد حرفيّ لـ ” نزلنا عالخندق نزلوا ورانا “. ومن لم يدلُ بدلوه ألّف أخبارًا وكتب سيناريوهات، فكانت الإشاعات تملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب التصريحات والتحليلات لبعض الوقت. والمدهش أيضًا وأيضًا، أنّه كان للذكاء الاصطناعي حضوره الطاغي على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيب صور لا يصدّقها سوى جاهل أو من رزح تحت الضغط العاطفي، فصدّق كلّ ما يراه، وكنت منهم للأسف، فوقعت في فخّ صورة زائفة للسيّدة فيروزتُظهر فيها تنهمر دمعة على إحدى وجهنتيها كأنّها هاربة من شلالات نياغرا لشدّة غزارتها! والاعتراف بخطأ التصديق حتّى ولو كان ناتجًا عن جهل أو ضغط عاطفي أفضل من التعرّض لابتزاز أحد الأصدقاء (جهاد بزّي) الذي وثّق خطأي ووعدني خيرًا.
لم تتوقّف “هررة ” الكلام عبر الشاشات التلفزيونية منذ أن انتشر خبر رحيل زياد. كلام وتحليلات ونقاشات تُشبه الخوض في احتمالات نشوب حرب نووية من قبل محللين استراتيجيين، نبتوا كما الفطر ليلبّوا حاجات القنوات الفضائية والمحليّة التي صنعتهم وتقاطع المصالح التي جمعتهم. ماذا لو اكتفت محطات التلفزة بنقل مراسم التشييع والحضور الشعبي وحتى الرسمي والفنيّ من دون كلام، فقط على وقع موسيقاه، ماذا لو ؟ ولكن في رحيل زياد يطغى الكلام بدلًا من الموسيقى والتحليل بدلًا من الصمت.
مشاكسٌ زياد حتى في رحيله. شكلّت أعماله الفنيّة مرآة عكست هذا المجتمع الذي شرّحه في الموسيقى كما في الكلمة والمشهد. جمع رحيله كل تناقضات البلد على المستويات كافة ليشكّل مرآته مرّة أخرى : سوريالية جديدة تضاف إلى المشهد العام تحت شمس حارقة!














