احنا بفلسطين امنكبرش

الصورة لـ مايا فدّاوي

الرسم ل مايا فدّاوي

أفترض أنّ ثمّة مكانٍ أو فضاءٍ أفضل يُصنع في طبقة من طبقات السماء. أفترض وحسب لأبرّر من يرحل بـ”أمان الله ” أشلاءً أو جثثًا متفحّمة. أفترض أن هذا المكان السريّ موجود، وإلّا ما العبرة من خطف الموت أرواح من لا ذنب لهم، وإلى أين يذهب بهم؟
الجنّة حُجزت بالكامل لرجال الدين من الطوائف كافة. يتصارعون على الأرض ليحجزوا المقاعد الأماميّة في السماء وخلفهم يحتشد المؤمنون والمؤمنات الملتزمون بتعاليم الله كما وردت في الكتب السماوية “المُترجمة” أو بالأحرى المُحرّفة على يدّ الصفّ الأوّل. أمّا النار أو جهنّم فتكتظّ بقتلة الأطفال ومجرمي الحرب وتجّار الهيكل

أفترض أن العمل جارٍ في السماء على صناعة هذا الأفضل من أجل الأبرياء ولا سيّما الأطفال الذين لم يرحمهم من في الأرض. يُرتّب المكان لاستقبال أطفال غزّة الذين غادر منهم إلى طبقة من طبقات السماء ٧٠٠ طفل خلال أسبوعٍ واحد. هؤلاء الأطفال الذين باتوا يُدوّنون اسماءهم على راحات أيديهم حتّى يجدهم ذووهم في حال حصدتهم آلة الموت الجهنميّة. سيدخلون باسمائهم، ما لم تخذلهم أيديهم وتغرق تحت أطنان الردم التي طحنت أجسادهم الطريّة. لا بدّ أن في هذا المكان السماوي السريّ طعامًا وشرابًا، لأنّ أطفال فلسطين ماتوا جياعًا وعطاشى. ولا بدّ أن هناك أيضًا الكثير من الماء لإزالة آثار القنابل الفسفوريّة التي شوّهت أجسامهم الطرّية. لا بدّ أنّ القيّمين على هذا المكان منهمكون في تأمين أدقّ التفاصيل ليكون هذا العالم السرّي أهلًا بالأطفال الواصلين إليه. لا بدّ أنّهم كذلك، لأنّ لا شيء غير ذلك يُبرّر هذا الصمت السماوي الرهيب.
أفترض، أنّ ثمّة أمكنة محجوزة لمن وصل أو سيصل من أمّهاتهم، أشقائهم وشقيقاتهم وربّما آبائهم. لا نعرف شيئًا عن الخطّة بعد. القاعدة غير واضحة. ولكن طوبى للعائلات التي تذهب في رحلة جماعية إلى هذا المكان غير المُعلن عنه. إذ لا عدالة في تشتيت العائلات بين الأرض والسماء. لا عدالة في اختيار فردٍ وإهمال باقي أفراد عائلته هنا على الأرض حيث يتحوّلون منذ تلك اللحظة إلى أمواتٍ بعيون مفتوحة، كما أنّ لا عدالة في اختيار كلّ أفراد العائلة للقيام بهذه الرحلة واستثناء فردٍ واحدٍ، قد يكون طفلًا مثلًا ضاع بين الركام وما زال ينتظر أن يأتي ذووه للتعرّف عليه، قد يكون طبيبًا يُفاجأ أثناء تأديته واجبه الإنساني في ظروف لاإنسانيّة أن عائلته قد رحلت، قد يكون مُصوّرًا يُخاطر بحياته ليُظهر للعالم ( إن كان هذا العالم يرى أصلًا) فظاعة ما ترتكبه القوات الإسرائيليّة في غزّة، فتكون عائلته هي الصورة.

أفترض أن عالمًا أفضل يُصنع في إحدى السماوات لاستقبال كلّ الأطفال الذين قُتلوا غدرًا. أولئك الذين فاضت بهم برّادات المشافي وضاقت بهم المقابر، فارتموا على جنبات الطرق والأرصفة غارقين في دمائهم. أفترض وحسب…

أفترض لمُداواة عجزنا وقهرنا.

أفترض لأطمئّن على ذاك الطفل الجذّاب الذي اختصر ٧٥ عامًا من الاغتصاب بالقول ” احنا بفلسطين أمنكبرش”، ردّا على سؤال عمّا يطمح أن يُصبح عليه حين يكبُر. 

ولكن لو خيّر الفلسطينيون كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً بين البقاء في أرضهم أو الذهاب إلى ذاك المكان الجميل المُفترض في إحدى السماوات، لاختاروا البقاء في أرضهم . لو خيّروا لاختاروا العيش والموت مثلما يفعل السواد الأعظم من شعوب العالم، ولاختاروا بين مهدهم ولحدهم أن يحلموا وأن يسعوا إلى تحقيق أحلامهم. وليأت حساب الآخرة في أوانه، لا همّ….

اسمها فلسطين وعاصمتها القدس(2)

أنشأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أول مستوطنة في الضفة الغربيّة في العام 1967، وعُرفت بمُستوطنة “كفارعتصيون”. وسرعان ما انتشرت هذه المستوطنات التي بُني الكثير منها في السبعينيّات والثمانينيّات والتسعينيّات (وفقًا لإحصائيات منظمة السلام الآن المناهضة للاستيطان) في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة. تفصل هذه المستوطنات المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض ما يُعقّد عمليّات الاتصالات والسفر والتنمية في الأراضي الفلسطينيّة وخصوصًا أنّ هذه المستوطنات تخضع لحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي وهي عمليًّا مُغلقة أمام الفلسطينيين (بي بي سي، يوليو 2020)

download (3)

  أنشأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي كذلك، سلسلة من المستوطنات المحيطة بالقدس من جميع الجهات، ممّا أحدث تغييراً في الواقع الجغرافي والديموغرافي لهذه المنطقة لينحسر الوجود الفلسطيني على مساحة لا تتجاوز الـ 21%  من الأرض. ففي العام 1975، أُنشئت مستعمرة “معاليه أدوميم” على  أجزاء كبيرة من أراضي بلدتي العيزرية وأبو ديس الفلسطينيتين. بلغ عدد سكان هذه المستوطنة الرئيسية التي تقع على بعد7 كيلومتر شرق القدس، نحو 41 الف مستوطنٍ في العام 2018. (خليل تفكجي، مدير قسم الخرائط في مركز الدراسات  العربيّة في القدس: مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، المجلد 8، العدد 31، صيف 1997، ص 133)

تشكّل المستوطنات الإسرائيليّة حزامين حول القدس: الأول داخل القدس الشرقية، والثاني خارج حدودها. يبلغ طول الطرق الالتفافية التي أقيمت في مدينة القدس وما حولها لربط هذه المستوطنات ببعضها، حوالي 112 كيلومترا، ممّا يعزل المدينة عن بيئتها الفلسطينية ويقسّم الضفّة الغربيّة إلى قسمين.

، أضفت السلطات الإسرائيليّة الشرعية على توسعها الاستيطاني من خلال استحضار “النمو الطبيعي”، أو ما تُسمّيه الحاجة إلى تلبية احتياجات سكان المستوطنات الذين يتزايد عددهم بسرعة. وتشير البيانات الصادرة عن مكتب “الإحصاء المركزي الإسرائيلي” إلى أنّ النمو السكّاني في مستوطنات الضفّة الغربيّة أعلى بكثير ممّا هو عليه في الأراضي المحتلة. إذ بلغ النمو السكاني في الضفة الغربية 5% في العام 2012، في حين اقتصر على 1.7% في الأراضي  المحتلة. وتحت شعار “النمو الطبيعي”، منحت الحكومة الإسرائيلية الشرعية لبعض البؤر الاستيطانية بحجة أنها “أحياء” تابعة لمستوطنات قائمة.

 

download (4)

تشير الأرقام الصادرة عن الخبير الحقوقي مايكل لينك إلى أن عدد المستوطنين ارتفع بنسبة 12% بين عامي 2016 و2021. ففي العام 2016، قُدّر عدد المستوطنين في الضفة الغربية بـ 400 ألف مستوطن، أمّا في القدس الشرقيّة فقد بلغ 218 ألف مستوطن، ليرتفع بعد خمس سنوات إلى 475,000 مستوطن في الضفة الغربية و230,000 في القدس الشرقية.

وأشارت “لجنة الاستيطان ومقاومة الجدار” إلى إنّ عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها مستوطني القدس الشرقية، بلغ 726,427 مستوطناً، موزعين على 176 مستوطنة، و186 بؤرة استيطانية (النواة الاستيطانية)، في حين بلغ عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفّة الغربية أكثر من نصف مليون، بحسب تقرير رسمي نشرته “إحصاءات السكان اليهود في الضفة الغربية” في كانون الثاني 2023. وبذلك ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين أكثر من 2. 5% في الضفة الغربيّة خلال العام الماضي، في حين لامست هذه النسبة نحو 16% خلال السنوات الخمس الماضية. ولا يشمل التقرير عدد المستوطنين الإسرائيليين في القدس الشرقية التي يقطنها أكثر من 200 ألف مستوطن

لا بدّ أخيرًا من الإشارة إلى المناطق الخضراء المُغلقة التي اعتادت السلطات الإسرائيليّة إقامتها حول البلدة القديمة للحدّ من البناء الفلسطيني. وبموجب هذه الإجراءات، تمّ تحويل 40% من مساحة القدس الشرقية إلى مناطق خضراء تلعب في الواقع دور المحميّات الاستراتيجية لبناء المستوطنات. وهذا ما حصل على سبيل المثال في جبل أبو غنيم. في بعض الأحيان، يتمّ الإعلان عن تحويل مناطق مكتظّة بالأبنية الفلسطينيّة المأهولة، مثل حيّ البستان في سلوان، إلى مناطق مفتوحة، ما يعني اعتبار حوالي 22,000 وحدة سكنية غير قانونية بينها 9,000 وحدة سكنية مهددة بالهدم

download (5)

اسمها فلسطين وعاصمتها القدس

بلغت مساحة فلسطين عام 1947، أي قبل احتلالها من قبل القوات الإسرائيليّة، 27000 كيلومترًا مُربعًا.

   بعد توقيع اتفاق الهدنة في العام 1948، وضعت السلطات الإسرائيلية يدها على 78% من الأراضي الفلسطينية أي ما يعادل    21000  كيلومترًا مربّعًا بما فيها الجزء الغربي من القدس وصولًا حتّى الشريط الساحلي. تبلغ مساحة القدس الغربيّة 80% من  مساحة القدس التاريخيّة أي ما يعادل 38000 كيلومترًا مربّعًا. تضمُّ القدس الغربيّة المحتلة 38 قرية فلسطينيّة دُمّرت معظم مبانيها،  في حين حُولّت المباني الأخرى إلى مراكز إدارية إسرائيليّة. أمّا القدس الشرقيّة، فاقتصرت مساحتها على 6,5 كيلومترًا مربّعًا وضمّت الأماكن المُقدّسة

  احتلت القوات الإسرائيليّة خلال حرب 1967 القدس الشرقيّة وعمدت إلى تهويد القدس من خلال تدمير حارة الشرف وحارة المغاربة بهدف توسيع الحيّ اليهودي، ومن ثمّ عمدت إلى مصادرة  116 كيلومترًا مربعًا من المباني التي يعود تاريخ بناؤها إلى   العصر المملوكي

download (1) 

بأيّ لغةٍ يحلُم؟

  امين-معلوف

سحرتني رواية «التائهون » لأمين معلوف التي قرأتها باللغة العربية. قرأت معظم أعماله الأخرى باللغة العربيّة أيضًا، ولم أتبع النصيحة القائلة بأن يُقرأ الكتاب باللغة الأصليّة  التي كُتب فيها، وهي الفرنسيّة في حالة معلوف، في حال كان القارئ  يُتقنها.

المهم أنّ الرواية سكنتني، ولم يفقدها التعريب شيئًا من جاذبيتها، ربّما لأنّها تتحدّث عن لبنان، ولأن أحداثها لبنانيّة وكذلك أبطالها، وربّما لأن  اللغة العربيّة تُشعرك، في هذه الحال، بتماهٍ أكبر مع أحداثٍ تجري في شوارع ومناطق سبق لك أن زرتها أو أقمت فيها. أقول ربّما ولا أجزم . ويبقى انطباعًا خاصًا وليس حكمّا مُطلقًا.

بقدر ما امتلكتني الرواية بقدر ما كانت نهايتها صادمة ومُحبطة، إذ إنّها جاءت دون مستوى الرواية نفسها، بل منافيةً له تمامًا، وكأن قلمًا آخر كتب صفحاتها الأخيرة. جاءت النهاية أشبه  بفيلم عربيّ درجة عاشرة .

تحوّلت متعتي في قراءة هذه الرواية إلى غضبٍ شديد مع بلوغ نهايتها. غضب وخيبة دفعاني إلى التفكير  في مراسلة صاحب الرواية، أي أمين معلوف، ومناقشته في هذه الخاتمة الباهتة. لم أفعل ذلك طبعًا، بل اكتفيت برسالةٍ افتراضية قلت فيها كلّ ما عندي مع اقتراحٍ لنهاية مناسبة. لم أؤلف نهاية بديلة، وهو فعلٌ غير لائق ولا يتناسب مع شروط النقد، وفيه تجاوز لحدود العلاقة بين الكاتب والقارئ، بل اكتفيت بحذف المشهد الأخير من روايته. قلت له: «لقد انتهت الرواية قبل بضع صفحات، أي قبل أن تُضيف إليها مشهدًا يعكس  هاجس الهويّة الذي بدأ إقحامه مفتعلًا. دع آدم ( بطل الرواية ) وشأنه، وابحث عن هويّتك في مكانٍ آخر» . وقرّرت أن أساعده في حلّ مُعضلة الهويّة التي يبدو بناءً على أعماله وأبرزها في هذا الإطار، « الهويّات القاتلة » أنّها تؤرقه، فسألته السؤال الكلاسيكي: بأيّ لغة تحلم؟

سؤال ساذج. بأيّ لغة يُفترض أن يحلم رجلٌ يعيش في فرنسا منذ أعوامٍ طويلة، يُمارس روتينه اليومي هناك  وكذلك حياته الأدبيّة والمهنيّة ، والأهم من هذا وذاك، أنّه يكتب باللغة الفرنسيّة ليس لأنّه غير مُلمّ باللغة العربية ، هو الذي عمل في مطلع شبابه في جريدة «النهار» للبنانيّة التي كانت في حينها معقلًا لغويًّا، بل لأنّه ربّما اختار هويته. أوليست اللغة (قبل الحلم ) إحدى بديهيّآت تعريف الهويّة؟

قد لا تكون أبحاث معلوف في تعريف الهويّة ناتجة بالضرورة عن هاجسٍ شخصيّ، بل تميل إلى أن تكون بحثًا أنتروبولوجيّا معمّقًا وخصوصًا في كتابه “الهويّات القاتلة”، كما قد لا يرتبط اهتمامه بالشرق في كونه ابن هذه المنطقة ،  فهذا الاستنتاج يُلحق ظلمًا كبيرًا بالمستشرقين الذين خلّفوا أعمالًا متنوّعة وغنيّة صنّفت مراجع تاريخيّة هامة.

وإذا كان معلوف الذي يُعرَّف عنه ويُعرّف هو عن نفسه في الأرجح (إذ لا أحد يُعرَّف بكنيةٍ مُعيّنة من دون موافقة صاحب العلاقة) بالروائي الفرنسي من أصول لبنانيّة، وليس بالروائي اللبناني حامل الجنسيّة الفرنسيّة، إذا كان  معلوف يعيش فعلًا أزمة هويّة ولا يستمد من تجربة شخصيّة مادّة لآفاق بحثيّة أكثر اتساعًا وعمقًا، فإنّ اللبنانيين، أخوته في المواطنة، حسموا «صراعه الداخلي» لمصلحة لبنانيّته، مسقطين من حساباتهم طبعًا أنّ لبنانيّته لا تؤهّله لمنصب رئيس الأكاديميّة الفرنسيّة الدائم، وهو منصب لا يُمنح إلّا للذين «يحلُمون» باللّغة الفرنسيّة. هذا هو القانون وليس ثمّة افتراء في هذه الإشارة التي قد تستفز بعض الغيارى على الإبداع اللبناني المتميّز.

بين مزدوجين: فاجأتني صديقتي اللبنانيّة المُقيمة في فرنسا وحاملة للجنسيّة الفرنسيّة، في حديثٍ تلفونيّ أجريناه قبل بضعة أيّام تناول أمين معلوف والمنصب ولبنان، أن سيّدةً تجلس إلى جانبها في «المترو» رمقتها بنظرة ازدراءٍ لأنّها كانت تتحدّث باللغة العربيّة. وحين عبّرتُ عن دهشتي واستُفزّت لبنانيّتي ( مفترضةً أنّ السيدة الفرنسيّة أدركت أنّ هذه الجالسة إلى جانبها  الناطقة باللغة العربيّة هي من منطقة كسروان ) مُعترضةً على هذه العنصريّة تجاه لغة هي اللغة الأم للرئيس الدائم  للأكاديميّة الفرنسيّة المنتخب قبل أيام   قليلة من امتعاضها. أجابتني أنّ أيّ لغة غير الفرنسيّة باتت تثير سخطهم عمومًا، وتخرجهم العربيّة عن طورهم خصوصًا.

ماذا نفعل نحن اللبنانيين بابتهاجنا كّلما تبوأ لبنانيّو الأصل، حاملو الجنسيّات من مختلف أرجاء المعمورة، مراكز عليا أو سجلّوا اختراعاتٍ عظمى في ظلّ هذه العنصرية المستشرية في العالم «الأفضل » ؟ كيف لنا أن نظهر تفوّقنا ونطمس لغتنا؟ إنّها لمُعضلة فعلًا، وخصوصًا إذا كان الانتماء اللبناني يُشكّل لمن نحتفي  بهم نوستالجيا عابرة في أحسن الأحوال.

نحتاج، نحن اللبنانيّون إلى هذه الانتصارات  التي تؤكد أنّ «البضاعة الوطنية المُصدّرة» هي من النوع الممتاز، وأنّ رجال الأرز ونساءه يشمخون أينما حلّوا، في حين نبحث عن جذورٍ غير لبنانيّة  لمن حملوا ذات يومٍ هذه الجنسيّة، وفشلوا في أصقاع العالم أو قاموا بأعمال مُشينة.

ولكن قبل هذا وبعده ما هو تعريفنا نحن المقيمين على أرض الوطن الحبيب للهويّة اللبنانيّة التي نهلّل لها حين تُحلّق خارج الحدود الإقليميّة، وكيف نتعامل معها؟ ولأنّنا غير متفقين على تعريف واحد، ولأنّنا مختلفون على البديهيّات في مفهوم المواطنة، ولأنّنا نقول الشيء ونفعل ضدّه، ولأن المصلحة القبليّة تنتج مفاهيم وتعريفات جديدة على مدار ما تفرضه مصالحها الخاصة، لهذه الأسباب وسواها يبدو الخوض في مفهوم الهويّة اللبنانيّة حفلة تعذيب نفسي مجانيّة لا قيمة لها. لا تُلغي هذه الحقيقة أنّ ثمّة قاسمًا مُشتركًا  خارقًا لكلّ الطوائف والملل قد يساعد في تعريف أوّلي للهويّة اللبنانيّة  يُمكن اختصاره في استبسالنا لاستبدال الهوية اللبنانيّة بواحدة أجنبية، وننتظر بعدها التصفيق لتفوقنا العالمي. وقد لا ننتظر، لأننا لا نسمع التصفيق ولا يعود يعنينا أصلًا.

  

هدّوا البال يا رفاق: إنّها مجرد حفلة

جرّبنا نحن اللبنانيون كل أنواع الخلاف وأشكاله منذ الأزل. نختلف قبليًّا وعشائريًّا. نختلف دينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا. نختلف أديولوجيًّا وسياسيًّا وحزبيًّا. نختلف طبقيّا واجتماعيّا ومناطقيّا. اختلفنا ولا زلنا أكثر بكثير ممّا اتفقنا. قد تكون تلك هي حال الشعوب التي تتنوّع  مللها وطوائفها ومذاهبها. وقد يكون هذا ما كتبه الله علينا: ألّا  نتّفق إلّا على فكرة أنّنا على خلاف وقد لا نتّفق حتّى على ذلك بالضرورة. إذ لا بدّ أنّ يكون هناك من سيعترض على فكرة “أنّنا على خلاف” كأن يقول مثلًا إن علّة هذا البلد تكمن في مسؤوليه وحكّامه، ومن دونهم يعيش اللبنانيون بحبّ ووئام، وبالتالي لا نعود مُتّفقين على خلافنا. خلافنا ليس من النوع العادي، بل يحمل دائمًا في طيّاته انتقاصًا وتنمرّا وصولًا إلى تخوين من يُخالفوننا في الرأي. “أحترم رأيك” أو “وجهة نظرك تستحقّ النقاش” (لا سمح الله) ليستا واردتين في قاموسنا اليومي. ومن ليس من رأينا،  فهو حتمًا ضدّنا. هو عدّونا الذي لا بدّ أن نلغيه (قبل موقفه) من الوجود. الرأي الثالث هو بمثابة تلّون لا طعم لصحابه ولا نكهة. هو تذاكٍ مرفوض في مجتمع يقتاط من الخلاف ويسعد به وينتشي. إمّا أن تكون مع الحدث موضع النقاش أو تكون ضدّه. تلك هي حدود النقاش المتاحة.
اختلف اللبنانيون في شأن حفلة عمرو دياب. خلاف حقيقي وليس مجرد اختلاف في الذائقة الفنيّة. خلاف يصلح أن تُنصب له المتاريس وقد نُصبت. خلاف يصلح لأن يكون فتيلًا مناسبًا لتفجير البلاد في حال اتُخذ القرار خارجيّا بذلك. أوليست تلك هي اللازمة التي تُردّد في بلد رأى النور بناءً لقرار خارجي؟ حفل حضره  15، 16، 17 ألف مواطن، لا ندري على وجه التحديد الرقم النهائي، واختلف بشأنه 4 ملايين لبناني وهو تعداد “شعب لبنان العظيم” بحسب آخر إحصاء خضعت له البلاد في العام ١٩٣٢، يُضاف إليهم لبنانيو الخارج الذين لا نعرف أعدادهم النهائيّة كذلك. فهذا الرقم يخضع أيضا لحسابات سياسيّة ومزايدات اجتماعيّة وارتفاع مضطرد ربطًا بظروف البلاد غير المستقرّة. إذ ينام اللبناني على أساس أنّه مقيم في وطنه متمسّك بأرضه، يستيقظ ليجد نفسه مُغتربًا في إحدى دول الخليج في الأرجح “يرفع اسم بلاده عاليًا” حتّى لو أعطي راتبًا أقل من ذاك الذي يستحقّه تحت لازمة “أشكر ربّك عم تقبض فريش دولار”، ثمّ لا يلبث أن يعود سائحًا ويغادر منتوفًا، فهو الدجاجة التي تبيض ذهبًا ومن أحقُّ بالذهب من تجّار البلاد الذين رفعوا الأسعار احتفاءً بالسياح “ولاد البلد”. بعد هذا الاستطراد الذي فرض نفسه، نعود إلى بيت القصيد لنشير إلى أنّ جميع هؤلاء اللبنانيين مقيمين ومغتربين أدلوا بدلوهم فردًا فردًا في حفل عمرو دياب. ولولا صورة الثنائي برّي- ميقاتي- مرتديَين سترتَي نجاة صفراوَي اللون يُحلّقان فرحين مرحين في فضاء البلوك رقم9، لحافظ بياض حفل  عمرو دياب على موقعه في “توب 10” المواضيع الأكثر إثارة على مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن تلطّخه أي مشتقّات نفطيّة أو حتى اكتشاف ثروة حيوانيّة نادرة الوجود في جبال الشيخ مثلًا. التفاعُل ليس القضيّة، فهذا أقل ما يُمكن أن يحصل في بلدٍ يكاد يموت أبناؤه من شدّة الضجر بعدما صمدوا في وجه كلّ أنواع الموت الأخرى. فليفرحوا، إذن، متى سنحت لهم الفرصة بذلك. ولكنّ دعاة الفرح، وهو الحزب الأول في هذه الانقسام الجديد- الظريف، لم يكتفوا بدعوة حنونة إلى الفرح لمن استطاع اليه سبيلا، بل ذهبوا أبعد من ذلك بكثير وبدأوا برشق الآخرين الذين انتقدوا الكلفة العالية للحفل إلى تفاصيل أخرى بكلّ أنواع التهم وألطفها أنّهم نكديّون. النكديّون الذي انتظموا في حزب لم يقصّروا في ردّ الصاع صاعين، فاستحضروا كلّ مآسي البلد وأزماته وكفّروا كلّ من سوّلت له نفسه البسط والانشراح والفرفشة في ظل هذه الأوضاع القائمة. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن استهلال الحديث بـ “دعاة الفرح” لا يعني أنّهم البادئون في هذه الحرب الشعواء، بل أنّ سياق النص فرض ذلك، فاقتضى التوضيح. “دعاة الفرح” مقابل “النكديّون” هو عنوان الانقسام اللبناني الجديد الذي لا ينفك يُبهرنا بابتكاراته وإبداعاته. ليس مفيدًا استرجاع كلّ ما قيل من الطرفين عن الحفل، لأنّ النتيجة ستكون مجلّدًا بعدّة أجزاء ولا حتّى الاكتفاء بأبرز ما قيل لأن ذلك سيخفّض عدد المجلدات بنسبةٍ لا تستحق الذكر، بل نكتفي بإشارة واحدة لكلّ فريق: فليسمح لنا “دعاة الفرح” الذين حملتهم حماستهم الى القول تعليقًا على الحفل “هذه هي بيروت”. بيروت أكثر اتساعًا، ثقافيًّا وفكريّا وحضاريّا، من حفلٍ غنائيّ لفنانٍ حتّى لو كان لقبه الهضبة أو المُنخفض لا فرق. لا لم تستعد بيروت دورها في ساعتين من “الفز والنط” على المسرح ومحيطه ولا أعاد اللون الأبيض السلام إلى النفوس. احتضار المدن عمومًا واحتضار بيروت خصوصًا أعقد من أن تُنقذه حفلة. إنّها مجرّد حفلة ونقطة عالسطر. وبالانتقال إلى حزب “النكديّون”، لا بدّ من تذكيرهم بأنّ الذين حضروا حفل عمر دياب ليسوا هم من سرقوا البلد ولا هم مسؤولون عن إعاده بنائه ولا علاقة لهم براتب أستاذ الجامعة اللبنانيّة المتدهور ولا بأزمة الكهرباء ولا بمافيا الدواء، وبينهم كثيرون من أهل الخير الذين يتبرّعون لمساعدة الآخرمن دون إعلانات رسميّة. وهنا أيضًا نقول إنّها مجرّد حفلة ونقطة عالسطر.بيروت ليست كرة طاولة، ضربة يربحها هذا الفريق فتتألّق، وأخرى يخسرها الفريق المقابل :فتموت. هدّدوا البال يا رفاق ولنحلّق سويّا فوق بلوك رقم 9 مع الثنائي برّي-ميقاتي، ولنغنّ أغنية “زينة ونحول” معًا

من وردة لوردة تطير، تجني العبير بين الحقول

تلعب مع صديقها نحّووول، زيـــنــه

أنا زينه… أنا زينه… وحدي في البساتين

أنا زينه الجميلة أغدو في كلّ حين

يا أحلى نحلة زينه

تمضي في رحلةٍ زينه

لاتسبقينا يا زينه

أين تطيرين يازينة؟ ماذا ترين في السماء؟

أنا نحلة صغيرة أحبّ أن أطيرَ

أحبّ أن ألعب في الفضاء

كادت أن تحين ساعتنا

أما وقد التأمت عقارب الساعة معلنة اللحمة الوطنية في أبهى حللها، بعدما كاد افتراقها أن يتسبّب في ملحمة وطنية في أبهى حللها أيضا وايضا، لا بدّ من أن نهنّىء أنفسنا بالسلامة. “قطوع ومرق”، وإن كان قد مرّ علينا وليس بمحاذاتنا، فمزّقنا طوائف متناحرة ومتنافرة تُصفّق للعيش المشترك صباحًا وتحفر له قبرًا عميقًا مُتجذّرًا ومتوارثًا في كلّ مناسبة تشعر أو تستشعر أن وجودها مهدّد. الكلام ينطبق على كلّ الطوائف والمذاهب والملل والمجموعات. حتّى السواد الأعظم من أولئك الذين يدّعون العلمنة، رسم”خطوطا حمراء” جعلوها مطّاطة، لا يجوز تجاوزها. “علمانيين بس شي ومنو كمان” هو فحوى انفتاحهم وتقبّلهم للآخر.
لبنان بلد طائفي يعيش في كنفه شعب طائفي يتنفّس الطائفية بكلتيّ رئتيه وينتشي بحجم العدائية التي يزوّده بها كلّ نفس. وكلّ من يدّعي عكس ذلك، كاذب يحاول أن يتجمّل بما لا يملكه ولا قدرة له على التعامل معه اصلًا. آن للبنانيين أن يقرّوا ويعترفوا بطائفيتهم،  لعّل هذا الاعتراف يشكّل خطوة أولى باتجاه ابتكار وسائل ناجعة للتعامل مع هذا الواقع وليس للقضاء عليه معاذ الله، اذ أن السياحة في المريخ باتت اقرب منالًا من هذا الطموح السوريالي.
لغاية في نفس يعقوبين (بري-ميقاتي) وفي سرّ من أسرار الدولة التي لن يكفي انقضاء الزمن للكشف عنه، قرّر رئيسان “مسلمان” أن يتلاعبا بالتوقيت بخفّة قلّ نظيرها، واستخدموا شهر رمضان حجة لذلك، وكأنّها المرّة الأولى التي يصوم فيها مسلمو لبنان، أو كأنّّه لم يسبق لهم أن صاموا في أشهر الصيف الأكثر طولًا وحرارة ورطوبة.  استنفر قرار “الرجلان المسلمان” “رجال مسيحيين”، فاستغلوا المناسبة للعب على العصب الطائفي الذي لا يحتمل المزاح مُستغلين المناسبة لاسترجاع  زعامة مفقودة للشارع المسيحي.

ضجران من ندرة الهموم والمصائب بسبب بلوغ البلاد في عهدهما وعهود من سبقهما مرحلة الكمال والإكتفاء المُطلقين، قرّر الرجلان المسلمان أن يلهُوَا بالتلاعب بعقارب الساعة أملًا في إضافة بعض المرح على “مدينتنا الفاضلة” التي ينتحر مواطنوها من فرط التخمة والرخاء. فلنتسلّى ونسلّيهم (أي الرعيّة الصالحة) بردود أفعالهم. وكان لهما ما شاءا و”حبّة مسك”.  اشتعل البلد حقدا وكراهية، “اسلام ومسيحيين”، “نحن و هم” و “هم ونحن”. الأكثرية والأقلية، الحضارة والتخلّف… دارت الساعة دورة كاملة واعادت البلاد  إلى نقطة البداية: انقسام طائفي إسلامي- مسيحي يُذكّر لمن يقرأ التاريخ، وهم قلّة، بأحداث ١٨٦٠ و١٩٧٥، حيث استبدلت الكلّة والبوسطة بعقارب الساعة.
أخرج اللبنانيون أفضل ما عندهم في لعبة تناتش البلد. سطعت الشعارات المُطالبة بالتقسيم والفدرالية كحلّ لأزمة التعايش المأزوم أو بالأحرى المهزوم وفق ما اقترح المُصحّح الإلكتروني في الهاتف الذكي، الأشد ذكاءً بل جرأةّ من الشعب اللبناني في الاعتراف بواقعه. شُدّ العصب الطائفي بفضل جهود المؤسسات الإعلاميّة من الطرفين التي لم تتأخر في بخّ سمومها ولعب دورٍ رياديّ في التحريض في مجتمع هشّ لا يحتاج الى كلّ هذا الشحن لينفجر طائفيّا. ثمّة يأتي من يقول لك : لماذا فُسّر قرار اللعب بالساعة على أنّه طائفي، وهو ليس كذلك؟”. فعلا، والدليل أنّ هذا القرار  كان كفيلًا باشعال حرب أهلية ولو كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُطلق رصاصًا حيّا وليس افتراضيًا لكانت احترقت بلاد الأرز وقضى من فيها رميا بالرصاص “الصائب” وليس “الطائش” هذه المرّة. 

قلّة قليلة اعترضت على فكرة أن تُدار البلاد والعباد وفقًا  لأهواء شخصيّة وفي جلسة دردشة أوحت أن قتل الوقت وانعدام الهموم استوجب حصولها. قلّة قليلة حاولت تصويب الأمر، ولكن محاولاتها باءت بالفشل تحت وابل القصف الطائفي من العيار الثقيل الذي أدارته المؤسسات الإعلامية بإبهارٍ شديد.

التأمت عقارب الساعة، وعاد الشعب اللبناني “يتعايش” صباحًا ومساءً وفي أوقات القيلولة مترصّدًا متأهبًا لتلقُف أي إشارة أو إيحاء طائفي ليعلنها حربّا شاء القدر ألّا تتجاوز حتّى الآن حدود الكلام، بانتظار إشارة ما من جهة ما للذهاب أبعد من ذلك. المهم أنّ الجهوزيّة تامة وقد أثبت اللبنانيون استعدادهم للاستبسال في الدفاع عن الطائفة بنجاح منقطع النظير.

تراند العروبة ينتهي مع صفّارة الحكم

   
المنتخب الأجمل على الإطلاق في منتهى الموضوعية

عرب، ولكنّنا  فخورين بالجنسيّة الثانية، وفي حال وُجدت الثالثة، زد وبارك. وإذا طُلب منّا التخلي عن جنسيّة والاحتفاظ بأخرى، فالخيار معروف، “شو بدنا بالجنسية العربيّة شو بتجب لنا”. صحيح

عرب، ولكنّنا نُعلّم أولادنا في جامعات  الدول الأوروبيّة والأميركيّة ونفتخر. سألتني صديقتي ، “ايه وين بدنا نعلمهم؟” قلت: في إحدى الدول العربيّة. أو لسنا عربًا ونفتخر؟ أضعف الإيمان ان نتعلّم حيث هي مفخرتنا.

 عرب، ولكنّنا نتحدّث بالفرنسيّة والإنكليزيّة والاسبانيّة بطلاقة، ونُمعن في إحداث التواءٍ في الحنك أو في تحويل حرف الراء إلى غين  لنصيب اللكنة ونبهر من حولنا.   

عرب، ولكنّنا لا نشعر بأيّ إحراجٍ عندما نرتكب أخطاءً لغويّة، بل نبتسم جزلين فرحين بضعفنا في إتقان لغة الضاد لأنّها لم تعد على الموضة، في حين نحمرّ خجلًا ونتلعثم في حال أخطأنا أثناء التحدث بأيّ لغة أجنبية. ويا غيرة الدين. 

عرب، ولكنّنا نقول زهقنا فلسطين. ولا حاجة للاستفاضة هنا. المعنى بقلب القول بكلّ تفاصيله وأبعاده الثلاثيّة.

عرب،  ولكنّنا لا نرى أنّ ثمّة  مشكلة في توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل. ونرى أنّ التطبيع مسألة عاديّة جدا، ونسخر من قلبنا وربّما نخجل، في حال انسحب أي عربي من مباراة يتواجه فيها مع إسرائيلي. هنا، يصبح العربي متخلّفا و”ليك وين بعده” والإسرائيلي منفتح و”كول”. وإذا أردنا فتح مزدوجين هناك الكثير من الأمثلة والأسباب، على امتداد العالم العربي، التي تبرّر لماذا يرضى الاسرائيلي بل يسعى الى مواجهة العربي في أي مباراة من ملكة الجمال إلى صحن الحمص، ولماذا على العربي المؤمن بعروبته أن يرفض من دون ان يُعيّر بموقفه.

عرب،  ولكنّنا لا نستقوي إلّا على بعضنا في أصغر تفصيل وصولًا إلى أكبر قضيّة أو موقف.

عرب، ولكنّنا “من موت ومن عيش” قبل أن نحصل على تأشيرة دخول إلى معظم الدول العربية الاخرى، وننتقل من مركز أمن إلى آخر بحجة تشابه في الأسماء، في حين يختم الأجنبي جواز سفره في المطار ويتمختر عريض المنكبين شلولخ.

عرب، ولكنّنا نتعرض لتشكيلة من أنواع الذلّ حين نعمل في الدول العربية، هذا في حال حصولنا على الوظيفة. في حين أن للأجنبي وظيفة ومكانة مفصّلتين على مقاسه. لذا، وفي حال امتلاكنا جنسية ثانية نستخدمها للدخول إلى البلاد العربية لأنه “أسهل وأضمن وأريح بال”، كما نستخدمها للحصول على وظيفة برتبة وراتب أعليين.

عرب، ولكنّنا نذبح على الهويّة ونهجر باسم الدين والمذهب.

تتكلم الأرض عربي عندما نريد ونرغب، علمًا أن فريق كرة قدم  تأهل بجدارة لاعبيه فقط وليس لأن الشلش العربي حرّك له اقدامه. 

إنّها مباراة كرة قدم لا مكان، للأسف، للعروبة فيها قبل انتفاء الظروف أعلاه. 

العروبة ليست “تراند” ستُعلِن، في أي حال، صفارة الحكم انتهاءه عمّا قريب. العروبة شيء آخر لا مكان له في يومياتنا البائسة. لن نستعيد الأندلس لو أتيح لنا كل الوقت الأصلي والأضافي من خلال هزّ شباك الخصم. لن نحرّر فلسطين من خلال رفع العلم الفاسطيني في الملاعب. ولن يكفي رفع العلم من أجل إحقاق الحق أصلًا.  في المناسبة، لم أفقه سبب الدهشة جرّاء رفع العلم الفلطسيني من قبل جمهور عربي في أرض عربية. ليست دهشة عاديّة بل دهشة عارمة. خلت للحظة أنّ جمهورا أميركيّا أو أوروبيّا هو الذي لاح بالعلم الفلسطيني مثلًا ما استدعى احتفالا افتراضيّا في قضية تحوّلت افتراضيّة في عالمنا العربي المُطبّع الحبيب.

نفرح لفوز المغرب لأن لعبهم جميل ومُمتع وحماسي.

نفرح لأن ابتسامة بونو الطفولية تستدرج كلّ التعاطف والحب.

نفرح لأنّ لنا بين المغاربة أصدقاء نفرح لفرحهم.

نفرح لأنّنا نحتاج إلى ابتسامة، إلى نصر صغير لا علاقة له لا بالعرب ولا بالعروبة اللذين يستدرج ذكرهما مآسٍ جمّة.

نفرح ولا نثأر لتاريخنا مع الاستعمار، لأن الثأر لا يكون في ملاعب كرة القدم بل له ملاعب أخرى ضلّها مدّعو عروبة الملاعب.

نفرح بالأم التي تراقص ابنها في الملعب لأنّه مشهد إنساني بامتياز، ونحزن للدموع التي انهمرت جراء الخسارة لأنّه أيضًا وأيضًا مشهد انساني بامتياز.

 فلنشاهد هذا المساء مباراة المغرب ، وتبًا للعروبة بكلّ المعاني التي عشناها ونعيشيها والتي ستتدحرج فوق رؤوسنا ما إن يطوي هذا المونديال صفحته.

مات حسّي الوطني…والسلام

asasda

Screenshot_20220915-213111_Facebook تيقّنت قبل أيام قليلة أنّني فاقدة تمامًا للحسّ الوطني، علمًا أنّني لم أكن يومًا من المتطرّفات في وطنيّتهم. لا ينتابني أيّ إحساس حين أرى العلم اللبناني، ولا يقشعر بدني حين أسمع النشيد الوطني، بل لطالما تململت في مكاني وراوغت قبل الوقوف احترامًا، كما يقال كلّما عُزف النشيد في أي حفلٍ أو مناسبةٍ او تكريم ( فعل لم أفقه معناه ومؤداه أصلًا). ومن نافل القول أنّني أكون أوّل الغارقين في كرسيّ قبل أن تتناهى إلى مسمعي آخر كلمات النشيد التي لم أردّدها أو أتمتمها مع جوقة الوطنيّين لا في السرّ، ولا في العلن.
رغم ذلك ، لم أكتشف أنّ حسّي الوطني تلاشى كليًّا إلّا قبل فترةٍ قصيرة. والشكر كلّ الشكر إلى وسائل الإعلام، وكومبارسها، وسائل التواصل الاجتماعيّ الذين حين يبدؤون في تمجيد لبنان واللبنانيين وإنجازاتهم، أشعر بالدوار الذي تحوّل أخيرًا إلى غثيان.
تفاقمت الحالة وانكشف المستور مع #ميّاس التي لا يرمي كلامي إطلاقا إلى النيل من عملها الإبداعيّ أو التقليل من قيمة إنجازها الفني المُبهر. أدهشني العمل بحدّ ذاته من دون أن يكون للأمرعلاقة بلبنانيّة الفرقة، أو بكونها تقدّم هذا العمل «من أجلك يا لبنان». ولو كانت الفرق المُنافسة أفضل في أدائها منها، لتحمّست لها وليس لفرقة ميّاس. سبق أن أحببت أعمالًا كثيرة من مواسم سابقة، شاهدتها عن طريق الصدفة، فأثّرت في أعماقي وأبكتني مثل «بيردي» على سبيل المثال، لا الحصر من دون أن تستوقفني هويّة صاحب العمل الفنيّ  لتزيد من إعجابي به أو تقلّل منه. لا أدري إذا ما كانت تلك خيانة وطنيّة أُحاسَب عليها، أو إذا ما كنت أحتاج إلى جلسات مُكثّفة في العلاج الوطني، وإذا كان الضمان الإجتماعي يغطّي تكاليف هذا العلاج أم لا.

ميّاس جميلة ، ومُبدعة، وتستحق أعلى المراتب عن جدارة ولا علاقة للبنان بالأمر، بل أن الاصرار على إقحام لبنان في كلّ خطوة وكلمة وإشارة أمر مقيت. لن يُعجب التوصيف حماة الأرزة. ولكن في مساحة الحريّة الضيّقة التي أفترض أنّها لا تزال مُتاحة، أقول إنّ هذا الإقحام كان أسوأ ما في المشهد، خصوصًا أنّه اتخذ في المرحلة الأولى لظهور الفرقة منحًى استعطافيًا كانت ميّاس بغنًى عنه. ثمّ استلمت الدفّة وسائل الإعلام وفي مقدّمها الـ «إل.بي.سي» أم الصبي، التي كلّما شاهدت نشرات أخبارهم تساءلت، استطرادًا، إذا ما فاتني تحوّلهم إلى قناة ترفيهيّة.

لم أشعر بفخرٍ وطنيّ في كلّ مراحل تأهّل الفرقة وصولًا حتى التصفيات النهائيّة، وبلوغها المرتبة الأولى. لم أشعر بشيء على الإطلاق. فنظام الخلايا عندي لا يعمل بشكل مجزّأ. خليّة للفخر أمام شاشة التلفزيون، وأخرى للذّل أمام المصرف، وثالثة للقهر حين يرمقني المصعد بنظرة شماتة  ويقول لي« عالدرج…» ورابعة للهرولة خلف الصعود الصاروخيّ للدولار، وخامسة  للموت مع كلّ مريض لا يجد دواءه أو لا يملك ثمنه
أوليس هذا هو وجه  لبنان الحقيقي الذي نسعى لطمسه خلف البرقع الذي ارتدته راقصات ميّاس؟ أقول وأكرّر ليس في هذا الكلام أيّ انتقاصٍ من إبداع فرقة ميّاس، بل على العكس تمامًا، إنّه محاولة لإحقاق الحق. حقّها في النجاح الذي انتزعته ببراعةٍ وإتقانٍ وحرفيّة بعيدًا عن «أرضك يا لبنان» أو بالأحرى«من أجلك يا لبنان». سؤال يطرح نفسه هنا: إذا كان هذا العمل قد قُدّم من أجل لبنان، فهل ستُوظّف جائزة المليون الدولار(صحتين ع قلبهن) في مشاريع للبنان مثلا؟ أم إنّ عبارة من«أجلك يا لبنان» شعار دعائيّ انتهت فعاليّته مع وصول الفرقة إلى مبتغاها في حصد المرتبة الأولى؟

استُنزف نظام الخلايا عندي وأُتلف إلى حدٍّ لم أعد أرى عنده في ميّاس نقطة مضيئة في النفق، نفقنا المظلم. النفق الحالك السواد الذي أضاءت ميّاس نورًا خارجه، وانطلقت نحو العالمية. أمّا نحن الغارقون في مياهنا الآسنة، لم يبقَ لنا سوى أيدينا نلوّح بها نُصفّق، مهلّلين لنجاة من نجح في الخروج من المستنقع، أو مُودّعين «الأدمغة المُهاجرة»، إذ يبدو أنّ لا أدمغة عند من لم يسلُك هذا الدرب. وهل من تفسير آخر لهذا التعبير؟

من أين آتي بالشعور الوطنيّ، هل من يبيع، وبأيّ سعرٍ؟ وعلى أيّ صرف؟ غدًا يأتيك من يقول أو ربّما قالوا وفاتني الأمر لخير جهازي العصبي، إنّ فرقة ميّاس تجسّد الوحدة الوطنيّة لأنّ فيها من كلّ الملل والطوائف والمناطق و…و…و، تمامًا مثلما أمسك اللبنانيّون بأيادي بعضهم بعضًا على طول مساحة الوطن في واحد من مشاهد تتفيه انتفاضة 17 تشرين، ثمّ عادوا إلى بيوتهم  ونصبوا متاريسهم الطائفيّة والمذهبية المقيتة لم يتحرّك شعوري الوطني مع ما أقدمت عليه # سالي_حافظ وسواها من مواطنين مقهورين ومسروقين اقتحموا ّ المصارف لاسترداد حقوقهم. لم اشعر بالفخر ولا هرعت  إلى استبدال الأرزة بصورهم (بالمناسبة، لم يفعل أحد ذلك!!)، علمًا أن ّصورة سالي حافظ تصدّرت الصحف الأجنبيّة، تمامًا مثل فرقة ميّاس. فرحت لهم، فرحت بالثأر وبسياسة العين وبالعين والسنّ بالسنّ والبادي أظلم ودولتي هي الظالمة والجائرة. ولكن حسّي الوطني لم يحرك ساكنًا، أمّا الفخر، فصفة سقطت مع كلّ القيم  الأخرى في وطننا البائس لبنان الحبيب    .

عذرًا، لأنّني فقدت الشعور الوطني ودفنته في أرض الوطن الحبيب لبنان. عذرًا لأنّ عبارة «هيدا هو  لبنان» تستفزّني بقدرٍ أكبر ممّا تستفزّني عبارة «رفع اسم لبنان عاليًا».  أشعر أحيانًا بتسبّب شعبنا العظيم في إحداث ثقب في طبقة الأوزون من شدّة الارتفاع عاليًا حتّى ولو على خازوق. ولمن لا يعرف أو يتجاهل ، يعرف من نرفع أمامهم اسم لبنان عاليًا، عن وطننا أكثر ممّا نعرف نحن عنه أو بالأحرى نعترف به. لذا،  أقتضى التأكيد لأنّ الفخر في عيوننا يتحوّل شفقة في عيونهم. إنّهم يعلمون، فكفى ارتفاعًا وعلياءً لأن الارتطام موجع ومؤلم. ماذا تعني عبارة «هيدا هو لبنان»؟ وماذا عن ذاك الذي نعيش فيه؟ وإذا كان «هيدا هو لبنان»، لماذا تركناه يصل الى الحضيض، نحن الفخورون بلبنانيّتنا وبنقل صورة جميلة عن بلد جعلنا كلّ ما فيه بشعًا. ماذا فعلنا نحن للبنان، سوى تصدير أولادنا للخارج، ماذا فعلنا سوى البحث عن جنسيات ثانية وثالثة ورابعة؟ ماذا فعلنا سوى التغنّي بأمجادٍ غابرة، اخترعناها على الأرجح وصدّقناها. لماذا لم نفعل؟ أو نحن أيضًا «ما خلّونا» فاستسلمنا؟ لن أدخل في الحديث عن معنى الوطنيّة وشكلها وماهيتها، ولا كيف نبني شعورًا وطنيّا وننمّيه، إذ لا بدّ أن يستدرج ذلك خلافًا أكثر تعقيدًا وتشعبًّا، وأعنف من الخلاف على كتاب التاريخ. ولكن أقول: إنني تيّقنت من موت حسّي الوطنيّ الذي كلّما حاولت إعادة احيائه، شعرت بمزيدٍ من الاختناق

بين الانهيار والانفصام يولد لبنان الجديد

201903180159415941

الانهيار والانفصام: خطّان متوازيان أشبه بحبال السيرك ، ننتقل بينهما ، نحن اللبنانيين، برشاقة مشهودة. ليس في التشبيه أي استعارة، ولا هو سجع، كما لا علاقة له بالجناس والطباق، ولا بأيّ من تعريفات اللغة العربية المُلهمة. فالبلد سيرك قائم على الارتجال. ونحن عتاة الارتجال. نضع رجلًا على حبل الانهيار نهارًا، ثمّ ننقلها بخفّة الريشة على حبل الإنفصام ليلًا. لا نرقص مذبوحين من الألم، هذا التشبيه الذي نلجأ اليه لنخفّف من وطأة تبلّدنا. نرقص ونغني ونسكر تمامًا كما يفعل كلّ الذين يغنّون ويرقصون ويسكرون في العالم. ننهار كما يليق بالانهيار أن يكون، ثمّ ننفصم، فيتجلّى انفصامنا بأبهى حلله. الانهيار والانفصام: حالتان قائمتان بذاتهما. نعيشهما بكامل جوارحنا. نتفوّق على أنفسنا، وعلى شركائنا في كوكب الأرض في خوض غمارهما. محترفون نحن.ن

ننهار أمام الغلاء الفاحش وتدهور العملة الوطنية، أمام باب الفرن، في محطة الوقود، في الصيدلية، أمام صندوق المحاسبة في المستشفى. نغيب عن الوعي لدى قراءة الأصفار في فاتورة صاحب الموّلد، ربّنا الأعلى. نستشيط غضبًا كلمّا قرأنا أو سمعنا أو تذكّرنا فجيعة ٤ آب. ننسى لن ننسى. ننهار على عدد الثواني اليوميّة التي تدهسنا بمصائبها المتوالدة من بعضها. نلعن السلطة من رأس الهرم حتى أسفله. نصفّق لكلّ من يتجرأ على مصرف، على زعيم، على رمز من رموز الفساد والقهر والذلّ. نتبارى على صفحات التواصل الاجتماعي في شتم كل من أوصلنا إلى القعر، نُمعن في قدحهم وذمّهم. نشعر بنشوة كلّما حصدنا عددًا أكبر من الإعجابات والقلوب الحمراء، أو حتّى الوجوه الضاحكة، فهذا دليل على ظرافتنا في خضم الانهيار. نشعر أنّنا أدّينا قسطنا للعلى في الاعتراض على الانتهاك الحاصل لحقوقنا، لوجودنا وكينونتنا. ننهي انهيارنا راضين، ثمّ نستعد للانفصام.م
ننفصم بمهارة ورشاقة، منافسين لاعبي  السيرك الأكثر احترافًا. لا نرضى لانفصامنا أن يدل على ضعف أو عجز، فنسميّه إرادة حياة. نخترع مصطلحات تناسبنا أو بالأحرى نعطي لحالنا أوصافًا تجمّلنا. في المناسبة، نعلم أنّ ليس في الانفصام أي إرادة، بل هو أقرب إلى تجاهل للواقع الذي نعيشه من دون الغوص في التعريفات البسيكولوجية لهذه الحالات. نعلم ونتجاهل. أمّا إرادة الحياة في ثقافة الشعوب خارج كوكبنا اللبناني، فهي مواجهة الواقع لا التأقلم معه والإذعان له. نعلم ذلك أيضًا ونتجاهله. وإذا أردنا أن نرتقي بوصف حالنا مدّعين الموضوعية ومستدرجين التعاطف، نقول إنّنا نعيش حالة إنكار، ولإعطاء الحالة بعدها الثقافي، بل الفلسفي والوجودي، نقولها باللغة الأجنبيّة: ” عم نعيش ديناييل”. ل  
ننهار فيسقط لبنان من عليائه حتى سابع أرض، ثم ننفصم فنرفع اسمه عاليا. نحلّق به أعلى من حدود السماوات السبع. نرفع اسمه بأطيب صحن حمص، ثم نرفعه أعلى مع “أهلا بهالطلّة”، فأعلى بانتخاب ملكة الجمال، حدث شكّل غيابه عن لبنان لمدّة عامين متتاليين كارثة الكوارث. نحصد مع الملكة ووصيفاتها مواسم الكرز والتفاح ونصفق للزواج المدني الذي من شأنه ان يعزز الميزانية…ننفصم مع القعدة الحلوة واللقمة الطيبة، ثم ننهار أمام كلفة الانفصام وفاتورة المطاعم التي شاءت هي أيضا أن ترتفع وتحلّق عاليا. ولا يكتمل الانفصام من دون غرس شجرات الأرز التي حوّلت زرقة السماء إلى أخضر نقي. ففي سماواتنا أرز ، الكثير من الأرز، أكثر مما يوجد على الأرض وفي المحميات التي نخرها السوس. في انفصامنا يتوالد رجال الأرز من كلّ فعل يقومون به. لا توجد أحداث عاديّة ورجال عاديّون. في انفصامنا، أو بالأحرى في تاريخنا، فقط أرز، ورجال أرز وأحداث وأفعال يتفوّق فيها اللبناني على الشعوب الأخرى فيحلّق ويعلو أعلى من بطل فليت غريندايزر.ر
مساكين، نحن الشعب اللبناني، ومسكين هو كوكبنا اللبناني. جرّبنا كلّ أنواع الانقسامات والحمدالله. انقسمنا طائفيّا ومذهبيّا ومناطقيّا وعشائريّا وطبقيّا، والآن انقسمنا بل انشطرنا نفسيّا. وبين الانهيار والانفصام يولد لبنان الجديد! د 

رحيل مزدوج

 

 

رحل خالي عفيف. هكذا، من دون إشارة، أو إيحاء،  أو تعبير عن رغبة في الرحيل من الرحيل الأول عن البلاد قبل ٣٥ عاما، إلى رحيل آخر لا عودة منه. كان يفترض بالرحيل الثاني أن يكون عودة إلى الوطن ليس بمعناه التنميطي، بل كخيار لا مفرّ منه  لمن أثقل الاغتراب كاهله وأضناه. لم نتوقع عودته مُحمّلا في نعش، بل انتظرناه هابطًا من على سلّم الطائرة، واقفًا في طابور ختم الجوازات في المطار، متأفّفا من قلّة التنظيم وانقطاع التيار الكهربائي، ومطلقا العبارة الملكة: كيف عايشين؟

خالي عفيف، خالف كلّ التوقعات. عانده قدره، فحمله إلى طريق لا رجوع فيه. قد تكون المرّة الأولى التي أستخدم فيها اللقب(خالي)، فهو عفيف رفيق الطفولة، والشقاوة والأيام الحلوة. هو عفيف أو «ستوف الراعي» (شخصية في مسلسل لسميرة توفيق ومحمود سعيد) واحد من ألقابه الكثيرة، إذ كان لكلّ منّا لقبه في زمن لم تكن تُدرج فيه الألقاب في خانة التنمّر، فهذه الثقافة كانت بعيدة عن أساليب المناكفة بيننا. عفيف يكبرنا ببضعة أعوام، نحن صغار العائلة أنا وخالتي غادة وأخي بشار الأصغر بيننا. ولكنّه كان مُصنّفًا ضمن مجموعة الكبار (خالاتي واولاد اعمامهم ورفاقهم …) كبار بفارق أعوام قليلة أيضًا، ولكنّهم اعتادوا إبعادنا عن طريقهم بشتى الطرق: يخوفوننا من الجنّ والصالحة التي ستأتي إلينا في لباسها الأبيض لتخطفنا. رعب لازمني أعواما طويلة، أو بالأحرى لم يفارقني حتى الأمس القريب. يتفنّنون في استبعادنا عن عالمهم ليسهروا في ساحة بيت الضيعة، وتحت العريشة، وفي بيت ابو بشارة، يتبارون في إطلاق النكات والقهقهات حتى الفجر. أمّا نحن، فنغطي رؤوسنا باللحاف خوفا من الصالحة، حليفتهم في إحياء السهرات.ت

في الطرف الآخر من الضيعة يقع بيت عمّتي. العلاقة هناك مختلفة. لا ألقاب ولا صالحة ولا جنّ، بل فيض من الحب والاهتمام. أنا وأخي بشار (لم يكن الأشقاء الثلاثة غادي جاد ونامي قد رأوا النور بعد) «ولاد الغالي». في بيت عمتي، ابنها رشيد. وهو ابن خال عفيف أيضًا. اهل الضيعة كلّهم أقرباء. رحل رشيد  بعد يومين من رحيل عفيف. كان رشيد الأقرب إلينا. كأنه صلة الوصل بين العائلتين اللتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين. والثقافة في حينها كانت ترتبط اولا وأخيرا بالانتماء السياسي والعمل الحزبي. في بيت جدّي لأمي أيقوناتنا هم لنين وماركس وانجلز، وشعارنا هو المطرقة والمنجل. وفي بيت عمتي إيمان وتقوى وبعد عن العمل السياسي. كان رشيد في منزلة بين منزلتين. كان حالمًا وطموحًا ومحبًّا للحياة. كان رومانسيّا، رقيقًا وسريع الانكسارلأنّه يملك قلب طفل حافظ عليه حتّى يوم رحيله. لم ترحمه الحياة،  فعاش في غربة ووحدة بعدما سحقت أحلامه في تأسيس عائلة  وهزمته بقساوتها  وظلمها، ثمّ اجتاحه المرض، وكان الرحيل الذي استعجله بنفسه.ه

                           *****                                   

هجرنا الضيعة التي لجأنا إليها هربًا من جحيم الحرب في بيروت واقمنا فيها صيفًا كاملًا عام ١٩٧٦، ثم عدنا إليها في هروب آخر في العام ١٩٨٣. لم نعد في عودتنا الثانية صغارا. أمّا هم فقد اصبحوا كبارًا فعلًا لا ادعاءً، وتحوّلت أحاديثهم إلى نقاشات في الحرب والسياسة. رحلت الصالحة عن فضائنا بعد أن عشّشت في مخيلتنا، وبقينا مدلّلين في بيت عمّتي الذي كان يلجأ إليه أخي بشار كلّما اعترض أحد عل شقاوته أو حاول أن يلجمها.ا

                                                                                                                                                        هجرنا الضيعة هذه المرة من دون عودة اليها حتى التحرير في العام ٢٠٠٠. تفرّق الشمل، وأصبح عفيف مقاتلًا في صفوف الحزب الشيوعي، ورشيد منصرفًا إلى تأمين نجاته ونجاة والديه وأخوته من الحرب في هروب متواصل من منطقة خطرة إلى منطقة أقل خطورة بين بيروت وعاليه والجنوب.ب 

اذكر أنّ في لقاءاتنا اللاحقة، كان عفيف يخبرني  عن المعركة ضد حركة التوحيد في طرابلس، يحكي ويحكي، يحكي ويبكي عن رفاقه الذين استشهدوا إلى جانبه، عن الطنين في أذنيه بسبب القنابل التي تنفجر حوله،  عن تآمر منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي حاولت الدخول مجدّدا إلى لبنان من بوابة طرابلس في تحالفها مع قوى التوحيد الإسلاميّة. هذه المعركة التي أظن أنّها حسمت خياره في رحيله الأول إلى الاتحاد السوفياتي كما كان اسمه في حينها.ا

                       *******                              

رحل عفيف ثمّ لحق به رشيد بعد يومين فقط بمشهد سوريالي يذكّر بالتراجيديا الإغريقية، إذ تشابهت حياتهما ومعاناتهما رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بيروت عن موسكو. علق عفيف في اغترابه كما علق رشيد في وطنه، يائسان، كئيبان ووحيدان.  عاشا غربتين تحمل كلّ منهما نكهة المرارة والقهر والظلم، ظلم الحياة والحظ العاثر.عدنا بالأمس إلى الضيعة، وانتقلنا بين بيت جدّي في أول الضيعة وبين بيت عمتي في طرفها الآخر، ليس هروبًا من الصالحة والجنّ ولا بحثًا عن دلالٍ إضافي، أو بنيّة ابتزازٍ عاطفي للـ«كبار». كنّا نكفكف الدموع ونرتق الجراح التي فُتحت على طول المساحة الفاصلة بين البيتين.ن

…خالي عفيف وابن عمتي رشيد: وداعًا