فن الاقناع بانتخاب مرشح لنقابة المحررين بعشر ثوان

 ألو بونسوار

 أهلا… بونسورين

 ما عرفتيني

 بصراحة لا

 أنا … مش أنت بتعلمّي معي بالجامعة؟

 …لا والله يا ريت

  أه، لأن اسمك نازل بجداول نقابة المحررين

  هلق كلّ اللي اسماءهم بالجدول صاروا بعلموا؟؟؟ هني بالكاد عم يشتغلو بالمهنة

(لا مش القصد … بس أنو ما بعرف (وخلافه من الكلام غير المفهوم والمُعمع

هذا ليس حوارًا متخيّلًا بل حقيقيًا مئة في المئة، بين محررتين، أنا الناخبة المفترضة أحداهما، والثانية محرّرة وأستاذة جامعيّة مرشحة على انتخابات نقابة المحررين غدًا

انتهى الحوار السوريالي بطلب واضح من المُتصلة التي لن أذكر اسمها (احترامًا للزمالة ولأصول المهنة التي لا أدري إلى أي مدى ما تزال مُحترمة في بلاد الأرز) بانتخابها عضوًا في النقابة. ذكّرني هذا الاتصال بأولئك المتصلات للترويج لمستحضر جديد: ”مدام ربحتي معنا جلسة ”ميك أب“ مجانيّة“، أو المتصلات (ولا أدري لماذا النساء هن اللواتي يقمن بهذة المهمّة) للتسوّل الحضاري بحجة مساعدة الفقراء. لم يكن هذا الاتصال الأول وقد لا يكون الأخير، قبل حلول موعد الانتخابات غدًا، للزملاء(وللأمانة، لم يتّصل بي كل المرشحين ولكن نسبة لا بأس بها) الذين يطلبون مني انتخابهم. أتخيّلهم يفتحون الدفتر الذي فيه أسماء المحرّرين المنتسبين إلى النقابة ويتصلون بهم تباعًا وفق الترتيب الأبجدي. حتى النقيب اتصل وطلب مني انتخابه! يطلبون، هكذا، بكلّ بساطة، طلب مجرّد من أي حافزٍ أو محاولة إقناع، أو تقديم سبب وجيه سوى أنّني ناخبة لأن اسمي مُدرج على الجدول وأن المتصل مرشح. لا يقولون الكثير في اتصالهم: مرحبا، كيفك؟ العيلة منيحة؟ بدنا همتك نهار الخميس. انتهى. لعل الحوار أعلاه هو الأطول بسبب الالتباس في الأسماء وفق ما برّرت لي الزميلة المُتصلة! يريد المرشح إقناعي بأقل من دقيقة واحدة انتخابه ليمثلني في نقابة المحررين. إنه فن الاقناع في عشر ثوانٍ الذي لن تختلف نتيجته عن تعلّم الصينيّة في عشرة أيام. هكذا تجري الأمور في كل النقابات، قالت لي صديقتي المحاميّة. ولكن هذا الذي يجري ليس مقبولًا في أيّ انتخابات أيّا كان نوعها لأنه يتعارض مع أبسط حقوق الناخب في معرفة من ينتخب؟ ولماذا؟ فكيف في نقابة المحررين التي تضم صحافيين واعلاميين وصنّاع رأي

ينتقدون المرشحين على الانتخابات النيابية وأساليبهم المعتمدة في جذب الناخبين ويحذون حذوها

يخطّون صفحات في الحديث عن تدخل الأحزاب وتأثيرها على سير العملية الانتخابية في سائر النقابات والانتخابات الطلابية، ولا يشذون عن القاعدة حين يحين دورهم

يأخذون على النواب أنهم يغيبون عن السمع لأعوام ولا يظهرون مجددًا ألّا عند حاجهتم لأصوات الناخبين، وعلى خطاهم يسيرون

وحتى يكتمل المشهد الانتخابي أوردت إحدى الصحف التي ما زال فيها محررون يعملون، وتلك نعمة ادامها الله عليهم، أن أحد المرشحين أبلغ بواسطة الواتساب أن النقليات مؤمنة ذهابًا وإيابًا إلى مركز الإقتراع في الفرورم دو بيروت بواسطة شركة شارلي تاكسي. ولم تجر أي إشارة إذا كان العرض يشمل السندويشات أو لا

المؤسسات الإعلامية تحتضر، ولكن النقليات مؤمنة

الصحافيون لا يتقاضون رواتبهم ولكن الاتصالات جارية على قدم وساق لحشد أكبر عدد من الناخبين

العاطلون عن العمل في هذه المهنة يزيد بنجاح كبير ولكن لا هم يكفي أن يتحفنا المرشح بصوته الرخيم عبر الهاتف حتى تغمرنا السعادة ونقتنع بضرورة انتخابه. يا عيب الشوم

ملاحظة أولى: حدود هذا المقال هو اعتراض على شكل الدعوة إلى الانتخابات الذي يشي بالكثير. والمكتوب أحيانًا يُقرأ من عنوانه. اما النقاش في نقابة المحررين نفسها فحديث يطول ويحتاج الى دعوة عامة يشارك فيها كل المحررين المنتسبين إلى الجدول الذهبي. و في المناسبة، قد تكون تلك خطوة أولى في اتجاه ارساء نموذج للانتخابات في شكلها الصحيح

ملاحظة ثانية: لن أقاطع انتخابات نقابة المحررين، ليس تلبية للاتصالات التي وردتني ، بل لقناعة في أن اعطي هذه النقابة فرصة جديدة حتى لا أتهم بالتنظير عن بعد، وبعدها الحساب ولن يكون في الشكل

لأنك رحلت

  

235031Image1

كلّما سمعت المطلع الموسيقيّ لأغنية ”يا هلا يا هلا فيكن وغناني الحب اغنانيكن“ رفعت صوت المذياع في السيّارة، وابتسمت. سأستمع لربع ساعة من الوقت برفقة ”أبو الزلف“ ومونولوغه الرائع الذي يضحكني في كلّ مرّة كأنني أسمعه للمرّة الأولى. لم يُخفّف استماعي لهذا المونولوغ، على أثير “صوت الشعب” على مدى أعوامٍ طويلة وبمعدّل مرّة في الأسبوع على الأقلّ، من بريقه. كما لم ينل من دهشتي الدائمة التي تستدرج قهقهة عالية لدى سماعي بعض المقاطع والعبارات الواردة فيه

… وتعرّفت على زياد أبو عبسي. لم أُصدّق أنني أتعرّف على ”أبو الزلف“ الذي أرعبني حين هبط على مسرح البيكاديللي قبل أن ألتقيه شخصيًا بنحو ستة أعوام. وفي المناسبة، كانت ”شي فاشل“  المسرحيّة الوحيدة التي شاهدتها لزياد الرحباني على المسرح ( من انتاجه خلال الحرب). وما أزال أذكر تمامًا الذعر الذي أصابني حين قفز ”أبو الزلف“من كتاب التاريخ على المسرح محدُثًا ما يشبه الزلزال بنظر المراهقة التي كنتها.  لا أذكر ظروف التعارف، ولكنّنا صرنا صديقين جمعنا حرم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة التي كنت أتعلّم فيها وكان هو يُدرّس فيها المسرح والإخراج. يقولون أن كلّ الذين يعانون من السُمنة المُفرطة يتمتعون بطرافة لافتة وبقلب طفل. لا أدري إذا أمكن التعميم، ولكن أبو عبسي كان من هذه الطينة. كان طفلًا. يحرد، يشاغب، يلعب، يضحك من قلبه، يحب المأكولات على أنواعها ويتناولها سرًا بعيدًا عن أعين الناس الذين سيلومونه على عدم الإهتمام بصحّته 

عملت مع زياد أبو عبسي في مسرحيتين، أنا التي تقتصر علاقتي بالمسرح على المشاهدة فقط. ولكنه أصرّ. هكذا يفعل الأصدقاء برأيه، يعملون سويّة. أوكل إليّ مهام مديرة المسرح  . كانت المسرحيّة الأولى أماديوس(قصة حياة موزار)، وكانت عملًا أكاديميًا رائعًا عُرض على خشبة مسرح غولبنكيان في الجامعة. أما المسرحية الثانية فكانت ”رجع نعيم راح“ من تأليفه وإخراجه وعُرضت على خشبة مسرح فرساي على ما أظن. تخرجت في الجامعة وانصرفت الى العمل وغرق كلّ منّا في قصصه وهمومه. لم اعد التقي زياد أبو عبسي إلّا في ما ندر، ولكن” أبو الزلف” كان رفيقي الدائم ينتزع مني القهقهة نفسها رغم كل التوتر الذي يحيط بي في زحمة السير. كان في لقاءاتنا القليلة المتباعدة فائض حبٍ وودٍ وضحك ووعد بلقاء حقيقي مثل أيام زمان. يرسل إليّ سلامًا وأشواقًا مع أصدقاء وأبادله بالمثل ونجدّد وعودنا بلقاء قريب.”بحبك زياد كتير وبيحترمك“ يقول لي الأصدقاء الذين نكتشف أنهم مشتركون فنحملهم السلامات والتحيّات. و”أنا      أيضًا أحبّه كثيرًا“ أجيب بمودة كبيرة

لم نلتق. ورحل زياد. هكذا بهذا القدر من البساطة والأسى رحل. ومع كل رحيل عزيزٍ أتيقن كم أن الحياة سخيفة وتافهة. رحيل زياد تأكيد إضافي على هذه القناعة. لماذا نهمل لقاء الناس الذي نحبّهم؟ لماذا نؤجّل لقاءهم؟ لماذا لا نستفيق على حجم الخسارة إلّا لحظة فقدانهم، لماذا لا نلتقيهم في حياتهم، ونفتقدهم في مماتهم؟

بحثت عن مقابلة أجريتها مع زياد أبو عبسي منذ زمن طويل. فلفشت كلّ أرشيفي. لم أجدها. مقابلة أجريتها في زمن كنت ما أزال أكتب على الورق، ولا احتفظ بنسخة مما أكتب إلّا في حال نشر الموضوع في الصحيفة. بحثت وبحثت ليس لأنني أرغب في أن أعيد نشر هذه المقابلة على مدونتي فسحب، بل لأنني كنت أتوق لأستعيد ذكريات هذا اللقاء. ماذا سألته؟ وبماذا أجاب؟ كنت أرغب في أن أحييه مجددًا في صورته التي عرفته فيها على مدى أعوام طويلة: فرحًا، ضاحكًا وطفلًا كبيرا 

سأنتظر ”أبو الزلف“ على الإذاعة، وسأرفع صوت المذياع، وسأقهقه كما في كلّ مرّة وسأضيف دمعتين مع كلّ ضحكة… لأنك رحلت 

أما في الغابة التي نعيش فيها

 

كتبت هذا التحقيق في صحيفة السفير في العام 11/11/1996، أي قبل أسبوعين وإثنين وعشرين عامًا بالتمام والكمال. أدرج هذا التحقيق الذي حمل عنوان ”يقدمون الماء والكهرباء والهاتف المشوّش… وهم باقون ، وزراء الظل لا يخافون منافسة الوزراء“، في خانة تحقيقات  ”الثلّاجة“. ويعني هذا التصنيف الذي يفهمه أهل المهنة تمامًا، أن لا عجلة في نشره. يمكن تأجيله بضعة أيام وربما أسابيع إلى أن تجد إدارة التحرير فراغًا ما في صحيفتها فتملأه بتحقيق من ”الثلّاجة“. كان هذا التصنيف يُزعج المُحقّق ويُشعره أنه أدنى مستوى وأن تحقيقاته التي تصلح لأي زمان هي تحقيقات لا لون لها ولا طعم، علمًا أن مفهوم التحقيق و”الثلاجة“ أمران متناقضان وخصوصًا حين يتعلق الأمر بهموم الناس وهواجسها الحياتيّة والمعيشيّة. المهم، لست هنا في وارد مناقشة مفاهيم المهنة الخاطئ منها والصائب، ولكنها جملة اعتراضية وربما دفاعًا متأخرًا عن قناعة راسخة، أن التحقيق الصحفي الذي يحكي وجع الناس هو أهم من المانشيت السياسيّة، وقد اعتمدت بعض الصحف ومحطات التلفزة هذه السياسة نقلًا عن الإعلام الأجنبي الذي يشّكل هذا المفهوم ركيزة عمله. المهم هنا، أنني بحثت في أرشيفي عن هذا التحقيق الذي ما أزال أذكره جيدًا، وقلت لو أعدت نشره الآن مع تعديلات طفيفة لما اكتشف أحد أنه الأرشيف!  ما زلنا، نحن الشعب اللبناني العنيد، بعد مرور أسبوعين وأثنين وعشرين عامًا نعاني من مشاكل انقطاع التيار الكهربائي والمياه وندفع أغلى فاتورة هاتف. كانت، في حينها، خطوط الهاتف مُشوّشة وتنقطع باستمرار. أما اليوم فقد انتقلت المشاكل إلى الشبكة العنكبوتيّة. ما زلنا، نحن الشعب اللبناني العنيد، بعد مرور أسبوعين وأثنين وعشرين عامًا ندفع فاتورتين واحدة للدولة بدل خدمات لا تقدمها وأخرى لأصحاب الخدمات الخاصة. والأسبوعان هنا أهم من الاعوام اللاحقة، لأن هذه الفترة الزمنيّة القصيرة قياسًا بالردح الزمني الذي تلاها كفيلة بإسقاط حكومات في الدول الأخرى. اما في الغابة التي نعيش فيها، فنحوّل قضايانا إلى طرائف نتلهى بها ونطالب بوزارة لأصحاب  مولدات الكهرباء وأخرى لأصحاب صهاريج المياه

ملاحظة: ليست هناك” تحقيقات ثلّاجة“  مثلما ليست هناك  تعديّات وأعمال بلطجه تستمر أسبوعين وأثنين وعشرين عامًا، بل هناك شعب يظن أنه سيُعمّر، لا قدّر الله لأبد الأبدين، وأن لا شيء يستحق العجلة للإعتراض وتغيير واقع الحال، وخصوصًا أنه منهمك في التنافس على عرض صوره وطرافته المفترضة على وسائل التواصل الاجتماعي

دولة الـ اندر كونترول تتفوّق على نفسها في مكافحة جريمة الكلمة

41179723_303.jpg

 أرسل لي زميل وصديق مصري على البريد الخاص يسألني: ”من اللي يقدر يقمعك؟ قوليلي وأنا أخطفهولك على طول“. لم يخطر في باله أن شعار ضد القمع الذي شكّل إطارًا لصورتي الشخصيّة على فايسبوك هو جزء من حملة تعترض على ما آل اليه وضع حريّة التعبير في لبنان. لم يصدق! ”حتى أنتم في لبنان تتعرّضون للقمع! احنا عنا في مصر بيعملو قانون لمراقبة الفايسبوك واحنا  معارضينه“ قال لي .”يبدو أننا نتناول من الطبق عينه”، أجبته. له الحق في ألّا يصدّق أن القمع بات ظاهرة تستوجب الاعتراض في لبنان. في المناسبة، حصل هذا الحديث قبل استدعاء الدكتورعصام خليفة للتحقيق معه لدى المباحث الجنائيّة على خلفيّة شكوى مقدمّة ضدّه من رئيس الجامعة بجرم القدح والذم، ممّا وفّر عليّ حرجًا كبيرًا، لأنني لن أجد ما أدافع به إذا قال لي مثلًا:”ايه ده انتو سبقتونا بأشواط، أو إنتو بقيتو مدرسة في القمع بعد ما كنتو مدرسة في الحرية“. لن نفتح الآن كتاب التاريخ وننهل من الأمثلة ونستذكر الأحداث والمواقف التي تؤكد أنّ استغراب صديقي مبرّر ومشروع. لقد أصبح، استطرادًا، كلّ لبنان مجرد تاريخ، ويبدوأننا نعيش منذ أعوام قليلة وحتى يومنا هذا في بلد آخر هو غير لبنان الذي قرأنا عنه أو أخبرتنا عنه الأجيال السابقة. هذا ألطف إخراج لتدحرج البلاد على المستويات كافة إلى قاع القاع. مراقبة ما يقال أو يكتب أو ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو لا شك أمر مثير للشفقة وينطبق عليه المثل القائل من راقب الناس مات همًا. إنهم الناس بالمعنى الواسع والفضفاض للكلمة . يتحدثون على صفحاتهم تمامًا كما يتحدّثون في الأفران، والمقاهي، وسيارات الأجرة، والبيوت، ومن على شرفات المنازل. إنهم يثرثرون، ويتذمّرون، ويشكون همومهم، ويحلمون، ويطبخون، وينفخون . أي إنهم يعيشون يوميّاتهم عبر هذه الصفحات. كيف يمكن مراقبة كلّ هؤلاء بشكلٍ عادلٍ ومن دون التمييز بين مواطنٍ وآخر في التعامل مع ما يتفوّه به على مدار الساعة ؟

لقد فات أجهزة المراقبة أو مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية (بالمناسبة الإسم وحده يحدث الرعب في النفوس :جرائم !!!) أنهم يساهمون من حيث يدرون أو لا يدرون في نشر ما يعتبرونه قدحًا وذمًا وإساءةً في حق الوطن ورجالات الدولة على أوسع نطاق مع توقيف كلّ من يعتبرونه تجاوز حدود الكلام المسموح به في أعرافهم. وللأمانة لم يكن معظم المواطنين، على سبيل المثال لا الحصر، على اطلاعٍ على ما قاله شربل خوري عن مار شربل ولا يدرون بتعليق جويل سليم على مار شربل أيضًا. ولكن بفضل مكتب مكافحة جرائم المعلومات أصبح كلّ اللبنانيين على علم بتفاصيل القول والردّ ”المجرميْن“ التي جرت مكافحتهما بالتحقيق ثم منع شربل خوري من استخدام حسابه على فايسبوك لمدة شهرٍ كامل. ونعم الحكم!!! هناك آلاف التعليقات والصور التي تدرج في خانة القدح والذم بحسب المفهوم الرسمي للتعبير تُبث على مدار الثواني وليس الساعة عبر صفحات الفيسبوك ولا يراها الرقيب ولا يعاقب عليها ؟ماذا عن صورة العلم اللبنانيّ الذي استُبدلت فيه الأرزة بنبتة الحشيش في الإشارة إلى النيّة في تشريع الحشيش في لبنان؟ أو ليس في هذه الصورة التي انتشرت في لبنان والمهجر، عفوا بلاد الانتشار، تحقيرًا لعلم البلاد ودائما بحسب المعايير الرسميّة؟ لماذا لم يوضع الشعب اللبناني المقيم والمهاجر،عفوا المنتشر، في النظارة؟ أو ليس هذا ظلمًا يعكس عدم مساواة بين المواطنين ؟ لا بدّ أن تفعّل الدولة أجهزة الرقابة وأن تتفرّغ لمراقبة كلّ حرف يُكتب أو كلّ نفس في غير مكانه حتى تُحقّق المساواة المنشودة. ما دام تحقيق العدالة في الميادين الأخرى أمرًا مستحيلًا وميؤوسًا منه، فلتتحقق على هذا المستوى!!  هكذا تكتمل صورة المساواة في أبهى حللها ويمكن للدولة عندها أن تطمئن أن كلّ الامور تحت السيطرة وترفع شعار”دولة الـ أندر كونترول“.  وحتى  يستقيم وضع العدالة والمساواة لا بدّ أن يطال العقاب كلّ من لييك (من لايك ) وكلّ من شيّر(من شير) ”الكلام المجرم“ الذي استوجب توقيف صاحبه. ولا ضير في أن يوقفوا أيضًا كل من ابتسم أو ضحك أو ساهم في نشر التعليق شفويًا. ولمزيد من ضمان سير العدالة وإحقاقها لا بدّ من مراقبة الواتساب الشيطان الأكبر في نشر الشر.  لطالما ردّدت أنه لو أيقن مارك زوكربرغ أن الفايسبوك سيقع بين أيدي اللبنانيين، لما سمح لهذا الاختراع العبقري أن يُبصر النور. ولا يرتبط  هذا الموقف بما يقال عبر الفايسبوك بقدر ما له علاقة بالـ”جلقان” في استخدام هذه الوسيلة لعرض أتفهم الأمور بدءًا من قصة الشعر مرورا بتحديد المطاعم والمقاهي التي يرتادونها وصولًا الى الجلوس في ال ”في اي بي لونج“ في مطار بيروت الدولي. أما وقد تفوّق مكتب مكافحة جرائم المعلومات في لبنان على نفسه وعلى اللبنانيين أجمعين، فلا بدّ أن السيّد مارك يشعر بأسف وذنب تجاه اللبنانيين الذي سبّب لهم اختراعه  هذا متاعب جديدة وحوّل التعبير أكان حرًا أو سفيهًا إلى جريمة يعاقب عليها القانون الفضفاض الذي يعاد تفصيله وفق مقاسات استنسابيّة

عذرًا يا صديقي المصري إذا كنا قد سبقناكم في الرجوع خطوات إلى الوراء فنحن اعتدنا أن نكون السبّاقين في كل شيء. ولكن شاء حظنا العاثر أن ثمة من غيّر وجهة سيرنا من الأمام إلى الخلف وبالسرعة نفسها. ونحن شعب مسكين لا حول له ولا قوة ينتخب ولا يعترض، ويتلهى عبر الفايسبوك إلى أن يحين موعد الانتخابات المقبل، فيسير خطوات دؤوبة إلى الوراء

ملاحظة: أرجو ألّا يجري استدعائي خلال عطلة نهاية الأسبوع لارتباطي بمناسبة مهمة وعزيزة على قلبي. وأنا تحت أمركن إعتبارا من  الساعة الحادية عشر من صباح الاثنين وليس قبل لارتباطي بموعد لتنظيف البيت…وشكرًا

الطائفيون المجموعون والمطروحون والمنقسمون … التقوا في حفل زياد الرحباني

37081915_982496058571503_1093048870226624512_o_418662_highres

الصورة من جريدة النهار

قد لا تكون حفلة زياد الرحباني في مهرجانات بيت الدين من أجمل حفلاته. قد لا يكون زياد فكّر أو أراد أن يقدم الأجمل. قد لا يكون مقتنعًا بهذه التصنيفات أصلًا. إنها حفلة موسيقيّة قدّم فيها قديمه وأغنية واحدة من جديده. قد يستحق الأمر بالنسبة له إحياء حفلة لإطلاق أغنية جديدة وليس ألبومًا كاملًا. لم يطلق الوعود وهذا ليس من عاداته أصلًا. كلّ هذا ليس مهمًا أو بالأحرى لم يعد مُهمًا في مقاربة أعمال زياد وإنتاجه الموسيقيّ. ذلك أنّ التعاطي مع زياد يجري دائمًا من منظار مختلف. تحاكم أعمال الرجل الفنيّة والموسيقيّة والمسرحيّة من خلال مواقفه في شتى الميادين الأخرى ولا سيّما السياسيّة. ولأن زياد شخصية مشاكسة بطبعها ولا تهادن، ولأنه لا يُؤْمِن بأن على الفنان التزام الحياديّة وعدم التعبير عن آرائه حفاظًا على صورته أمام جمهوره، فهو يعبّر عن آرائه السياسيّة بحريّةٍ تامة وبأسلوبٍ يراه البعض إستفزازيًا. ولكن الردّ لا يأتي في مناقشته في ما يقول بل في النيل من أعماله عمومًا والتقليل من إبداعه والقول بأنه أفلس ولا يملك جديدًا يقدّمه. وقد يطال الرد شخصه، فيتهم بأنه أدمن الكحول تارةً أو أنه يتعاطى الممنوعات طورًا أو يعاني من مرضٍ عضال
بعد غياب بضعة أعوام عن الساحة الفنيّة، دبّ النشاط مجددًا بزياد الرحباني ، فأحيا سلسلة حفلات في مقهى البلو نوت إحتفالا بعيد العمّال في أول أيّار. هكذا عَنْوَن حفلاته ولَم يكن الحضور، إستطرادًا، من العمّال بل ممن ينظرون نظرةً مغايرةً لنظرته إلى هذه الفئة، وهنا بيت القصيد الأول. ثمّ استكمل نشاطه بافتتاح مهرجانات بيت الدين باروكسترا كاملة تحت إدارة المايسترو هاني سبليني وزياد خلف البيانو طبعًا. جاءت هذه الحفلة بعد مواقف ناريّة أطلقها الرحباني في مقابلة مع تلفزيون ”المنار“ أعلن فيها مجددا انتماءه للمحور المُسمّى ممانعة. وانهالت عليه الانتقادات من كلّ حدبٍ وصوب من هم في المحور المقابل المُسمّى اعتدال
في بيت الدين، بدا المشهد مختلفًا وهنا بيت القصيد الثاني، والمقصود في “البيتين” جمهور زياد الرحباني. هذا الجمهور المنوّع كلّ التنوع أفقيًا وعموديًا، سياسيًا وإجتماعيًا، إقتصاديًا وطبقيًا، جندريًا وعمريًا. في حفلة زياد تجد اليساري واليميني، الممانع والمعتدل، الغني والفقير، العامل ورب العمل ، الشاب والكهل، العروبي والفرنكفوني والأنكلوساكسوني. كلّ هؤلاء وسواهم احتشدوا على مدى يومين إلى بيت الدين ليستمعوا إلى زياد . يكفي أن يقول ”مرحبا“ أو ”هون الوضع غير“حتى يعلو التصفيق. هنا أهميّة زياد: ما يزال من القلّة القليلة القادرة على جمع جمهور غفير ومتنوّع في بلد أحسن وصفه في مسرحياته ولاسيما في شي فاشل التي افتتح الحفل بموسيقاها           قائلًا ”صارت شي ناجح“.  هذا البلد الذي تنخره كلّ الآفات الإجتماعيّة (وهذا شرح يطول) يتفق على حب زياد، وهذا بحد ذاته إنجازيحتسب لصالح الرجل أيًّا كانت مواقفه السياسيّة. نجاحه في بيت الدين مرتبطٌ هذه المرّة وبعد الحملة التي تعرّض لها ، بجمهوره وتحديدًا ذاك الذي يختلف معه سياسيًّا أو فكريًّا والذي بدا راغبًا وقادرًا، وهذا الأهم، على الفصل بين آراء زياد السياسيّة وأعماله الفنيّة. يحبّونه رغم أنهم يختلفون معه على كلّ فاصلة سياسيّة. بهذا المعنى بدا جمهوره المختلف معه أكثر وعيًا من النخب التي تحلّل وتحرّم، تقيّم وتوزّع النقاط، تعلي شأن من تشاء وتحط من قدر من لا يعجبها. زياد الذي أعلن يأسه من شفاء المجتمع من تناقضاته الطائفيّة في كلّ أغنية و”اسكتش” وعملٍ مسرحيّ، استطاع أن يجمع اللبنانيين فيُجمعون على الإعجاب به والتماهي معه. جيل زياد الذي نشأ معه وخصوصًا وأن موهبته بدأت في سن مبكرة، الجيل الذي يكبره ، الجيل الذي تلاه كلّهم يستخدمون قاموسه في تعابيرهم اليوميّة ونكاتهم وتهكّمهم. هو ليس القاموس اللبناني كما يظنّ البعض، بل هو قاموس زياد
لعلّ صدقه وصراحته، بل فجاجته في التعبير عن مواقفه دون الحاجة إلى تدوير الزوايا – إحدى المواهب اللبنانيّة الصرفة- جعلت الناس كلّ الناس يقبلونه وينسون اختلافهم عنه في القناعات والممارسات. مع زياد فقط لا يكون النجاح الشعبي، شعبويًا. مع زياد هناك دائمًا إتقان في الموسيقى والكلمة واللحن، وإن احتاج الناس إلى بعض الوقت لاستعياب موسيقاه. ”كان غير شكل الليمون“ التي قامت الدنيا ولَم تقعد حين غنّتها فيروز في المرة الاولى لاعتبارها دون المستوى ، هذه الأغنية نفسها وحدت الحناجر في بيت الدين وتمايل الحضور المتنوّع على أنغامها
شكرا زياد على هذا المشهد الجامع ولو انتهى مفعوله مع انتهاء الحفل

ملاحظة : لست من المعجبين بالرئيس السوري بشار الأسد ولا بوالده من قبله ولا بنظام البعث. اقتضى التوضيح وليحب زياد من يشاء ويكره من يشاء

نحن العرب وهم الإسرائيليون

f9c67b083ce38ca72869b214953226a6

 

 مللنا فلسطين. مللنا هذه القضية. مللنا إصرار البعض على جعلها قضية العالم العربي الأولى. مللنا الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني. مللنا…مللنا… مللنا. آن الأوان لأن نلتفت لقضايانا الخاصة. خلص فلسطين”. هكذا كانت فلسطين بالنسبة للبعض أو ربما للكثيرين، مجرد قصة مملة. تكرار لا طائل منه. موضة بالية

في الوجه الثاني للعملة: خطابات طنّانة ورنّانة. تهديد ووعيد للمحتل من خلف المنابر. تعاطف لا يتجاوز حدود الكلام. دعم لا يتخطى صفحات الجرائد ومواقع التواصل الإجتماعي. صورة للمسجد الأقصى تضامنًا أو للقدس حبًا وتعاطفًا. وانتهى البيان

اليوم، وبعد ما جرى ويجري في فلسطين، عادت القضية على الموضة وسطع الوجه الثاني للعملة. تضامن خطابي من الطراز الرفيع، صور وأعلام على مواقع التواصل الإجتماعي. ومن كانوا يعتبرون بالأمس أن قضية فلسطين باتت مملة وبالية، نفضوا عنها الغبار ولمّعوا صورتها مجددًا. لا حاجة للاستفاضة في الشرح والتفصيل حتى لا يقع هذا الكلام في خانة الوجه الثاني للعملة

ملاحظة: الحكومات العربيّة مُكلّلة بجامعة الدول العربيّة لم تبدّل موقفها منذ أعوام طويلة وإصرارها واضح في إهمال هذه القضية وإدراجها في خانة ”مللنا“ من دون أن تحاول ولو لمرّة واحدة أن تنفض عنها غبار التجاهل. هو ليس ملل بقدر ما هو موقف واضح وصريح وممنهج يرمي إلى انهاء هذه القضية لصالح الإسرائيليين. ولا يحتاج الأمر الى بحث وحفر لإيجاد الدلائل والبراهين التي تثبت هذا الكلام، فيكفي اختيار بعض المواقف بشكل عشوائي لتأكيد المؤكد

في المقلب الآخر: لم يملْ الإسرائيليون من لعب دور الضحيّة. لم يملّوا من استدرار عطف العالم إزاء ”الهولوكوست“، علمًا أن هناك شك كبير في الرواية التاريخيّة للهولكوست لجهة المبالغة في تضخيم حجم ضحاياها. حوّلوا اغتصاب فلسطين إلى “حق”. أقنعوا العالم أنهم الضحيّة وليسوا الجلّاد. تعاطف معهم الغرب وصار ينوح أكثر منهم على الهولوكست. حضر الهولوكست في معظم الأفلام الهوليوديّة كما سجلت القلسونة اليهوديّة حضورًا بارزا في أعمال الفن السابع الأميركيّة والأوروبيّة. لم يضجر الإسرائيليون ولا ضجر المتعاطفون معهم من حمل لواء قضيتهم المفتعلة عبر السنين. ولن يضجروا ولن يملّوا ولن يترفّعوا عن تسخير كلّ الأساليب المتاحة وغير المتاحة، بالترغيب والترهيب، لابقاء قضيتهم القضية الرقم واحد في العالم الغربي

هذا نحن وهذا هم. ولا عجب بعد اليوم في ما نحن عليه وفي ما هم عليه. هم يدركون أن القضايا المصيريّة لا تنتهي صلاحيتها، أما نحن فنلحق الموضة حتى في أهم قضايا حياتنا وأخطرها، وفلسطين نموذج صارخ

غدًا نطوي صفحة فلسطين ويتسرب الملل إلى قلوبنا ونعيد ونكرّر” خلص فلسطين”. أما هم فيفتحون صفحة جديدة ويسجلّون نقطة إضافية لصالحهم ويرون التاريخ كما يحلو لهم ويناسبهم ويقنعون به من يشاؤون