لور ومازن والإدهاش الدائم

 

ما بين لور غرّيب ومازن كرباج لا يشبه أي علاقة تجمع بين شخصين آخرين، لا بين أم وابنها ولا بين صديقين ولابين فنانين. هما كلّ هذا وأكثر. لذا، لا يأتي عنوان معرضهما الأخير في متحف سرسق”بيني وبينك“ من عبث، بل هو نتاج أربع أيادٍ ترسم وتقول وتعبّر على الورق وبأقلام الحبر الصينيّ التي يستعملها المهندسون عادةً في رسم خرائطهم والأقلام المُلوّنة التي تعيدنا إلى زمن الطفولة والبراءة. لا تقّلل الأدوات التي يستخدمونها في رسمهما من قيمة هذه الأعمال بل تعطيها بعدًا خاصًا ومميزًا لتصبح بمثابة بصمتهما الخاصة. لا يحتاج مازن ولور إلى توقيعٍ أسفل أعمالهما للتعرّف عليها. إذ تلتصق رسوماتهما بهما كما يلتصقان هما بها. إنها تجربة فريدة تشبه بفرادتها العلاقة التي تجمع بين لور الأم الناقدة والشاعرة والرسّامة (88 سنة) ومازن الإبن الموسيقي ورسّام الكوميكس( 44 سنة). يعادل عمر مازن نصف عمر لور، ولعلّ هذا ما جعلهما يلتقيان في منتصف الطريق حيث حمل كلّ واحد منهما تجربته وأفكاره وآراءه  وجسدّها بأسلوبه الخاص على الورق. هما لا يكمّلان بعضهما، ولا يشكّل هذا الأمر هاجسًا لديهما أصلًا، بل يتخاطبان ويتحادّثان ويتحاوران بشتى الأمور التي تخطر في بالهما، وقد يختلفان أيضًا مثل أي فردين آخرين مع فارق وحيد ولكنّه جوهريّ وهو أنهما يفعلان ذلك عبر الرسم. مازن برسوماته الكاريكاتوريّة وأسلوبه التهكميّ ولور بمنمنماتها وخطوطها الدقيقة، يطلقان حوارهما المرسوم الذي يذكّر بسوق عكاظ. أحداهما يفتتح الحوار- الرسم ويأتي الآخر ليكمّله وهكذا دواليك إلى أن يكتمل عملهما الذي ينتهي مع انتهاء الحوار أو اشباع الفكرة قيد النقاش.  ما تزال هذه التجربة التي انطلقت في حرب تموز 2006  مستمرة حتى اليوم حاملةً كلّ عناصر الإدهاش. لذا، لا يمكن لمن يتابع أعمال لور ومازن أن يشعر بالملل أو التكرار. إذ ان أفكارهما في تجدّد دائم يحتاج معها المرء إلى أن يقف مطولًا أمام كلّ عمل لمراقبة التفاصيل وقراءة النصوص التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من العمل. أما أسلوبهما، فقد أصبح فنًا قائمًا بذاته تطوّر وتعمّق مع مرور الأعوام ليفرض نفسه في الساحة الفنيّة

التجربة التي بدأت على دفترين منفصلين كانا يتبادلانهما أثناء حرب تموز 2006 أسست لتجربة الرسم بأربع أياد التي جمعت بين رسم مازن العفوي والسريع ووجوهه الضخمة والكاريكاتورية وبين خطوط لور الدقيقة والمُتقنة. ورغم تطور التجربة التي عرفت محطات  متعدّدة  في معارض حملت أسماء مختلفة منها بورتريه ذاتي تحت عنوان”إنت وأنا حبر وورق“(2008) ثم كتاب”غدًا لن يأتي“ (2014)، فـ ”أبجدية لور غريّب ومازن كرباج“ (2015)، فقد حافظ كلّ واحد منهما على هامشه الخاص ومساحته التي يتميّز بها. قد لا تعرف من بدأ العمل ومن أنهاه، ولكن الأكيد أنه يمكن تمييز خطوط لور عن رسوم مازن من دون أن ينتقص هذا التمييز من جماليّة العمل وانسجامه وانصهار الأيادي الأربعة في اتمامه بشكلٍ فنيّ مثيرٍ للإعجاب والدهشة. لم تنجح المسافات التي فصلت الأم عن ابنها أو لور عن مازن، هو في برلين منذ ثلاثة أعوام وهي ما تزال في بيتها في الأشرفية، في انهاء التجربة  أو الحد من تطورها. ما كان يفعله التاكسي في العام 2006 منتقلًا بين حرج ثابت حيث كان مازن يقيم  والأشرفية حيث تقيم لور لإتمام عملية تبادل دفتريهما، تولته هذه المرّة إحدى شركات البريد السريع تحمل اللفات من بيروت إلى برلين وبالعكس. وجاءت النتيجة لفافة بطول المئة متر تزيّن جدران متحف سرسق بشكل دائري وقد ملأتها الأيادي الأربع بخطوط ورسوم وكلام .وهكذا قهر لور ومازن المسافات وحوّلا مجددًا اللفافات إلى عمل فنيّ يعكس مواقفهما من الأحداث المحيطة إلى الثرثرة والحب والضحك والتأمل. إنها حياة كاملة تجري على الورق لا نراها بالعين فقط بل نقرأها ونعيشها معهما لحظات جميلة وممتعة ومميّزة. إنها تجربة مفتوحة على اللانهاية

 

فقاعات صابون الزواج المدنيّ

 

p10_20090612_pic1
الصورة من جريدة الأخبار:كريستيان بستاني

 

أمّا وقد عاد الزواج المدنيّ قضيّة مطروحة على بساط البحث في لبنان، فليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل. لا تعدو هذه القضيّة كونها فقّاعة صابون. نلهو بها بفرح الأطفال ثم لا تلبث أن تتلاشى بانتظار أن يأتي من ينفخ في القضية محدثًا فقاعةً جديدة، وهكذا دواليك. لا يحمل هذا الكلام أي تشكيك في نوايا وزيرة الداخليّة ريّا الحسن. لعلّها لم ترض في قرارة نفسها أن يُسجّل عليها وصولها إلى وزارة الداخليّة من دون أن تحرك ساكنًا. إنه موقف مبدئيّ ولو كنت مكانها (افتراضيًا طبعًا) لأثرت الموضوع غير عابئة بموقف رجال الدين الذين لا أعبأ بموقفهم أصلًا، وأنا مواطنة من درجة عادية. وقد يكون في إثارة القضية، وهي ما تزال تتلمس دربها في وزارة الداخليّة نوع من كسب شهرة ما ودعم وتعاطف شعبيين وهو هاجس كلّ من يتبوأ مركزًا مهمًا في الدولة. لقد كانت من دون شك حديث البلد بكل وسائل تواصله الاجتماعي والاعلامي والسياسي والديني. فقاقيع صابون ملوّنة كأننا في مهرجان الربيع في عزّ فصل الشتاء. شتاء القضايا المُعلّقة والمؤجلة وعلك الصوف. لن تنجح ريّا الحسن وزيرة الداخليّة في مسعاها حتى لو وُقّع بدل العريضة ألف عريضة. ليست المشكلة في رجال الدين كما يُصوّر الموضوع. هم مشكلة لا شكّ، ولكنهم ليسوا المشكلة الوحيدة. ولا أظن أنّ رجال الدين في لبنان وفي أكثر دول العالم حضارة سيوافقون من اليوم وحتى يوم القيامة على إقرار الزواج المدني، لأنهم بكل بساطة رجال دين. ولا أخال أن أيّ عاقلٍ ينتظر أن يبارك مفتي الجمهورية ومن يوازيه في الطوائف والمذاهب الأخرى (عملًا بمبدأ 6 و6 مكرّر وحتى لا يُفسّر الكلام وكأنه تصويب على طائفة دون سواها)  خطوة الوزيرة ريّا الحسن وأن يأخذوا معها صورة رسميّة وليست”سلفي“(لأن هذه التصرفات غير لائقة بالمقامات الدينيّة وهي ضد الدين ربما) ويقولوا لها لتكن معركة شريفة ولنشرب نخب المنتصر. مشهد سورياليّ بحجم سورياليّة الآمال المُعلّقة على إقرار الزواج المدنيّ في لبنان

 ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل وإن كنت أمني النفس أن يأتي يوم يقال لي فيه: لقد خسرت الرهان يا بومة الشؤم

ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل بأن هذه القضية ستبلغ خواتمها السعيدة في المدى المنظور أو البعيد من دون أن يمنعني ذلك، كمواطنة من درجة عادية، من توقيع  وفعل كلّ ما يساهم في إحقاق الزواج المدني الاختياري. ولا ادري كم عريضة وبيان ومنشور وقعت عليه  حتى الآن.  أما أسباب التشاؤم فلا علاقة لها بسلطة رجال الدين ولا بفساد الدولة ولا بخبث السياسيين الذين يحلّلون ويحرّمون وفق مصالحهم الخاصة، بل هي مرتبطة بالشعب اللبناني العظيم الذي تنخر الطائفيّة عظامه، فإذا به بدل من أن يتقدّم  خطوة في اتجاه نبذ الطائفية تراجع خطوات باتجاه المذهبيّة. أسباب التشاؤم تعود إلى أن ثمّة مواطنين ما زالوا يقولون”الغربية“ للدلالة على منطقة رأس بيروت و”الشرقيّة“ للدلالة على منطقة الأشرفيّة، لأنهم لم ينجحوا في التخلّص من تقسيمات وتعابير فرضتها حرب استمرت خمسة عشر عامًا ومضى على انتهائها زهاء تسعة وعشرين عامًا. أسباب التشاؤم تعود  لأن أي حديث مع أي شخص تتعرف عليه رجلًا كان أو امرأة بمعزل عن الظرف والمكان والمناسبة يبدأ بسلسلة أسئلة ترمي إلى الكشف عن هويتك الدينيّة ما لم يدلّ اسمك على ذلك بوضوح. في ظل هذا الواقع، لا يعود مستغربًا أن نسب المواطنين الذين لا يؤديون الزواج المدني فاقت بثلاثة أضعاف أولئك الذين يؤيدونه وفق ما اشارت إليه إحدى العرائض التي يجري تداولها للتوقيع عليها

بالأمس، وأعني الأمس بالمعنى الحرفي للكلمة، سمعت هذا الحديث بين سيدتين تنتظران الأوتوكار الذي يقل أولادهما من المدرسة

 مبارح في واحد عرض اولادو للبيع على الفايسبوك

تتابع السيدة نفسها: الله يساعد العالم لوين رايحين بهالبلد، فقر وتعتير وقلة اشغال

تقاطعها السيدة الثانية، وقد علت وجهها تكشيرة خلتها في بادئ الامر تعبيرا عن استيائها من الحال الذي بلغته البلاد

بكون عندو شي 10 أولاد ، بكونوا اسلام

لن تكفي كلّ علامات التعجب لتعبّر عن دهشتي، بل صدمتي ممّا سمعت

حادثة أخرى وقعت في الصيف الماضي لا تقل دلالة على واقعنا الطائفي الفريد من نوعه، طبعًا، كنت أنا ضحيتها هذه المرّة. ولم يُجنبني زواجي من مسيحي (على الهوية، كما يحرص أن يوضح ) التعرض لمثل هذا الموقف المُضحك والمستفز في آن:                        تقرع صاحبة الملك، في بيتنا الجبلي، الباب وفي يدها كيس مليء بالشموع، وتطلب مني بكل تهذيب أن أضعها على الشرفات مساءً وتشرح لي الأسباب رغم عدم اعتراضي على الفكرة أو حتى استفساري عن أسبابها

نحن عنا عادة بعيد السيدة من ضوّي شموع

أكدت لها أنني سأضيء هذه الشموع ليلًا حفاظَا على تقاليد القرية، لانني انا الساذجة ظننت أنها قصدت بـ “نحن ” أهل هذه القرية، ولم أكتشف انها تقصد نحن المسيحيين إلا حين خرجت في تلك الليلة تلبية لدعوة العشاء في قرية مجاورة. واكتشفت أن الشرفات في القرى التي اجتزتها وعددها أربعة على الأقل مُضاءة بالشموع. وهنا أيضًا لن تكفي علامات التعجب لتعبّر عن دهشتي مما قالته هذه المرأة. ولكن تبقى الصدمة الكبرى أنني حين رويت هاتين الحادثتين بانفعال واستنكار وعدم تصديق حصلت، رغم الفاصل الزمني بينهما، على رد فعل واحد

 ايه ليه مستغربة، شو وين مفكرة حالك عايشة

لأنني بتت أدرك تمامًا ”وين عايشة“، ولأنني مضطرة أن أشير إلى أن المسلمين لا يقلون طائفية عن المسيحيين وأن الصدفة وحدها شاءت أن تعكس هاتين القصتين التعصب المسيحي من دون أن يعني ذلك ان اقف إلى جانب المسلمين أو اعتبرهم أقل غلواء في تعصبهم، ولأن اللبنانيين يتنشقون الطائفيّة مع كل نفس أرجيلة (تبيّن أنه أكثر انتشارا وفعاليّة من الرضاعة) لكل هذه الأسباب مُجتمعةً ومُتفرقةً، لا شيء يدعو للتفاؤل فيما خص اقرار الزواج المدني في لبنان حتى ولو كان اختياريًا. وأظن أن الأنسب للبنان واللبنانيين منع الزواج بكل أشكاله وألوانه، على أمل أن يساعد ذلك في القضاء على جيل الطائفية والطائفيين! ومن يدري قد يحصل بعد قرن من الزمن أن يلد لبنان جديد من دون طوائف ويحكي أبناؤه الجدد: ”كان يا ما كان بقديم الزمان كان في بلد اسمو لبنان ضربو داء الطائفية وقضى علي عن بكرة ابيه وما بقي حدا يخبر

 

 

 

كفرناحوم تعتذر من جورج زريق: أنت الفقير أما نحن فانتحلنا صفة

 

doc-p-554434-636852451291399112.jpg

شاءت الصدفة أن أسمع بقصة جورج زريق بعد خروجي من الـ”سيتي سنتر“ حيث شاهدت أخيرًا وبعد صراع طويل مع النفس فيلم كفرناحوم لنادين لبكي. كنت أسال نفسي ما هو تعريف الفقر؟ لأن لبكي أعادت صوغ مفاهيم مُسطحة للفقر أفردت لها ساعتين من الزمن أمعنت خلالها في تسطيح الفقر بدلأ من الغوص في أعماقه، وهي لا تُلام، إذ أنها تنظر إلى الفقر من برجها العاجي تمامًا كما جالت فوق الأحياء الشعبية وبيوت التنك  في لقطات أرادتها فنيّة ، وكان ينقص أن يأتي صوتها  ليقول: أنظروا هذا هو الفقر الشرير أو بالأحرى ”الأوريبل“. جاءت قصة جورج زريق الذي أحرق نفسه بسبب عجزه عن تسديد قسط ابنته في المدرسة، لتزيل التشويش الذي أحدثته لبكي في معاني الفقر. احترق قلب جورج يأسًا من الحصول على إفادة تتيح له نقل ابنته إلى مدرسة أخرى غير تلك الخاصة التي عجز عن تسديد أقساطها. نار قلبه المشتعلة هي صميم الفقر. وحين يحترق القلب لا يعود هناك أي قيمة لاحتراق الجسد. مات جورج قبل أن يشعل النار في جسده. مات حين اشتعلت نار القهر في قلبه. هذا هو الفقر. ليس الفقر أن يأكل طفل حليب بودرة ناشف ماركة نيدو  (وللمفارقة هو من أغلى أنواع الحليب الذي لا يعرف طعمه الفقراء). وليس الفقر أن تُقسم الغرفة الوحيدة التي تملكها عائلة لبكي الفقيرة بواسطة شرشف يحتل الوالدان قسمًا منها حيث يمارسان الجنس الذي سيُفضي إلى انجاب المزيد من الأطفال في حين يتكدس الأطفال في الجزء الثاني ويغفون على تأوهات والديهما. وليس الفقر أن يتقن زين بطل الفيلم كلّ أنواع الشتائم والسباب والكلام النابي الذي يخدش آذان من هم من غير الفقراء. وليست من علامات الفقر ولا الجهل ألّا يعرف الوالدان في القرن الواحد والعشرين في أحدى الضواحي الفقيرة  متى ولد ابنهما أو ما هو عمره التقريبي على الأقل! لأن الذاكرة البشريّة تعمل بمعزل عن الفقر والغنى. واللافت، أن الأثيوبية رحيل(الفقيرة الأخرى) تعرف ميلاد ابنها وتحتفل به بشمعة وقالب حلوى مسروق . وملاحظة بين هلالين يبدو واضحًا أن الطفل يوناس، الذي احتفلت أمه ببلوغه عامه الأول، قد تجاوز هذا السن بسنوات. إذ أن ردات فعله وحركاته ونظراته تنطبق على من هم أكبر سنًا، إلّا إذا كان يوناس مثله مثل زين سابق عصره في حدّة الذكاء وتدبّر أمره ومواجهة أصعب الظروف برباطة جأش وجرأة استثنائيتين. لو شاهد جورج زريق فيلم نادين لبكي كان،ربّما، تعلّم من زين كيف ”يواجه الفقر ويتحايل عليه“. العبارة الأصح، لو قرأت نادين لبكي او عايشت قصة واحدة مثل قصة جورج زريق التي تضجّ بها بلاد الأرز ، لو عرفت معنى أن يحترق قلب والد ويشعر بعجزه أمام طفلته، لكانت أحرقت فيلمها كفرناحوم قبل أن تخرج به إلى صالات العرض. الفرق شاسع بين الفقر السياحي والفقر الحقيقي. الفقر ليس عنوانًا، بل هو حقيقة معاشة بدقائقها وثوانيها، بطعم الذلّ والعجز وفقدان الحيلة، الفقر طعمه ”بنزين“ وعود كبريت وقلب احترق فامتدت ناره إلى الجسد. تطول لائحة استفزازات لبكي لشكل الفقر وطعمه ومعناه، علمًا أن الفقر ليس موضوع لبكي الوحيد. لعلّها ارتأت أنّ الفقر موضوع لا يستحق أن يحظى بفيلم من إخراجها فحشرت إلى جانبه مواضيع شتى منها: الأوراق الثبوتيّة، الإتجار بالبشر، العاملات الأجنبيات، الموت على أبواب المستشفيات، عمالة الأطفال، اللاجئين السوريين، تحديد النسل… ويمكن زيادة ثلاثة أو أربعة عناوين إضافيّة لا فرق ما دامت المعالجة تقتصر على العنوان من دون الغوص في معاني هذه العناوين وتجليّاتها. ثم، هذه عناوين جذابة وطنّانة وتستدرج العاطفة والدموع  وتدغدغ الجمعيّات الإنسانية العالميّة والمجتمعات الأوروبيّة التي تنظر إلينا بشفقة، فتُغدق أموالها التي يعرف القاصي والداني إلى أنها لا تذهب إلى حيث يُفترض، ولكنّها تُكسبنا لقب شحّادين بجدارة. في أي حال، لو كان الفقر إنسانًا لرفع دعوى قضائية على لبكي بتهمة تحسين صورته وتلميعها، وهذا يصب في خانة تشويه السمعة. ولن تجد لبكي محاميّة بلباقتها وشطارتها لكسب الدعوى التي انتهت ليس بإخراج زين من سجن الأحداث في رومية بل بإصدار هوية له أيضًا وأيضًا. الله!الله! الله

تشير الـ”هابي اندينغ“ التي ختمت فيها لبكي ساعتين من الدوران في حلقة الفقر المفرغة، أنها سائحة في بلدها بقدر ما هي سائحة في معنى الفقر. هكذا بمنتهى البساطة وبقدرة محاميّة حذقة  حصل زين على أوراق ثبوتيّة ومن يدري قد تكون دولتنا الكريمة قد تبنّته وأرسلته يكمل تعليمه في أهم المدارس الأميركيّة. وقد نلقاه في الفيلم القادم قد تخرّج في هارفرد!!  الدولة نفسها التي حرق فيها جورج زريق نفسه لأنه عجز عن تسديد قسط ابنته. الدولة نفسها التي يستغيث فيه التعليم الرسمي طالبًا الدعم والمساعدة، الدولة نفسها التي لا تفيها كلمة فساد حقها وجاري البحث حاليًا عن كلمة تعبّر عن واقعها بشكل أدق

لم أكن أنوي أن أكتب عن الفيلم. لقد شاهدته فقط لأنني أردت أن يكون لي رأيي الخاص في هذا المنتوج الذي تضاربت فيه الآراء حد التناقض، فانقسمت  بين دفاع شرس عن لبكي وفيلمها وبين انتقاد حاد لهذا العمل. لم يقنعني المدافعون لأن حججهم كانت عاطفيّة وغير مبنيّة على أسس علميّة، في حين بدت آراء المنتقدين أكثر تماسكًا وتفنيدًا للمشاكل التي اعترت الفيلم.(ولم ارغب في أن اكرّر ما سبق أن قيل وكتب لذا، لم أدخل في نقدٍ مفصّل للفيلم) رغم ذلك قررت مشاهدة الفيلم ووجدت نفسي في صف المنتقدين بمعزل عن كلّ محاولاتي لأن أكون متسامحة وأن أبحث عن نقاط إيجابية فيه. ولكنني خرجت منه من دون الشعور باي تعاطف أو تأثّر مع أيّ من أحداثه.لا دمعة حزن. لا غصّة. لا شيء. شعرت فقط أني هدرت ساعتين من الوقت كنت في الأرجح سأمضيهما في زحمة السير التي بدت لي للحظات أكثر رحمة ورأفة بأعصابي. كتبت فقط لأجل جورج زريق. كتبت أعتذر منه نيابةً عن فقراء نادين لبكي الذين انتحلوا صفة. كتبت لأعتذر منه عن دولتها العادلة الحنونة والمحبة التي لا تشبه دولته. كتبت لأشتم نفسي لا لأشتم المسؤولين كما أعتدنا أن نفعل بعد كلّ فضيحة في بلاد الأرز، كتبت لأشتم نفسي لأنني راضية، لا أنتفض، لا أهاجر، لا أعترض، أتأثر، ألعن ثم أمضي إلى يوميّاتي ، أشتم نفسي لأني صرت على صورة دولتي العظيمة ، وهذه أقسى عقوبة يمكن إلحاقها بشخص: أن يصبح المواطن على صورة دولته البائسة. بئستم وبئس لبنان

سأصبح وزيرة

jana nasrallah

أمّا وقد تشكّلت الحكومة، هذه الحكومة، شعرت بغبطة عارمة. ليس لانها جاءت بعد انتظار طويل. لم أكن أصلا من المنتظرين  عدا أنه ليس الانتظار الأول ولن يكون الأخير، الانتظارات جزء من هوية البلد السياسية في نسختها الحديثة. ولا علاقة لسرّ سعادتي بوجود أربع نساء في الحكومة العتيدة. لست نسويّة، وتستفزّني البهجة العارمة والاحتفالية المبالغ فيها بوصول المرأة إلى الوزارة وأراها تشبه الاحتفالات الشعبيّة بإجراء عملية الطهور للمولود الذكر ! نقاش طويل لا بدّ أن يبدّد الغوص فيه سعادتي العارمة

شعرت مع تشكيل هذه الحكومة أنني قد أصبح في أيّ لحظة وزيرة، وأنني ربما أبعد عن الفوز بهذا المنصب بضع خطوات فقط. لا حاجة لأن اجتهد في العلم. لا ضرورة لأن تكون حياتي المهنية حافلة بالنجاحات. ليس من قانون يفرض عليّي مراكمة الخبرات. شرط واحد بسيط يقتضي ان أكون ابنة الطائفة البارّة أو أن أكون عضوًا فاعلًا في أحد أحزاب السلطة. والأهم أن أتخلّى عن اسمي وأرضى أن أعرّف بوزيرة هذه الطائفة أو ذاك التيار. بمعنى آخر، أن يسقط اسم الوزير ليصبح التعريف على الشكل التالي : الثقافة لحركة أمل ( بالمناسبة لماذا ارتضت حركة أمل وزارة الثقافة؟ سؤال على الهامش) والمهجّرين للتيار(ما هو سرّ استمرارية هذه الوزارة  التي تذكر بضريبة زلزال عام 1955 التي ما زال يدفعها اللبنانيّون! رغم ان المهجّرين إما عادوا وأما ماتوا وإما هاجروا، قد يكون انشاء وزارة للبحث عن المفقودين أكثر إفادة مثلًأ)، والداخلية للمستقبل ،والتنمية الإدارية للقوات، والصحة لحزب الله وهكذا دواليك. صحيح أنها ليست المعايير الوحيدة التي حكمت تشكيل الحكومة ، ولكن المعيار الآخر لا أستطيع تأمينه بسبب المسار التاريخي الذي سلكته حياتي: لست ابنة زعيم سياسي يورّثني الوزارة ولا ابنة قياديّ يرضونه بتوزير ابنه. والدي كان موظفًا ونقابيًا وجلّ ما أورثني اياه كان الكرامة كما ظل يردّد بتفاخر ( لذا، انا عاطلة عن العمل منذ أكثر من عشرات سنوات، ولو لم أكن لبنانية، لاستحقيت الجنسيّة في بلدٍ يرتفع فيه عدد العاطلين عم العمل الذين لا تسقط هذه الصفة عنهم إلّا إذا شاء حظّهم أن يستبدلوها بمهاجر). لذا لم يبق أمامي سوى الخيار الأول لأكون وزيرة : الالتحاق بأيّ من أحزاب السلطة ، لأن حظوظي طائفيًا ومذهبيّا شبه معدومة لأسباب يطول شرحها
قد يستفز هذا التحليل الغيارى على الوطن وسمعته الدولية. وقد يقول قائل أن الوزراء في كلّ دول العالم واعتى الديموقراطيات إنما يمثلون أحزابهم، ولا يُعرفون أصلًا سوى من خلالها، إذن ما الذي يستدعي الاعتراض والانتقاد والأدهى بناء الآمال على تبوء منصب وزير كأن الامر مجرد نزهة من دون زحمة سير
صحيح. ولا ينقص هذا الاعتراض سوى كلمة واحد اسمها البرنامج ! وما دامت ليست هناك برامج يحاسب عليها أي طرف في الحكومة، وما دام التأخير تسعة أشهر لتشكيل حكومة ليس له مبرر بناء على النتيجة التي خرجت بها البلاد بعد انتظار طويل ، ليس ما يمنع أن اتفرغ حاليًا لشراء البزّة التي سأظهر فيها في الصورة التذكاريّة لأعضاء الحكومة بعد أن أعلن استعدادي الوفاء الكامل  لأي جهة تبحث عن مناصرين تحوّلهم لممثلين في الحكومة. نحن تحت التصرّف

إدمون صعب: أخذ معه المهنة ورحل

img_1304احتجت يومًا كاملًا لاستيعاب خبر رحيلك، وقد احتاج وقتًا أطول بكثير يعادل ما تبقى من العمر لأصدّقه، ولن أصدّقه كماهو الحال مع  الأحباء، أحباء القلب الذين رحلوا. أقنع نفسي أنهم ما زالوا موجودين في هذه الدنيا. أرقام هواتفهم محفوظة في هاتفي. مواقفهم ، أقوالهم، ردّات فعلهم وصورهم مطبوعة في الذاكرة . وحده الكسل حال دون أن نتواصل إستاذ إدمون. أقول غدًا نلتقي. ويحملني الغد إلى اليوم الذي يليه، وهكذا من دون أن نلتقي. لعلّني كنت أخشى اللقاء. لم أرغب لقاء إدمون صعب على غير الصورة التي عرفته عليها. قويًا صلبًا مُجادلا وأستاذا أصيلًا في مهنة الصحافة التي خسرت الكثير من قوامها وما تزال تخسر مع رحيل الكبار الذين لا ورثة مهنيين لهم. أجلت اللقاء، وكأني بذلك أمد بعمر إدمون. لم أرغب أن ألقاه وكأنني أودّعه. أردت أن أعطيه مساحة من الوقت كي يستعيد عافيته. لم يكن الكسل هو الذي منعني هذه المرة من الاتصال، بل هو الجبن من مواجهة صورة شخص على غير حقيقته، شخص نال منه المرض ثم انتصر عليه على غفلة منا وليس منه، لأنه صارع وتألم وجاهد قبل أن يعلن استسلامه. لم يعد بامكانه انتظاري أكثر من ذلك، ولَم يكن بإمكاني أن أراه في ضعفه . تعذّر اللقاء، وتضاعفت الغصة والألم والندم . لم أفكّر يومًا في رثاء إدمون صعب. لم أجرِ هذا التمرين الصعب ولا حتى حين علمت أن حالته الصحية في أصعب مراحلها. لم أجرؤ على ذلك، لأن على الاحباء ألّا يرحلوا وخصوصًا إذا كانوا من صنف الكبار الذين نرى أن وجودهم حاجة دائمة لا تنتهي. رغم كل ذلك رحل إدمون صعب
تعرّفت على إدمون صعب في العام ١٩٩٧. لم يكن اللقاء وديًّا، ولكن الحاجة إلى العمل أولًا والانضمام إلى جريدة ”النهار“ الذي كنا نعتبره معمودية المهنة ثانيًا (كنّا وكان)، جعلاني أرضى بكلّ عدم الود الذي حصل في اللقاء. كان ادمون يبحث عن مديرة لمكتبه (التعبير له) ، وأرادها صحافيّة تتحدث اللغتين الفرنسيّة والإنكليزية إلى العربيّة. تحرّى عني في ”ملحق النهار“ الذي كان يرأس تحريره حينذاك الياس خوري  وكنت أكتب فيه بانتظام أسبوعي. قرأ بعضًا ممّا كتبت، ورغم ذلك حين اطلع على سيرتي الذاتيّة التي تشير إلى عشرة  أعوام خبرة في الصحافة كنت أتباهى بها نظر إليّ وقال لي: ”هلقد مغيرة محلات شغل ب ١٠ سنين !“. كانت هذه العبارة الهازئة أول درس تعلّمته من الاستاذ إدمون . الانتقال من مكانٍ إلى آخر في العمل وعدم الثبات في مؤسسة واحدة ليس دليل عافية

لم تتجاوز إدارة مكتب مدير التحرير التنفيذي في صحيفة ”النهار“ شؤون السكريتريا، الأمر الذي أحبطني بشدّة، وجعلني أفكر في الاستقالة حتى لو أن ذلك سيجعلني أخسر فرصة العمل في ”النهار“. احتجت إلى وقت طويل نسبيًا لأرى الأمر من منظارٍ مختلفٍ وأدرك أنّ التواجد مع شخصٍ من أمثال أدمون صعب في مكتبٍ واحدٍ، لا بدّ أن يعلّمك الكثير من دون أن تدري . لم يكن العمل مع إدمون صعب سهلًا وخصوصًا أنه ليس من النوع الذي يوزّع علامات إعجابٍ وتقديرٍ مجانيّة. يريد أن يكون العمل أيّ عمل أقوم به كاملًا ليس فيه شائبة  أو خطأ. وقاموس الشوائب والأخطاء عند إدمون صعب واسع ومتشعب ومضن. في المرّة الأولى التي فكّرت فيها تناول مُهدّىء للأعصاب كانت في مكتب إدمون صعب . ثمّ قلت لنفسي: سأستقيل. لن أحتمل المزيد. كان مدركًا تململي، ولكنه تجاهله كمن يريدني أن أصبح أكثر قوةً وصلابةً ولا أنهار عند أوّل مواجهة. كان يُمعن في استفزازي بغية تعليمي، إلى أن جاء اليوم الذي قال لي فيه بنبرة صوته الحادّة : ”جنى ، انت محلك مش ورا المكتب ، انت محلك بالشارع“ لم يقصد الطرد في عبارته هذه. ولكن هذا أسلوبه في التعليم . حاد وغير مهادن واستفزازي إلى أقصى الحدود. وأردف: “رح حاول لاقيلك محل بقسم المحليات”. هذا ما قاله لي. أمّا ما قاله للزملاء في قسم المحليات: رح ابعتلكن أحسن صحافيّة

هذا ادمون وهذا أسلوبه. إنه أشبه بالمدرسة الداخليّة لجهة النظام الصارم الذي لا يقبل الخطأ. انتظرت سنوات طويلة لأسمع منه مباشرةً اعجابًا في عملي في قسم التحقيقات. كان يصلني الثناء مواربة. لن تكفي الصفحات لأتحدث عن ثلاثة عشر عامًا من العمل في النهار(أقصي من الصحيفة قبل استقالتي بعام واحد) مع أدمون صعب. ولست، في أي حال،  ممن يعطون الشهادات بإدمون صعب ولكنني ممن يطمحون للحصول عليها منه ومن الكبار أمثاله . كانت آخر مرة التقيت فيها إدمون صعب واقعًا (لان اللقاءات الافتراضية عبر فايسبوك استمرت حتى نال منه المرض) في حفل توقيع روايتي الأولى ”النوم الابيض“. كان فخورا بي. كلامه ونظراته تنم عن حب كبير وإعجاب ودهشة. كان يردّد:” جنى من اكتشافي“. وكتب مُعلقّا على إحدى المقابلات التي أجريتها بشأن الرواية:”  نحبّك ونقدّرك لانك كاتبة صادقة، يا صاحبة النوم الأبيض الذي كشف موهبتك الروائية

شكرا لك استاذ إدمون لأنك  كنت بوابة عبوري إلى ”النهار“، ”النهار“ التي كانت مدرسة و أقفلت صفوفها تباعًا بعد أن تخلّت عن كبارها. شكرا لأنك علمتني الكثير. شكرا لأنك أتحت لي أن أمرّ في هذه الصحيفة في زمنك وزمن أنسي الحاج وغسان تويني والياس خوري والمدير فرنسوا عقل (أطال الله عمره) وجبران تويني الذي كان يؤمن بجيل الشباب ويغامر في فتح ابواب الصحيفة العريقة أمامه. شكرا لك لأن كنت صعبًا كما هو اسمك. وعذرا لأنني لم أتعلّم منك القدرة على مقابلة من أحب في مرضهم وضعفهم

القاهرة هي التفاصيل ومتعة الغرق حتى القعر

 

لم أنجح يومًا في تحرير إجابة مُقنعة عن السبب الذي يدفع اللبنانيين عمومًا إلى التحدُّث باللهجة المصريّة إذا إلتقوا مواطنًا مصريًّا كما لم أنجح في تفسير السبب الذي يدفع المصريين إلى العمل حصرًا  في محطات الوقود في لبنان. ورغم أن لا علاقة تربط الأمرين ببعضهما، فإن هذين السؤالين متلازمين في رأسي، علمًا أن السؤال الأول يشغل بالي بوتيرة أعلى من الثاني بل أشعرأنني مُستفزة كلّما سمعت لبنانيًّا يتحدّث باللهجة المصريّة مع مواطن مصري، إذ  يبدو لي أحيانا كأنه يُترجم له من لغة أخرى وليس من لهجته اللبنانيّة إلى اللهجة المصريّة. قد يبدو الأمر ”منطقيًّا أو مُفسّرًا“ لمن يعتبر أن هناك لغةً لبنانيّة (وليس لهجة) قائمة بذاتها لا علاقة لها باللغة العربيّة! في أي حال، حرصت حرصًا شديدًا في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة، على ألاّ أنطق سوى باللهجة اللبنانيّة التي، وللمفارقة، ظنّ المصريون بناءً عليها، أنني سوريّة. قد لا تشكّل هذه المقدمة مدخلًا مناسبًا للجزء الثاني من زيارتي إلى القاهرة، ولكنها ملاحظة على الهامش ظلّت تلح عليي طوال رحلتي من دون أن يشكّل إغراء التحدّث باللهجة المصريّة الذي انتابني أكثر من مرّة إجابةً شافية على تساؤلاتي

 

تفاجئك القاهرة بقدرتها على الصمود. هذا ما يقوله الزائرون وما لا يوافق عليه أهل البلد. الصمود صورة خارجيّة، أمّا الواقع فهو تراجعٌ وانهيارٌ مستمران، يقولون. وإذا حذفنا القاهرة ووضعنا مكانها بيروت، سيساعدنا ذلك من دون شك على فهم ما يعنيه المصريّون في اعتراضهم على فكرة الصمود. ولكن ذلك لا ينفي أن القاهرة تبقى جميلة ومميّزة  في عين الزائر- السائح وإن كان يشعر بنظرة استغرابٍ وأحيانا شفقة تعلو وجه محدّثه المصريّ كلّما استفاض الزائر مديحًا ببلاد الفراعنة. فكيف إذا كان الزائر المدهوش لبنانيّا (أحلى ناس، كما يصفهم المصريون)، عندها يشك المحدّث المصري في السلامة العقلية للزائر اللبناني أو يفترض في أحسن الأحوال أنه يسخر منه ومن بلاده. في أي حال، وبمعزل عن رأي المصريين وموقفهم، فإن البلد الذي ما يزال يُقيم اعتبارًا وازنًا للثقافة، هو بلد فيه الكثير من مقومات الصمود أو الأمل في انطلاقة جديدة. ففي القاهرة التي يزداد فيها الفقر والجوع، وتنخفض قيمة العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها (الدولار الأميركي يعادل 18 جنيهًا) تنتشر المكتبات بشكل لافت. كيفما سرت، وأينما تهت لا بدّ أن تصادفك عناوين كتب ومجلدات منها ما هو حديث، ومنها ما هو قديم، ومنها ما هو نادر. كتب على الأرصفة، وكتب في المكتبات التي حافظت على مفهوم المكتبة بمعناها العريق، أي مكتبة تناقش مع صاحبها أو العامل فيها عناوين الكتب. ينصحك بكتاب أو يطلعك على آخر اصدارات هذا الدار أو ذاك المؤلف. لذا، تبدو زيارة القاهرة من دون تمضية جزء من وقتك في مكتباتها، زيارة ناقصة على المستويين السياحي والفكري. استرجع المصريون عادة القراءة، قال لي صديق مصريّ، بنبرة لا تخلو من الشعور بالفخر في زمن أصبحت فيه القراءة من أفعال الماضي السحيق، وتابع قائلًا أن ثمة كتّابًا جددًا يحققون مبيعات لأعمالهم تلامس حدود الـ 200 ألف نسخة في السنة. والمقارنة مع عدد السكان هنا لا تبدو ذات دلالة، لأن فعل القراءة موضوع النقاش لا يتحدّث عن كلّ المصريين، بل عن جيل  الشباب والمتعلمين. ويبدو أن المصريين لا يقرأون فحسب، بل يتذوقون فنونًا أخرى. لذا، إذا قرّرت أن تحضر عرضًا في الأوبرا المصريّة عليك ان تحجز البطاقات باكرًا لأنها قد تنفذ سريعًا. يخال المرء أن حضور عرض في الأوبرا المصريّة، هو إمّا نخبويّ وإمّا سياحيّ. والمقصود بالسياحيّ أن الشركات التي تنظم رحلات سياحيّة إلى القاهرة، تحجز لزبائنها في الأوبرا من ضمن برنامج الرحلة. رغم صحّة الاحتمالين، فإن نسبة المصريين الذين يقصدون دار الأوبرا مرتفعة نسبّيا، وهم لا ينتمون بالضرورة إلى ”صفوة المجتمع“ ولا إلى أغنيائه حصرًا، وهو ما يمكن تحديده من لباسهم العادي والمتواضع، بل هم من عامة الشعب التي تتذوق الفن وتقدّره. وللفن في دار الاوبرا نكهة خاصة ومستوى عالميًّا وخصوصًا حين يكون العرض رقص باليه مع فرقة موسيقيّة حيّة ويحمل اسم ”كسارة البندق“. ساعتان من المتعة الخالصة. عرض باهر وآسر مع راقصين يوازون النجوم العالميين خفّة ورشاقة وحرفيّة عالية وجمهور متذوّق مسك أنفاسه طوال ساعتين قبل أن يشعل الصالة تصفيقًا حارًا.      ليست العروض الفنيّة محصورة في دار الاوبرا الذي مهما قصده المتواضعون والمحبّون للفنون الذين ربما يقتصدون طوال الشهر لحضور عرض فيه، تبقى سمته العامّة نخبويّة. العروض الفنيّة والمعارض متوفرة في القاهرة على مدار الأيام والأسابيع، ولو أراد الزائر أن يتابعها جميعها لما سعفه الوقت. فإذا أردت مثلًا أن تشاهد رقصة التنورة التي تُعرض في مسرح الغوري في شارع عبده المتفرّع من شارع الأزهر، عليك ان تحضر قبل ساعة ونصف الساعة من موعد العرض وتقف من صف طويل وزحمة خانقة بين المصريين الذين يتهافتون للحصول على بطاقة دخول. العرض ليس مجانيًا ورغم ذلك فإن الزحمة خانقة. والحضور ليس كلّه أجنبياً ولا هو سياحيّ محض، إذ امتلأت القاعة مناصفة بين السوّاح الأجانب وبين المواطنين المصريين الذين يدفعون ثمن بطاقة الدخول 5 جنيه مقابل 75 جنيه لغير المصري. الثقافة مدعومة في بلدٍ ترتفع فيه معدلات الفقر والبطالة ويعاني مشاكل إقتصادية جمّة، واستطرادًا فإن كل المتاحف والعروض الفنيّة والمرافق السياحيّة متاحة أمام المصريين بأسعار زهيدة، حتى تلك التي تحوّلت إدارتها من القطاع العام إلى القطاع الخاص مثل برج القاهرة. لم يكن الوصول إلى وكالة الغوري، وهذا هو اسم المكان، أمرًا سهلًا. ليس ما يشير إلى أن ثمة مبنىً تراثيّا في هذه الناحية يُستخدم للعروض الفنيّة. حتى عندما تسأل عن المكان ويدلّونك عليه بالبنان : هناك، تقول أن ثمة التباس. لعلّهم يشيرون إلى مكان آخر غير وكالة الغوري. ويعود سبب الانطباع إلى كميّة النفايات المُحيطة بالمكان والروائح الكريهة المنبعثة إلى القطط السارحة التي تعبث بالنفايات. تدرك أنّك وصلت إلى المكان المنشود بسبب الصف الطويل ممن سبقوك للحصول على بطاقة دخول. تقف بين الناس وتشعر أن العرض بدأ للتو. لعلّها من المرّات النادرة التي وقفت فيها في صف طويل لا أحد يحترم فيه دور الآخر، ولم أتذمر أو أعود ادراجي عازفة عن حضور العرض لأن الزحمة تشعرني بالاختناق الفعلي لا النظري. كنت فرحة بما يدور حولي. أراقب الناس وأستمع إلى أحاديثهم. أستمتع وأبتسم وأشعر مجددًا أنني في مشهد سينمائي بامتياز على خلفية موسيقيّة لأغنية محمد عبد المطلب”ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين، وعشان أنول كل الرضى يوماتي أروحله مرتين“. في المناسبة، لا أدري لماذا كنت أدندن هذه الأغنية كلما انطلقت في رحلة مشي جديدة في شوارع القاهرة. سيّدة مُحجّبة تصرخ في رجل حاول أن يتجاوزها وتطالبه في احترام الدور، يحاول الردّ عليها، تحرجه، يتلعثم في الكلام ثم يتراجع إلى الخلف مطأطأ الرأس. ورغمة جديّة الموقف لم أنجح في تمالك نفسي من الضحك، ولحسن حظّي أن السيدة التي كانت قبل لحظات في فورة غضبها، تخلّت عنه فجأة وشاركتني الضحك من القلب. هم هكذا يضحكون دائمًا في أقسى المواقف وأصعبها. لم تضربهم لوثة العدائية بعد.  ندخل العرض وننتظر ساعة كاملة رغم امتلاء القاعة. يبدأ العرض في تمام الساعة المحدّدة. عرض محترف، ممتع، ورائع بسعر زهيد لأن الثقافة مدعومة وليس لأن الفرقة مغمورة أو دون المستوى المطلوب كما ظننت حين فوجئت بسعر البطاقة

إنها بعض أوجه الحياة في القاهرة التي لا تنام ولا تستسلم. إنها القاهرة التي تفشل كلّ المحاولات لخلق مسافة بينك وبينها، لأن ذلك يبقيك عائمًا على سطحها ويفقدك التمتع بسحرها. القاهرة هي التفاصيل، والتفاصيل لا تُقرأ ولا ينظر إليها من أعلى، بل تعاش شارعًا بشارع وزقاقًا بزقاق. القاهرة هي الناس ومهما صمدت في الحفاظ على خصوصيتك فلا بدّ أن ينتهي بك المطاف وانت تستعير طرافتهم وتتحدث لهجتهم وتجيب كلّ من سألك عن رحلتك بالقول: زي القِشطة

 

القاهرة إطار لذاكرة مصورة في اللغز والرواية والفيلم

كانت القاهرة أول عاصمة زرتها في حياتي. لم اشعر يومها أنها ستكون زيارتي الأخيرة لها. لا علاقة لهذا الشعور بالمثل القائل ”اللي يشرب من النيل لازم يرجع له تاني“، بل لأنه لا يُمكن لزائر هذه العاصمة الحيويّة أن يتعامل معها سياحيّا، أيّ أن  تنتهي وظيفتها ما إن ينهي جولاته السياحيّة التي يُتوّجها بزيارة الأهرامات والتقاط الصور التذكاريّة أمام أبو الهول، ليُخطّط بعدها لزيارة بلد آخر والتقاط صور يضيفها إلى ألبومه السياحيّ.  لست واثقة إذا كان الشعور نفسه ينتاب الذين يزورون بيروت. ولكن أخمّن ذلك. تكرّرت زياراتي إلى القاهرة. وكنت أشعر في كلّ مرّة أنني أعيد اكتشافها، أو بالأحرى أكتشف فيها أشياء جديدة

كانت زيارتي الأخيرة إلى القاهرة سياحيّة الطابع. سببها الرئيس هو الهروب من زحمة بيروت في الأعياد التي تزداد أضعاف ما هي عليه مع انهمار المطر وتشكّل السيول وبرك المياه في وسط الطرق العامة. قد تبدو المفارقة غريبة ومُضحكة. لا أحد يهرب من الزحمة إلى القاهرة. هذه العاصمة التي يدخلها يوميًّا ما يزيد على مليونيّ مواطن لانهاء معاملات رسميّة ويقيم فيها عشرة ملايين نسمة.  زحمة خانقة في القاهرة، ولكن السماء صافية وليست هناك أمطار، فلا بدّ إذن من المشي علمًا أن الهواء بارد جدًا في أحيان كثيرة

  القاهرة مشيًا تختلف عن القاهرة بالسيارة. والقاهرة فوق الجسور(الكوبري) هي غير القاهرة تحت الجسور التي تحملك إليها ”غوغل ماب“ لتجنّبك السير في الطرق العامة بعدما تحدّد المكان الذي ترغب في الوصول إليه عبر هذا التطبيق، مشيًا. زحمة سير فوق الجسور وزحمة بشر تحتها. أبواق سيارات تصمُّ الآذان في الأعلى، ونداء الباعة وصراخ الزبائن وصريرالجسر تحت وطأة آلاف العجلات التي تجتازه على مدار الساعة  إلى روائح الأطعمة والخضروات المُتعفّنة التي تختلط بروائح الناس  في الأسفل. تشعر بالقلق والتوتر ثم بالاختناق ثم بالرغبة في التلاشي لأنها الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المكان الذي أوجدت نفسك فيه هربًا من الزحمة في الأعلى وتجنبًا لقيادة المصريين المتهورة. ليست هناك إشارة تخبرك أين أنت، و”غوغل ماب“ يحدّد لك فقط عدد الكليومترات التي عليك اجتيازها لبلوغ وجهتك : منطقة الحسين! ثم ما همّك إذا عرفت اسم الشارع الذي أنت فيه أو لم تعرفه، ما دام ذلك لن يساعدك في الخروج من المأزق الذي وضعت نفسك فيه، سوى السير قُدُمًا والتأكد من أنك تضع قدمك في المكان المناسب، من دون أن تدوس على أيّ من البضائع المفروشة أرضًا حيث تختلط الخضروات باللحوم، واللحوم بالدجاج، والدجاج بالأقمشة، والأقمشة بالنحاسيّات، والنحاسيّات بالأدوات الكهربائية… وكلّها محاطة بأكوام من الوحول والقمامة والمياه الآسنة. لم تردعنا هذه الزيارة (أنا وسمير) من تكرار التجربة ثانيةً. اعتبرنا أننا ضللنا طريقنا في المرة الأولى وأنه لا بدّ أن نتعلم من خطئنا في المرّة الثانية. سنذهب الى ميدان التحرير ومنه إلى شارع طلعت حرب هناك سنسأل كيف يُمكننا الوصول مشيًا إلى متحف السُحيمي في شارع المعز. إنها مسافة قصيرة نسبيّا لا تتعدى كليومترين إثنين. لم تكن التجربة الثانية أفضل من الأولى، بل ربما أسوأ. لذا، ظلّت الحاجة إلى ”غوغل ماب“ مُلحّة ربما للشعور بأن الأقمار الإصطناعيّة ترعانا! لم يكن هناك زحمة. الشوارع شبه فارغة لأن اليوم جمعة ولن يخرج المصريون إلى ممارسة حياتهم اليوميّة قبل الصلاة . بدأنا المشي ووجدنا نفسيْنا ندخل أحياء شعبية وطرقًا لم نطأها من قبل لا بواسطة السيارة ولا مشيًا ولا بأي نوع من وسائل التنقل. أصبحنا في منطقة يكثر فيها أصحاب اللحى وترتفع فيها أصوات مآذن الجوامع. رعب حقيقي انتابني لحظة اجتياز هذه المنطقة. ماذا لو اوقفونا؟ ماذا لو اعتدوا علينا؟ ماذا لو شتمونا؟ ماذا لو انفجرت عبوة ما؟ عشرات الأسئلة المشابهة اخترقت رأسي في عشر الثانية وجعلتني ألهث وأتصبب عرقًا باردًا. حين أخبرت صديقي المصري عن هذه المغامرة قال لي بعدما أبدى كلّ علامات الاستغراب والاستهجان لوصولنا إلى هناك إن ”هواجسي كانت  في مكانها لو زرت هذا المكان قبل أربعة اعوام. أما اليوم فجلّ ما قد يفعله الملتحون هو النظر شذرا“. صادفنا القليل من الرجال في بادئ الأمر ثم بدأ العدد يزداد تدريجيًا وكان السواد الاعظم منهم من أصحاب اللحى. ظهر عدد قليل من النساء ولكن جميعهنّ محجبّات ثم ارتفع العدد وبقين جميعهن محجبات. كنت السافرة الوحيدة التي تسير في الشارع ما ضاعف خوفي وتوتري. نخرج من  أحياء شعبية لندخل في أحياء أكثر شعبيّة. كنّا كمن يدور في متاهة لا نعرف كيف ننفذ منها. ترفع رأسك قليلًا ”عسى ولعلّ“ تجد من أو ما يرشدك إلى الطريق، فلا تجد سوى أبنية مهترئة، ألوانها باهتة لا تميّز حدودها لشدة التصاقها ببعضها البعض.أبنية خُلعت أبوابها ونوافذها واستعيض عنها بصفائح من الحديد أو ألواح من الخشب أو قطع من القماش. أبنية تشعر أنها ستهوى فوق رأسك لشدّة قدمها  وارتفاع عدد الناس الذين حشروا بداخلها. تشير”غوغل ماب“ إلى ان كليومترا واحدًا يفصلنا عن متحف السُحيمي. كيف يُعقل أن يكون ثمّة متحف في هذه المنطقة التي تراءى لنا أنها الاكثر شعبية وفقرا في القاهرة. لا بدّ أن ثمة خطأ ما، ولكن لا خيار أمامنا سوى اللحاق بإرشادات ”الغوغل ماب“. وكنا كلما توغلنا في هذه الأحياء كلما ازداد الوضع سوءًا إلى أن بلغنا مكانًا قرأنا فيه لافتة ”باب الشعرية“. هنا أصبت بالجمود. باب الشعرية. انا أقف هنا في باب الشعرية. اي سائح يقصد هذه المنطقة! في زيارتي الأولى للقاهرة في العام 1994، طلبت من سائق التاكسي أن يأخذني في جولة إلى الزمالك والمهندسين وغاردن سيتي ، حين سالني عن الغاية من هذه الجولة أجبته:”أريد أن أرى الأمكنة التي رافقتني في طفولتي حين كنت أدمن قراءة المغامرين الخمسة“. ابتسم وقال: ”هذا اغرب طلب سمعته في حياتي“. في رحلتي التالية التي جاءت  بعد أعوام طويلة، بحثت عن عمارة يعقوبيان إثر قراءتي لرواية ”عمارة يعقوبيان“ لعلاء الأسواني. وقفت أمامها وتأملتها ، ولم أجرؤ على الدخول إليها لأن الظلام كان قد حلّ، ولم تكن القاهرة تعيش أفضل أيام الامان . وسمعت أحد الرجال الذين سألتهم عن العنوان، يقول بعدما رآني أقف أمام المبنى وأتأمله من الخارج ”ناس مخّها فاضي“. في باب الشعرية ووقفت وتلفتت حولي. توقعت أن أصادف الفتوة فريد شوقي أو الخارج عن القانون توفيق الذقن أو الفتوة الآخر محمود المليجي أو رجل المباحث عمر الحريري أو العالمة ناديا الجندي. ولم أصح من الحلم إلّا على صوت سمير ينادني لأسرع الخطى. وكأني سمعته يقول لي ” اطلعي من الكادر“. ولكن القاهرة هي إطار لذاكرة مُصوّرة في اللغز والرواية والفيلم لا يمكن الخروج منها. تلك كانت القاهرة التي لطالما بحثت عنها في رحلاتي.  القاهرة من الأسفل…يتبع

 

النراجيل الغائب الأكبر في معرض الكتاب

 

IMG_1223

أما وقد أنهى معرض الكتاب الدولي في بيروت دورته الـ 62، فإنّ ثمّة تساؤلات تتعلّق في ماهيّة هذا المعرض ووظيفته ودوره والحاجة  الفعليّة له في الشكل الذي آل إليه

ليس مؤكدًا أن ما شهده مركز أرينا في الواجهة البحرية على مدى أثني عشر يومًا ( من 6 كانون الأول وحتى 17 منه) هو معرض للكتاب في المعنى التقليدي للكلمة.  تغيّر شكل المعرض ووظيفته عامًا بعد عام إلى أن أصبح شيئًا هجينًا لا هوية محدّدة له. تخلّى تدريجيًّا عن دوره، فكاد أن يكون مكانًا عامًا للقاءات عابرة ومتفرقة على خلفية كتب مرصوصة على رفوف تنتظر روّاد القراءة والمطالعة. ولولا حفلات التوقيع التي دخلت في خانة اللياقات الاجتماعيّة لزائري المعرض، وشكّلت مصدر دخلٍ لدور النشر لم يخفّض في كل الأحوال من ”نقهم“ المستمر لتراجع مبيعات الكتب، لاستحق معرض الكتاب صفة الحديقة العامة المُغلقة، أو الكافيتريا بأسعار غير مُخفّضة

لم يعد المعرض حيزًا يُتيح لك التنقّل بين دور النشر المُشاركة فيه لتطّلع على أحدث الإصدارات وأقدمها لأن الممرات الفاصلة بينها تزدحم بأشخاص لا يفعلون شيئًا سوى التواصل الاجتماعي المباشر والتقاط الصور لعرضها على مواقع التواصل الافتراضي. كما لا يُمكنك أن تفلفش صفحات  كتاب ما لفت نظرك فتسأل صاحب الدار عنه لأنه قد يكون مشغولًا بأمر خاص أو منصرف إلى التلهي بهاتفه  أو قد يقول:”لا رغبة لي في الكلام الآن، لأني تحدّثت كثيرًا خلال النهار

تعود الشكوى من تدهور وضع معرض الكتاب إلى أعوام طويلة، وبدلًا من أن يتحسن الوضع في السنة التي تلي عملًا بمبدأ الاستفادة من الملاحظات أو الانتقادات فهو يزداد سوءًا.  والحجة جاهزة دائمًا ومرفقة بأي كلام قد يُساق بحق المعرض: لا أحد يقرأ. وأصبح الحديث عن تصدر كتب الطبخ والأبراج المراتب الأولى في المبيعات ملاحظة باهتة وقديمة لكثرة الملاحظات التي تراكمت على مرّ الأعوام. توحي لك بعض الأجنحة أنك دخلت جامعًا أو حوذة دينية ولا تتذكر أنك في معرض للكتب إلّا حين تقرأ ”حبًّا بالمصطفى حسم 70% على جميع الكتب“. الحسم هو الذي يعيدك الى أجواء المعرض وليست عبارة ”حب المصطفى“. الحديث عن الكتب الدينية في المعرض قد يستفز البعض انطلاقًا من أن الكتب الدينية هي كتب ولها جمهورها ولدور النشرالحق في عرضها في المعرض حتى لو احتلت مساحات واسعة منه عامًا بعد عام. واذا صحّ هذا المنطق فإن الاعتراض على كتب الطبخ والأبراج يصبح باطلًا

واذا اسقطنا هاتين النقطتين من قائمة الملاحظات، فلا يعني هذا أن المعرض أصبح في أحسن أحواله وأن الزحمة فيه دليل على أن وضع الكتاب بألف خير، ذلك أن كل ممرات المعرض تؤدي في نهاية المطاف إلى الكافيتيريا حيث يقف الروّاد في صف طويل تحت غيوم من دخان السجائر بانتظار الحصول على كرسي للجلوس

واذا كان وجود الكتب الدينيّة كما كتب الطبخ والأبراج مبررًا في المعرض فما هو مبرّر وجود

  جناح للأشغال اليدوية

  توقيع ألبومات غنائية

  لعب للأطفال

 فرق موسيقية وطبل وزمر

   موشحات دينيّة وصوفيّة وروائح بخور؟

ولكن

ماذا لو حلّت الكتب التي تناقش الفكر الديني بدلًا من كتب التعاليم الدينيّة؟

ماذا لو منع ادخال كتب الطبخ والنفخ والأبراج وتعلم اليوغا في خمسة أيام الى المعرض لأنها خارج الموضوع؟

ماذا لو وُضعت الكافيتيريا خارج حرم المعرض واستغلت هذه المساحات لنشاطات فكريّة وثقافيّة متنوّعة؟

ماذا لو استحدث مركز استعلامات يُرشد رواد المعرض إلى دور النشر ويساعدهم في الاستفسار عن بعض العناوين ربما؟

ماذا لو تطورت وظيفة المعرض ليصبح مركزًا لاستقدام دور نشر أجنبيّة وتوقيع عقود ترجمة الأعمال العربيّة كما  يحصل في  معارض  أخرى في العالم ومنها معرض الشارقة على سبيل المثال لا الحصر؟ عندها يجوز القول أن بيروت ما تزال مركزًا ثقافيًا  وحاضنًا للكتاب والكتّاب لا أن نفرح ونفتخر بدور لبنان الثقافي رغم كل الويلات المُحيطة به لمجرد أن روائية حشدت صفًا طويلًا للحصول على توقيعها أو أخذ صورة سلفي معها

لم يكن ينقص معرض بيروت في دورته الـ 62 سوى إدخال النراجيل وإجراء سحوبات التومبولا حتى يكتمل مشهد الحديقة العامة! وكل عام وأنتم بخير