نما هذا الوحش في داخلي حتّى التهمني

لوحة ل مارينان كسرواني



أرغب في البكاء، بكاء شديد لا أصحو منه. بكاء يجعلني أطفو على سطح دموعي التي لولا جفافها لجرفني  تيارها حتّى التلاشي. أشعر بملوحة دموعي لا بمائها. أرغب… ولكن  رغباتي لا تتحقّق … حتى الدموع منها.

لن تعيد  دموعي بناء ما تهدّم. لن تنقذ ذاكرة أحياء وأزقّة وحوانيت استحالت ركامًا. لن توضّب البيوت في فوضاها الدافئة، لن تعيد الغبار إلى رفوف مكتبات بناها أصحابها كتابًا كتابا. لن تحيّد الصالونات عن آلة التدمير بانتظار ضيوفٍ رُتّبت لإجل استقبالهم. لن تبثّ دموعي الحياة في غرف الجلوس حيث صخب الأمسيات وهمس الصباحات وضجيج الأطفال والاحفاد في كل الأوقات.

لن تُطعم دموعي أطفال غزّة الجياع، لن ترمّم أعضاءهم المبتورة، لن تقيهم البرد القارس، لن تهزم الصقيع الذي ينهش الأبدان الطرية ويقتات بها. لن تعيد دموعي العائلات إلى سجلّات النفوس. لن تخرجهم من الأكياس البيضاء التي جُمعوا  في داخلها أشلاء، لن تمنحهم موتًا بشريّا ودفنًا انسانيّا وقبرًا وشاهدًا وجنازةً وعزاء.

لن تجعل دموعي من الحرب على لبنان مجرّد خيالٍ علميّ قذر. لن تعيد  عقارب الساعة إلى الوراء، لن تجعل الواقع مجرّد احتمالٍ لسؤالٍ افتراضيّ :  ” ماذا لو اندلعت الحرب على لبنان ؟” 

لن يتوّحد اللبنانيون رأفةً بدموعي. ولو فعلوا ذلك لانهمرت فرحًا من دون رجاء ، ولربّما أطلقت زغرودةً طويلة رغم كل الأسى المحيط. لن يتوحّد اللبنانيون بكيت ام لم أبكِ، ولن يرضوا حتى بالتخلّي عن لغة الشماتة والتخوين وعن اعتبار كلّ طرفٍ امتلاكه الحقيقة المطلقة. وأطراف لبنان أكثر تعدادًا من أطراف الأخطبوط، وحقائقهم المطلقة أكثر قدسيةً من الكتب السماوية.

لن تهزم دموعي نتنياهو أو تنزع عنه صفة مصّاص الدماء، لن تُخجل ادرعي فتدفعه ليلهو بلعبةٍ أخرى غير التلهي بأعصاب اللبنانيين وحياتهم. لن تجعل دموعي العالم الغربي أكثر رأفةً، ولا حكوماته أكثر صدقًا وأقلّ انفصامًا. وسيبقى العالم العربي نكتة سمجة انهمرت دموعي أم لم تنهمر.

لن تفعل دموعي شيئًا. لن تجعل من سجون النظام السوري قصّصًا مُفبركة كما فعل بعض الإعلام المحلي والغربي؛ وكأن الفظاعة التي شهدها سجن صيدنايا تحتاج الى تأليف سيناريوهات تافهة لتأكيد المؤكد.  لو استجابت دموعي لرغباتي لحرّرتني من ثقل عجزي وقهري وقلّة حيلتي. كأنني في البكاء أقول أنني فعلت ما يمكن فعله، وهو اللافعل.  البكاء فعل أناني يحرّر جهازي العصبي، لا أكثر. لو طاوعتني دموعي لحافظت ربّما على إنسانيتي، ولكن عصيانها ربّى الوحش الصغير في داخلي ونمّاه. 


قبل  نيّفٍ وعام اعتكفت الحياة. لازمت زاويتي وتحوّلت متفرّجة على حرب العالم المتحضّر على غزة وشعبها وعلى الجنوب اللبناني وأهله( وإن بوتيرة أقلّ عنفًا في البداية). قبل نيّفٍ وعام انقطعت عن الطعام والشراب حين جاعوا وعطشوا، رفعت عنّي الغطاء حين بردوا واطفأت المكيف حين الهبتهم الشمس الحارقة والرطوبة العالية.  كنت إنسانًا يشعر ويتألّم ويكاد أن يموت من القهر. ثمّ تخلّت عني إنسانيّتي رويدًا رويدًا. صرت أُطفىء التلفاز حين أرغب في تناول الطعام. قرّرت أنّني لا أريد أن أرى وأسمع وأعرف. وكأنّ في هذا الخيار تعبير عن انسانيّة من الطراز الرفيع. ” ما بقى فيني اتحمل، أو اهترت اعصابي، أو تعبت نفسيتي”. وكأنّ هذه المشاعر هي جواز سفر إلى الحياة مجدّدًا وسط الدمار وآلة القتل الهمجيّة ، العنف الذي استعصى وصفه على  لغة الضاد . إسرائيل أصبحت صفة تعطي الواقع حقّه وأكثر.

تسلّلت تدريجيّا إلى الحياة، في الخفاء تارةً وفي العلن طورًا. ولكلّ “فعل حياتيّ” مبرّره وتبقى أبهى هذه المبررات،  “غريزة البقاء” ! شعارٌ لم  استعمله قط، بل سمعته من كثيرين أقدموا على الحياة أو برّروا إقدامي عليها. أي غريزة وأي بقاء ؟ بقائي لم يكن مهدّدا حتى حين اتّسعت الحرب الإسرائيلية على لبنان ودمّرت البشر والحجر. كان يمكن لبقائي أن ينهيه حادث سيرٍ أو التعثر ببحصةٍ على الطريق أكثر من احتمال أن تنهيه الحرب الإسرائيليّة على لبنان. فأنا أقيم في منطقةٍ لا تدخل ضمن الأهداف الإسرائيلية، وقد زادت فيها الأعلام التي تحدّد هويتها السياسية، ما دام “الدرون” شغّال ويلتقط صورا يمينًا ويسارًا.  كثيرون بالمناسبة،  تحدّثوا عن هذه الغريزة، ومنهم من يقيم  في المقلب الآخر من كوكب الأرض. لست هنا بصدد محاكمة أحد، والكلام لا يتعدى معنى غريزة البقاء لمن ليسوا تحت وطأة خطرٍ داهمٍ، وأنا منهم. لا شجاعة في إقدامي على الحياة، فالشجاعة هناك حيث يُواجه الغزّاويون آلة الموت والجوع والعطش والصقيع وحدهم. الشجاعة عند أقدام المقاومين، الشجاعة عند أهالي الجنوب والضاحية والبقاع. الشجاعة عند الأسرى في سجون نظام الأسد، عند المنسيين في سجون الدكتاتوريات العربيّة، الشجاعة عند المعتقلين في السجون الإسرائيليّة. هذه غريزة بقاء. أمّا أنا فلا شيء .

أصبحت شخصين، أنظر بطرف عيني للشخص الآخر الذي كنت عليه، الشخص الذي يستجدي الدمع ليعبّر عن وجعه. أشيح بنظري عنه، أستعجل الحياة، أتجمّل إستعدادًا لاستقبال السنة الجديدة، أنظر في المرآة ، فأراني وحشًا…

إشاعة

الصورة ل : عفيف دياب

أفترض أنّها إشاعة، خبر كاذب، إدّعاء. العالم الإفتراضيّ مليء بالأخبار الملفّقة والصور المركّبة. أفترض أن خبر رحيلك عارٍ من الصحّة. انتظرت، ولم أزَلْ، خروجك لنفي الخبر. أو قد تكونين ممّن يفضّلون تجاهل الأكاذيب، وإهمالها لتسقط من تلقاء نفسها؟  لا تفسير منطقيًّا آخر لإلتزامك الصمت. الناجحون والناجحات،  في حياتهم (ن) المهنية، غالبًا ما تلاحقهم (ن) الإشاعات والأقاويل وصولًا لادّعاء موتهم (ن)؛ وقاحة!


أفترض أنك لا تزالين هنا ، بيننا، ولكنّك منصرفة لشؤونك الخاصة التي لن تتلهّي عنها بثرثرات فحواها رحيلك المبكر والمفاجىء. أفترض أنّ صورك التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعيّ لا علاقة لها بالرحيل، فمعظمها في الميدان أمام الكاميرا، تحملين الميكرفون وتخبريننا قصصًا وأحداثًا وتنقلين هموم الآخرين وآلامهم وأوجاعهم. أفترض أنّ مهمّتك لم تنته بعد، ولا أظنّك ممّن يُدرْن ظهورهن لما آمنّ به وعملْن لأجله، قبل إنهائه.


أفترض أنّها إشاعة لا ينفيها وجود نعش حسب ما أظنّ، بل إنني على يقين من أنّك ملأته رسائل حبّ، ورجاء بأن تجد القضايا المحقّة التي ناضلتِ من أجلها، طريقها إلى العدالة. أودعتِها النعش، على أمل أن تصل عبر التراب، الذي يُقال إنّنا منه، وإليه نعود، لكونه طريقًا أسرع إلى السماء، فيسمعها من يفترض به أن يسمع، فيفعل، بعدما بدّد الحقد وضجيج الأرض وصخبها كلّ الأصوات المُتضرّعة، المُستغيثة والمُطالبة بعدالة السماء ومن فيها.


لم نلتقِ يا بشرى منذ أعوام طويلة، وإن تقاطعت طرقنا في مراحل كثيرة، وجمعتنا مهنة واحدة اعتزلتها منذ فترة، لأنني في الأرجح فقدت جرأة الرهان على إصطلاح أحوال هذا الكوكب اللعين. لو كنت أعلم أنّك توضّبين القضايا المحقّة في نعشك الذاهب إلى الله، لطلبت منك أن تضيفي سؤالًا واحدًا يحيّرني : ما هو سرّ صمت السماء أمام هول الوحشية التي ترتكب في غزة؟ أظنّ أنّ كلمة 《وحشيّة》 لا تعطي الواقع حقّه، ولكن من يرَ يعرفْ، وله أن يختار الأوصاف المناسبة. وتبقى الإجابة هي الأهم.

أعلم يا بشرى أين ذهبتِ بعدما رتّبتِ الرسائل والأمنيات داخل النعش. أراكِ هناك، في ملعب مدرسة راهبات المحبة في كليمنصو، تلك المدرسة التي التقينا فيها للمرّة الأولى في أول سنين مراهقتنا. أراكِ تقفين في الملعب، بشعرك الأسود، والشال الذي يحيط بعنقك، بتنورتك القصيرة، وسيجارتك التي كنت تدخنينها خلسة. أرى ابتسامتك الطفولية وعينيك السوداوين تشعّان شقاوة.

وعمر الشقي بقي يا بشرى.

لطالما وعدت نفسي، كلّما مررت في محاذاة المدرسة، أن أدخل إلى حرمها، رغم أن قدميّ لم تطآها منذ أن غادرتها منذ حوالي  أربعين عامًا. أختلس النظر إلى ملعبها كلّما مررت من أمام المبنى، وأعِد نفسي أن أركن السيارة وأدخل إلى رحابها في المرة القادمة.

أظن أنّ موعد الزيارة قد حان، لأنني على يقين من أنني سأجدك هناك، في عالمنا البريء. تبتسمين وتنفثين دخان سيجارتك نحو السماء.

قلبي على مسافة صفر من غزّة

يحتفل العالم بعد أيّامٍ قليلة بميلاد السيد المسيح. بدأت الاحتفالات منذ مطلع هذا الشهر أصلًا. فهذه المناسبة، مثلها مثل عيديّ الفطر والأضحى المباركَين وعيد الفصح المجيد وعيد الحبّ وبدء فصل الربيع… لا يُعطّلها سوى سقوط الكوكب فعليًّا في العدم. وليس المقصود في التعطيل (في ما خصّ المناسبات الدينية تحديدًا) الجانب الإيماني كالصلاة في الكنيسة مثلًا وإضاءة الشموع لأرواح الذين سقطوا تحت المطحنة الإسرائيليّة، بل المقصود الجانب الاجتماعي الاستهلاكي المنفِّر الذي يسلب عقول الكبار قبل الصغار.

تستمرّ هذه الاحتفاليّة المُستفزّة وسط الدمار الهائل والإبادة المُمنهجة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع العالم على مدار الساعة، منذ ٧ تشرين الأول وحتى لحظة كتابة هذه السطور وبعد، من دون أن تحيد عن مسارها التصاعدي كلّما اقترب موعد المناسبتين المنتظرتين، أي ليلتي الميلاد ورأس السنة. لاشيء يعطّلها إذن : لا مزيدٌ من القتل، ولا مزيدٌ من المجازر، ولا مزيدٌ من العنف، ولا مزيدٌ من كلّ هذا الجنون والساديّة اللذين يحكمان العالم.

سقط الكوكب نظريًّا مع ازدياد نسبة الوحشيّة واضمحلال الإنسانية إلى حدّ انعدامها، حيث أصبحت صور الموت العنيف والمُمنهج من يوميّات شعوب هذا الكوكب الذي عطّلته جائحة كورونا ولم تعطلّه أنهار الدم وأكوام الأشلاء وأطنان الدمار وطوابير الجياع واليتامى. ينكفىء العالم حين يتعّرض أبناؤه لخطرٍ داهمٍ ومباشر يمسّ حيواتهم. الخوف من الموت يشلّ قدراتهم على الحياة التي يقنّنونها حينئذٍ بانتظار زوال الخطر، ليستثمروها أضعاف ما كانت لتكون عليه. أمّا موت الآخرين في مجازر جماعية وإبادة غير مسبوقة في التاريخ الحديث فلا يشكّل سببًا كافيًا للاعتكاف عن الحياة. تشبه العلاقة مع هذا الموت بقعة الزيت في الماء، حيث ينحصر تأثير الزيت على المنطقة المحدّدة التي يتمدّد فيها، في حين أنّ كل ما هو خارجها يبقى ماءً نظيفًا ورقيقًا.

الكوكب خارج بقعة فلسطين هو الماء “النظيف”. والنظافة في معناها المجازي تعادل الحياة بكل تفاصيلها التي تندرج في إطارها الاحتفالات بعيدي الميلاد ورأس السنة. لا شيء يعطّل الاحتفال… لا شيء. فكأنّ العالم تبنّى قول امرئ القيس “اليوم خمر وغدًا أمر”. اليوم نحتفل، وغدا نبكي فلسطين، اليوم نزّين وغدا نشيّع أطفال غزّة، اليوم نشتري الهدايا وغدًا نتعاطف مع أولئك الذين يرتجفون بردًا، اليوم نأكل حتّى التخمة وغدًا نشتم ونلعن كلّ من يمنع وصول المساعدات والأدوية والغذاء إلى من يموتون جوعًا بالمعنى الحرفي للكلمة. وبين اليوم والغد تسقط الإنسانية في أعمق حفرة.

ليس الهدف من هذه السطور تأديب العالم، لأنّ كاتبتها لا تملك السلطة وإن كانت لا تنقصها الرغبة، ولكن السؤال يفرض نفسه عن سرّ هذا الانفصام الذي تعيشه شعوبه من الأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين إلى الأقلّ تأثّرًا أو اهتمامًا بما يجري، ليس في غزّة فحسب بل في كل فلسطين، وتحتاج الفئة الثانية (بين مزدوجين) للخضوع إلى فحص سريريّ فوريّ، إذ لا بدّ أن تكون قد ولدت من دون قلب. ماذا لو قرّر العالم بيهوده ومسحيّيه ومسلميه، بكفّاره وملحديه، أن يعلّق مظاهر الاحتفال والاستهلاك بالمناسبات التي تعنيه اعتراضًا، تضامنًا، استنكارًا (فليختر كلّ واحد السبب الذي يناسبه) لما يجري في فلسطين، علمًا أنّ المشكلة تطال أيضًا مفهوم الإنسانية الذي أصيب في الصميم، وضررها سينعكس على البشريّة جمعاء. وهذا سببٌ كافٍ لتعليق الحياة، لأنّ من يظنّ أنّه بمنأىً عن هذا الشر الذي يحكم العالم، فهو واهمٌ ومثيرٌ للشفقة.
ماذا لو أسقطنا مناسبة واحدة من قائمة الاحتفالات والمناسبات التي تزخر بها روزنامتنا السنوية؟ ألَم تكن، في المناسبة، تلك دعوة مطران القدس حنا عطالله الذي طلب الامتناع عن الاحتفالات واقتصار الأمر على الصلاة والقداديس وإضاءة الشموع لأنّ أرض الميلاد محرومة من العيد؟
ماذا لو أعلنّا الحداد، الحداد الفعلي وليس الحداد الدعائي (تفقيس الماكينات أو خرّيج مواقع التواصل الاجتماعي) تمامًا كما نفعل حين نفقد عزيزًا أو قريبًا. الحداد الذي يعكس حزننا الداخلي ووجعنا؟ ولكن يبدو واضحًا أنّ من فقدناهم ونفقدهم، ضحايا الإنسانية العالمية بأدوات إسرائيلية متوحشة، ليسوا أعزّاءنا ولا أحبّاءنا، ووجعهم لم يصبنا في الصميم بعد، وإلّا، فمن أين لنا القدرة على الاحتفال؟

نعلّق أحزاننا لنحتفل بالمناسبات ثمّ نَعِدُ أنفسنا ومن نتعاطف معهم بأن نعود إليهم حين ننتهي من الاحتفال، بينما المفروض هو العكس تمامًا، المفروض أن نعلّق حياتنا إلى حين ينتهي إعدام حياة الآخرين. هو ليس مفروضًا بالمعنى القمعي للكلمة، بل يصبح أمرًا تلقائيًّا وبديهيًّا حين نصبح عاطفيًّا على مسافة صفر من فلسطين وغزة.

الهدنة المؤقتة: نعود لنقتلكم بعد قليل



أخشى كلّ ما هو مؤقت، لأنّ الانتظار الذي يرافق هذا المؤقت أيًا كانت طبيعته يجثم على صدر المنتظرين، يشعرهم بضيق الوقت وثقله. فكيف إذا ارتبط بهدنة عسكرية، وكيف إذا كان أحد أطرافها هو القوات الإسرائيلية؟ عندها تصبح الهدنة المؤقتة حربًا من دون ذخائر؛ لأنّ الهدنة المؤقتة في الممارسة الإسرائيلية معناها واضح على الأرض: لا مساعدات، لا وقود، لا أمصال، لا أدوية… لا شيء. ومن يتوقّع أن تشمل الهدنة المؤقتة تأمين مستلزمات الحد الأدنى من مقومات الحياة، واهم. لأن إسرائيل والحكومات الداعمة لها لا تريد للغزّاويين أن يصمدوا، بل تريديهم أن يموتوا، ألّا يعود لهم وجود حتّى في الذاكرة. لذا، لا تشييع للضحايا، لا عزاء، لا قبور ولا شواهد تحمل اسماءهم وتاريخ ميلادهم وتاريخ اغتيالهم. نعم، تاريخ اغتيالهم، لأنّ ما يجري في غزّة هو اغتيال للحياة، قبل أن يكون استشهادا أو صمود. للحروب شروطها وقوانينها. أمّا في غزّة، فليس هناك سوى قتل ومزيد من القتل لكلّ أشكال الحياة ومعانيها. ليس بالسلاح وحده يموت الغزاويّون. تخلّى العالم عن غزّة قبل ٧ أكتوبر بكثير كما تخلّى عن فلسطين قبل العام ١٩٤٨. التخلّي هو العنوان الذي يفسّر الحال الذي آلت إليه الأمور اليوم، وتؤول إليه كلّ يوم منذ ٧٥ عاما.

يرعبني كلّ ما هو مؤقت، فكيف اذا وقع بين موتين. كأنهم يضعون الموت على الرف بشكل واضحٍ ومكشوف حتى يراه من ينتظر دوره في صف الموت الطويل. سنرتاح قليلا ، نستجمع قوانا، نلتقط انفاسنا ونعود لنمعن في المزيد من قتلكم وتهجيركم وتشريدكم. سنعود لنفعل كلّ ما بوسعنا فعله لنبيدكم. هذه هي الهدنة المؤقتة في العرف الاسرائيلي. إنّها انتقال بين موتين. هكذا وصفها اهل غزّة على لسان معتز عزايزة الذي قال: ” وكأن الهدنة جسرٌ تسير فيه نحو ضفة الموت الأخرى”.

يقول الإسرائيليون في الهدنة المؤقتة في حربهم على غزّة(وليس في غزّة)، يقولون : فلتحلموا اننا اوقفنا قتلكم ، حتى يأتيكم الموت أقسى وأشدّ وطأة. تذوقوا معنى الحياة من دون خوف من اغتيال مفاجئ. وأيّ طعم من دون أدنى مقومات العيش. أي معنى للحياة من دون طعام او مأوى او دواء. اي طعم للحياة من دون أولاد تحولوا اشلاء، من دون اهل وأقارب دفنوا تحت أطنان من الأبنية المدمرة. ولكنّها كانت أيام قليلة وساعات معدودة من دون خوف ورعب. هذا ما حصلوا عليه في الهدنة المؤقتة، فقط لا غير.

أخشى الموت الذي يأتي بعد الهدنة المؤقتة. الموت الذي سبقه أمل. الموت الذي افترض ضحاياه أنهم نجوا. الموت المسبوق بجرعة أمل هو أقسى أنواع الموت. أفكر في أولئك الذين ماتوا في الصاروخ الأول بعد انتهاء المؤقت. هل ادركوا أن صلاحية “فسحة الأمل” انتهت مدّتها، أم فاجأهم الموت نيامًا، جياعًا، يرتجفون بردًا؟ ليس صحيحًا أن الموت واحد في غزّة حيث تجري المفاضلة بين أنواع الموت وليس أنواع الحياة. فمن مات في أول أيام الحرب على غزّة محظوظٌ مقارنة بمن مات في منتصفها، جائعا وخائفا وشاهدًا على الحقد الاسرائيلي وتخلّي العالم الفاعل عنه وعن قضيته. ومن مات قبل الهدنة المؤقتة أفضل حال من مات بعد انتهائها. ومن سيموت في الأيام القادمة تحت عنوان امتداد دورة العنف لتحسين شروط التفاوض هو الأقل حظًا على الإطلاق. يفاوضون على روحه وحياته وأحلامه. يدرجون بند التفاوض في قائمة تزدحم فيها المواعيد العائلية والواجبات الاجتماعية والرياضة الموسمية والأهم مؤتمر المناخ. ولا ندري فعلا إذا ناقش المهتمون بالمناخ الضرر البيئي الذي أحدثه الاسرائيليون في حربهم على غزّة حيث قدر حجم القصف الذي استهدف الغزاويين بما يعادل قنبلة نووية، أم أنهم تجنبوا البحث في هذا الموضوع حتى لا يتهموا بمعاداة السامية.


نجلس في بيوتنا الدافئة، نتابع الحرب مباشرة على شاشات التلفزة المتطورة. نشكو الأرق والقلق والكوابيس. نحتسي الكحول لننسى، ندخّن لننسى أيضا وأيضا. نناقش، نُقاطع من يخالفنا الرأي، ننزوي في بيتنا، ثمّ نتسلّل مجدّدًا إلى الحياة بخفر، نبرّر انخراطنا فيها بعجزنا عن تقديم يد المساعدة. بماذا يُفيد اعتكافنا عن الحياة من خسروا حياتهم. غريزة البقاء نسمّيها. ثمّ نوسّع دائرة انخراطنا، نستعد للاحتفال بعيدي الميلاد ورأس السنة. نزيّن الشوارع والبيوت. وننتظر قدوم المخلص الذي لو قرر أن يأتي هذه السنة، فلا بدّ أن يحلّ في مسقط رأسه حيث يحتاجونه أكثر ممّا يحتاجه العالم مجتمعًا.
نمدّد هدنتنا الداخلية، نخترع الحجج حتى لا نعترف باستسلامنا. ارهقتنا مشاهدة الموت، نغمض أعيننا، نطفىء الشاشة، نسكت المذياع، ظنّا منّا انّنا بذلك ننقذ أنفسنا. ولكن أن لا نعرف ماذا يحصل لا يعني أنه لم يعد يحصل. وما يحصل أفظع من أن تحتمله البشرية مجتمعة. يتحملّه الغزاويون وحدهم بعد أن تخلت عنهم الأرض ومن عليها والسماء ومن فيها بشكل دائم وليس مؤقت.






حين يتأسرل حكّام العالم

حين يضمحلُّ الكلام، يتحوّل الصمت إلى صخرة تجثو على صدرك.


حين يجفّ نبع الدموع، تتحوّل عيناك إلى كتلتيّ جمر.

حين تتحوّل الوحشيّة زاد العالم المتحضّر ووجباته اليوميّة، تصبح مشاهدًا يقتله عجزه فيحتضر أمام الشاشة.

حين تكون مُتفرّجًا وانت صاحب قرار في فتح معبرٍ أو في الحؤول دون إبادة جماعية على مرأى ومسمع العالم أجمع، تصبح سفاحًا بقرار و قاتلًا متسلسلًا بدمٍ بارد.

حين ترى الأطفال يتساقطون كالعصافير وبإمكانك إيقاف المجزرة، المجازر، وجمع المجازر، ولكنّك تحجم عن ذلك، فأنت من فصيلة مصاصي الدماء التي لا ترتوي؛ وقد يرفض مصاصو الدماء في الأرجح أن تُحسب عليهم لأنّ شراهتك تُخيفهم.

حين يمسح نتنايهو وبايدن وملحقاتهما من رؤساء الدول التابعة من فرنسا إلى ألمانيا وبريطانيا أقفيتهم بالمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان، تكتشف متأخرًا سذاجتك وهبلك.

حين تُقصي “أم الديموقراطيّات” وحاملة “مشعل الحريّات” الأصوات المعارضة في الكونغرس، تمتلىء مجاري الصرف الصحّي بأطنانٍ من النظريّات التي استهلكت مئات آلاف الأوراق والمحابر لتدوينها، فيصبح الأمر جريمة بيئيّة بامتياز.

حين تمنع دولة “العدالة والأخوة والمساواة” حقّ التظاهر، وتهدّد المواطنين المشاركين بالسجن والمقيمين بالطرد، لأنّ عدالتها لا تتّسع لحقوق الفلسطينيين، وأخوّتها لا تشمل أطفال غزّة ونساءها ورجالها، ومساواتها لا تتعدّى حدود المقيمين على أرضها (اذا افترضنا أن ثمّة مساواة فعليّة تطبّقها بين مواطنيها)، يصبح الشعار عورة لا تغطّيها ورقة التين.

حين تكتشف مُتأخّرًا أنّ الغرب كذبة، والحضارة نفاق، والحقوق عهر، والقوانين عربدة، ترغب في أن تعتذر من الديكتاتوريات التي انتقدتها وحاربتها واستنفرت كلّ طاقاتك الفكريّة والعقائديّة وسخّرت قلمك لتدعوها إلى التحضّر.

حين تُدين بكلامٍ منمّق وتعلك أسفك المجانيّ، حين تفعل ذلك وأنت في كامل اناقتك وتأنقك، حين تهدّد وتتوعّد ورائحة عطرك تفوح من شاشات التلفزة، فأنت انتهازي وخبيث ومجرم وحقير.

حين يُثبت العرب للمرّة الألف بعد المليون أنّهم متخاذلون وأنّ ما يُفرّقهم أكثر بكثير ممّا يجمعهم، تُدرك أنّ العروبة أصبحت شتيمة وليست هويّة إلّا في خيالك، فتلعن انتماءك إلى هذه الجغرافيا وهذا التاريخ، وتلعن وجودك أصلًا على سطح الكوكب. أما حين يتداعون إلى قمّة عربية بعد مرور ٣٥ يومًا على بدء الحرب الكونيّة على أطفال غزّة وبعد الانتهاء من مهرجان السعوديّة، تكتشف أنّ حتّى البصاق عليهم هدرٌ لا يستحقّونه.

حين يقصف مشفًى ويصمّ العالم آذانه عن أصوات الإغاثة، حينها تدرك أن العالم انتهى إلى غير رجعة ، وأن الإنسانية والحيونة (وفيها من الخصال الحسنة ما لا يتمتع بها حكام هذا العالم ) ليست من صفات سكان هذا الكوكب الذي يحتله مجرمون تحوّلوا إلى وحوش ضارية ترتوي من الدماء والأشلاء والمزيد منها لا يسكت جوعها.
.. حينها وحينها فقط، تدرك أن لحكّام العالم صفة واحدة جامعة لكلّ ما تقدّم: الأسرلة.

حين تنحني اللغة أمام معليششش

تفوّق العنف والقتل على لغة الإعجاز ، فسقطت كلّ المفردات أمام هول ما يحصل وفظاعته : إسرائيل هي المُفردة المُرادفة للعنف.
تفوّق حجم التخاذل على لغة القرآن، فلا كلام يعبّر أو يقول أو يصف معنى أن يتعرّض شعبٌ كاملٌ لتطهيرٍ عرقيّ على مرأى ومسمع من يتشارك وأياهم اللّغة والتاريخ والجغرافيا والحضارة: العرب هم المرادف المناسب للخزّي.
تفوّقت الغطرسة على لغة الضاد، فوجدت ضالتها في مُدّعاة الديموقراطية وحرّية الإنسان : الولايات المتحدة الأميركية مرادفًا يُصيب دقّة المعنى.
تفوّق التواطؤ والتبعيّة على كلّ الصيغ اللغوية، فاختزلتها دول الاتحاد الأوروبي في جريِها خلف الولايات المتحدة الأميركية. لا وصف يُعطي المشهد حقّه. الدول الأوروبية تعطيه وتشبعه معانٍ. ولا ينتقص استبدال الدول الأوروبية بتلك العربية من مضمون المعنى بل يعزّزه ويعمّقه.
تفوّق الظلم اللاحق بالفلسطينيين على معناه وأشكاله وأنواعه. ولن يجد في أكثر من أثني عشر مليون (١٢،٣٠٢،٩١٢ على وجه التحديد) كلمة من دون تكرار تزخر بها اللغة العربية، ما تجسّده لغويّا: القضية الفلسطينيّة هي مفهوم الظلم عينه. إنّه أبلغ تعبير … وانتهى.
تفوّقت همجيّة القتل على اللغة بل على كل لغات العالم التي يتجاوز عددها الستة آلاف لغة. لا وصف، لا مرادف، لا تشبيه، لا جناس، لا طباق لا شعر، لا نثر، لا آيات القرآن ولا أسفار الكتاب المقدّس وإصححاته تستطيع أن تُعطي الصورة حقّها. الهمجيّة تعني أن تتعرّف الطفلة على أمّها من شعرها.
تفوّق الجُبن على اللغة، فعجزت عن إيجاد الصفة التي تفضح حقيقة “الجيش الذي لا يقهر”، كيف تصف قهر من يفترض أنّه لا يُقهر؟ المرادف: “عم ينتقموا منا بأولادنا ….”
تفوّق صبر الغزّاويين على صبر سكان العالم مُجتمعين، حتّى أيوب نفسه رفع لهم القبعة وسلّمهم مفتاح الصبر الذي لن يجد مرادفًا لغويّا يعرّفه ليس في اللغة العربيّة فحسب، بل في كلّ لغات العالم ، غزّة هي الصبر.
تفوّقت إرادة الحياة على معناها، فلم تعد شعارًا مستهلكًا مثيرًا للشفقة، بل استحالت حقيقة معاشة. الفلسطينيون هم مرادف يصيب قلب هذه الإرادة. لم يطلبوا الموت، فواجهوه بإرادة الحياة لمن يأتي من بعدهم. اقتضى التوضيح والتأكيد.
تفوّقت الصلابة على معاجم اللغة قاطبة، على الملاحم البطوليّة، على قصص الشجعان ليصبح لها مرادف واحد متفرد في نوعه: معلييييش وائل الدحدوح.

احنا بفلسطين امنكبرش

الصورة لـ مايا فدّاوي

الرسم ل مايا فدّاوي

أفترض أنّ ثمّة مكانٍ أو فضاءٍ أفضل يُصنع في طبقة من طبقات السماء. أفترض وحسب لأبرّر من يرحل بـ”أمان الله ” أشلاءً أو جثثًا متفحّمة. أفترض أن هذا المكان السريّ موجود، وإلّا ما العبرة من خطف الموت أرواح من لا ذنب لهم، وإلى أين يذهب بهم؟
الجنّة حُجزت بالكامل لرجال الدين من الطوائف كافة. يتصارعون على الأرض ليحجزوا المقاعد الأماميّة في السماء وخلفهم يحتشد المؤمنون والمؤمنات الملتزمون بتعاليم الله كما وردت في الكتب السماوية “المُترجمة” أو بالأحرى المُحرّفة على يدّ الصفّ الأوّل. أمّا النار أو جهنّم فتكتظّ بقتلة الأطفال ومجرمي الحرب وتجّار الهيكل

أفترض أن العمل جارٍ في السماء على صناعة هذا الأفضل من أجل الأبرياء ولا سيّما الأطفال الذين لم يرحمهم من في الأرض. يُرتّب المكان لاستقبال أطفال غزّة الذين غادر منهم إلى طبقة من طبقات السماء ٧٠٠ طفل خلال أسبوعٍ واحد. هؤلاء الأطفال الذين باتوا يُدوّنون اسماءهم على راحات أيديهم حتّى يجدهم ذووهم في حال حصدتهم آلة الموت الجهنميّة. سيدخلون باسمائهم، ما لم تخذلهم أيديهم وتغرق تحت أطنان الردم التي طحنت أجسادهم الطريّة. لا بدّ أن في هذا المكان السماوي السريّ طعامًا وشرابًا، لأنّ أطفال فلسطين ماتوا جياعًا وعطاشى. ولا بدّ أن هناك أيضًا الكثير من الماء لإزالة آثار القنابل الفسفوريّة التي شوّهت أجسامهم الطرّية. لا بدّ أنّ القيّمين على هذا المكان منهمكون في تأمين أدقّ التفاصيل ليكون هذا العالم السرّي أهلًا بالأطفال الواصلين إليه. لا بدّ أنّهم كذلك، لأنّ لا شيء غير ذلك يُبرّر هذا الصمت السماوي الرهيب.
أفترض، أنّ ثمّة أمكنة محجوزة لمن وصل أو سيصل من أمّهاتهم، أشقائهم وشقيقاتهم وربّما آبائهم. لا نعرف شيئًا عن الخطّة بعد. القاعدة غير واضحة. ولكن طوبى للعائلات التي تذهب في رحلة جماعية إلى هذا المكان غير المُعلن عنه. إذ لا عدالة في تشتيت العائلات بين الأرض والسماء. لا عدالة في اختيار فردٍ وإهمال باقي أفراد عائلته هنا على الأرض حيث يتحوّلون منذ تلك اللحظة إلى أمواتٍ بعيون مفتوحة، كما أنّ لا عدالة في اختيار كلّ أفراد العائلة للقيام بهذه الرحلة واستثناء فردٍ واحدٍ، قد يكون طفلًا مثلًا ضاع بين الركام وما زال ينتظر أن يأتي ذووه للتعرّف عليه، قد يكون طبيبًا يُفاجأ أثناء تأديته واجبه الإنساني في ظروف لاإنسانيّة أن عائلته قد رحلت، قد يكون مُصوّرًا يُخاطر بحياته ليُظهر للعالم ( إن كان هذا العالم يرى أصلًا) فظاعة ما ترتكبه القوات الإسرائيليّة في غزّة، فتكون عائلته هي الصورة.

أفترض أن عالمًا أفضل يُصنع في إحدى السماوات لاستقبال كلّ الأطفال الذين قُتلوا غدرًا. أولئك الذين فاضت بهم برّادات المشافي وضاقت بهم المقابر، فارتموا على جنبات الطرق والأرصفة غارقين في دمائهم. أفترض وحسب…

أفترض لمُداواة عجزنا وقهرنا.

أفترض لأطمئّن على ذاك الطفل الجذّاب الذي اختصر ٧٥ عامًا من الاغتصاب بالقول ” احنا بفلسطين أمنكبرش”، ردّا على سؤال عمّا يطمح أن يُصبح عليه حين يكبُر. 

ولكن لو خيّر الفلسطينيون كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً بين البقاء في أرضهم أو الذهاب إلى ذاك المكان الجميل المُفترض في إحدى السماوات، لاختاروا البقاء في أرضهم . لو خيّروا لاختاروا العيش والموت مثلما يفعل السواد الأعظم من شعوب العالم، ولاختاروا بين مهدهم ولحدهم أن يحلموا وأن يسعوا إلى تحقيق أحلامهم. وليأت حساب الآخرة في أوانه، لا همّ….

اسمها فلسطين وعاصمتها القدس(2)

أنشأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أول مستوطنة في الضفة الغربيّة في العام 1967، وعُرفت بمُستوطنة “كفارعتصيون”. وسرعان ما انتشرت هذه المستوطنات التي بُني الكثير منها في السبعينيّات والثمانينيّات والتسعينيّات (وفقًا لإحصائيات منظمة السلام الآن المناهضة للاستيطان) في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة. تفصل هذه المستوطنات المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض ما يُعقّد عمليّات الاتصالات والسفر والتنمية في الأراضي الفلسطينيّة وخصوصًا أنّ هذه المستوطنات تخضع لحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي وهي عمليًّا مُغلقة أمام الفلسطينيين (بي بي سي، يوليو 2020)

download (3)

  أنشأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي كذلك، سلسلة من المستوطنات المحيطة بالقدس من جميع الجهات، ممّا أحدث تغييراً في الواقع الجغرافي والديموغرافي لهذه المنطقة لينحسر الوجود الفلسطيني على مساحة لا تتجاوز الـ 21%  من الأرض. ففي العام 1975، أُنشئت مستعمرة “معاليه أدوميم” على  أجزاء كبيرة من أراضي بلدتي العيزرية وأبو ديس الفلسطينيتين. بلغ عدد سكان هذه المستوطنة الرئيسية التي تقع على بعد7 كيلومتر شرق القدس، نحو 41 الف مستوطنٍ في العام 2018. (خليل تفكجي، مدير قسم الخرائط في مركز الدراسات  العربيّة في القدس: مجلّة الدراسات الفلسطينيّة، المجلد 8، العدد 31، صيف 1997، ص 133)

تشكّل المستوطنات الإسرائيليّة حزامين حول القدس: الأول داخل القدس الشرقية، والثاني خارج حدودها. يبلغ طول الطرق الالتفافية التي أقيمت في مدينة القدس وما حولها لربط هذه المستوطنات ببعضها، حوالي 112 كيلومترا، ممّا يعزل المدينة عن بيئتها الفلسطينية ويقسّم الضفّة الغربيّة إلى قسمين.

، أضفت السلطات الإسرائيليّة الشرعية على توسعها الاستيطاني من خلال استحضار “النمو الطبيعي”، أو ما تُسمّيه الحاجة إلى تلبية احتياجات سكان المستوطنات الذين يتزايد عددهم بسرعة. وتشير البيانات الصادرة عن مكتب “الإحصاء المركزي الإسرائيلي” إلى أنّ النمو السكّاني في مستوطنات الضفّة الغربيّة أعلى بكثير ممّا هو عليه في الأراضي المحتلة. إذ بلغ النمو السكاني في الضفة الغربية 5% في العام 2012، في حين اقتصر على 1.7% في الأراضي  المحتلة. وتحت شعار “النمو الطبيعي”، منحت الحكومة الإسرائيلية الشرعية لبعض البؤر الاستيطانية بحجة أنها “أحياء” تابعة لمستوطنات قائمة.

 

download (4)

تشير الأرقام الصادرة عن الخبير الحقوقي مايكل لينك إلى أن عدد المستوطنين ارتفع بنسبة 12% بين عامي 2016 و2021. ففي العام 2016، قُدّر عدد المستوطنين في الضفة الغربية بـ 400 ألف مستوطن، أمّا في القدس الشرقيّة فقد بلغ 218 ألف مستوطن، ليرتفع بعد خمس سنوات إلى 475,000 مستوطن في الضفة الغربية و230,000 في القدس الشرقية.

وأشارت “لجنة الاستيطان ومقاومة الجدار” إلى إنّ عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها مستوطني القدس الشرقية، بلغ 726,427 مستوطناً، موزعين على 176 مستوطنة، و186 بؤرة استيطانية (النواة الاستيطانية)، في حين بلغ عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفّة الغربية أكثر من نصف مليون، بحسب تقرير رسمي نشرته “إحصاءات السكان اليهود في الضفة الغربية” في كانون الثاني 2023. وبذلك ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين أكثر من 2. 5% في الضفة الغربيّة خلال العام الماضي، في حين لامست هذه النسبة نحو 16% خلال السنوات الخمس الماضية. ولا يشمل التقرير عدد المستوطنين الإسرائيليين في القدس الشرقية التي يقطنها أكثر من 200 ألف مستوطن

لا بدّ أخيرًا من الإشارة إلى المناطق الخضراء المُغلقة التي اعتادت السلطات الإسرائيليّة إقامتها حول البلدة القديمة للحدّ من البناء الفلسطيني. وبموجب هذه الإجراءات، تمّ تحويل 40% من مساحة القدس الشرقية إلى مناطق خضراء تلعب في الواقع دور المحميّات الاستراتيجية لبناء المستوطنات. وهذا ما حصل على سبيل المثال في جبل أبو غنيم. في بعض الأحيان، يتمّ الإعلان عن تحويل مناطق مكتظّة بالأبنية الفلسطينيّة المأهولة، مثل حيّ البستان في سلوان، إلى مناطق مفتوحة، ما يعني اعتبار حوالي 22,000 وحدة سكنية غير قانونية بينها 9,000 وحدة سكنية مهددة بالهدم

download (5)

اسمها فلسطين وعاصمتها القدس

بلغت مساحة فلسطين عام 1947، أي قبل احتلالها من قبل القوات الإسرائيليّة، 27000 كيلومترًا مُربعًا.

   بعد توقيع اتفاق الهدنة في العام 1948، وضعت السلطات الإسرائيلية يدها على 78% من الأراضي الفلسطينية أي ما يعادل    21000  كيلومترًا مربّعًا بما فيها الجزء الغربي من القدس وصولًا حتّى الشريط الساحلي. تبلغ مساحة القدس الغربيّة 80% من  مساحة القدس التاريخيّة أي ما يعادل 38000 كيلومترًا مربّعًا. تضمُّ القدس الغربيّة المحتلة 38 قرية فلسطينيّة دُمّرت معظم مبانيها،  في حين حُولّت المباني الأخرى إلى مراكز إدارية إسرائيليّة. أمّا القدس الشرقيّة، فاقتصرت مساحتها على 6,5 كيلومترًا مربّعًا وضمّت الأماكن المُقدّسة

  احتلت القوات الإسرائيليّة خلال حرب 1967 القدس الشرقيّة وعمدت إلى تهويد القدس من خلال تدمير حارة الشرف وحارة المغاربة بهدف توسيع الحيّ اليهودي، ومن ثمّ عمدت إلى مصادرة  116 كيلومترًا مربعًا من المباني التي يعود تاريخ بناؤها إلى   العصر المملوكي

download (1) 

بأيّ لغةٍ يحلُم؟

  امين-معلوف

سحرتني رواية «التائهون » لأمين معلوف التي قرأتها باللغة العربية. قرأت معظم أعماله الأخرى باللغة العربيّة أيضًا، ولم أتبع النصيحة القائلة بأن يُقرأ الكتاب باللغة الأصليّة  التي كُتب فيها، وهي الفرنسيّة في حالة معلوف، في حال كان القارئ  يُتقنها.

المهم أنّ الرواية سكنتني، ولم يفقدها التعريب شيئًا من جاذبيتها، ربّما لأنّها تتحدّث عن لبنان، ولأن أحداثها لبنانيّة وكذلك أبطالها، وربّما لأن  اللغة العربيّة تُشعرك، في هذه الحال، بتماهٍ أكبر مع أحداثٍ تجري في شوارع ومناطق سبق لك أن زرتها أو أقمت فيها. أقول ربّما ولا أجزم . ويبقى انطباعًا خاصًا وليس حكمّا مُطلقًا.

بقدر ما امتلكتني الرواية بقدر ما كانت نهايتها صادمة ومُحبطة، إذ إنّها جاءت دون مستوى الرواية نفسها، بل منافيةً له تمامًا، وكأن قلمًا آخر كتب صفحاتها الأخيرة. جاءت النهاية أشبه  بفيلم عربيّ درجة عاشرة .

تحوّلت متعتي في قراءة هذه الرواية إلى غضبٍ شديد مع بلوغ نهايتها. غضب وخيبة دفعاني إلى التفكير  في مراسلة صاحب الرواية، أي أمين معلوف، ومناقشته في هذه الخاتمة الباهتة. لم أفعل ذلك طبعًا، بل اكتفيت برسالةٍ افتراضية قلت فيها كلّ ما عندي مع اقتراحٍ لنهاية مناسبة. لم أؤلف نهاية بديلة، وهو فعلٌ غير لائق ولا يتناسب مع شروط النقد، وفيه تجاوز لحدود العلاقة بين الكاتب والقارئ، بل اكتفيت بحذف المشهد الأخير من روايته. قلت له: «لقد انتهت الرواية قبل بضع صفحات، أي قبل أن تُضيف إليها مشهدًا يعكس  هاجس الهويّة الذي بدأ إقحامه مفتعلًا. دع آدم ( بطل الرواية ) وشأنه، وابحث عن هويّتك في مكانٍ آخر» . وقرّرت أن أساعده في حلّ مُعضلة الهويّة التي يبدو بناءً على أعماله وأبرزها في هذا الإطار، « الهويّات القاتلة » أنّها تؤرقه، فسألته السؤال الكلاسيكي: بأيّ لغة تحلم؟

سؤال ساذج. بأيّ لغة يُفترض أن يحلم رجلٌ يعيش في فرنسا منذ أعوامٍ طويلة، يُمارس روتينه اليومي هناك  وكذلك حياته الأدبيّة والمهنيّة ، والأهم من هذا وذاك، أنّه يكتب باللغة الفرنسيّة ليس لأنّه غير مُلمّ باللغة العربية ، هو الذي عمل في مطلع شبابه في جريدة «النهار» للبنانيّة التي كانت في حينها معقلًا لغويًّا، بل لأنّه ربّما اختار هويته. أوليست اللغة (قبل الحلم ) إحدى بديهيّآت تعريف الهويّة؟

قد لا تكون أبحاث معلوف في تعريف الهويّة ناتجة بالضرورة عن هاجسٍ شخصيّ، بل تميل إلى أن تكون بحثًا أنتروبولوجيّا معمّقًا وخصوصًا في كتابه “الهويّات القاتلة”، كما قد لا يرتبط اهتمامه بالشرق في كونه ابن هذه المنطقة ،  فهذا الاستنتاج يُلحق ظلمًا كبيرًا بالمستشرقين الذين خلّفوا أعمالًا متنوّعة وغنيّة صنّفت مراجع تاريخيّة هامة.

وإذا كان معلوف الذي يُعرَّف عنه ويُعرّف هو عن نفسه في الأرجح (إذ لا أحد يُعرَّف بكنيةٍ مُعيّنة من دون موافقة صاحب العلاقة) بالروائي الفرنسي من أصول لبنانيّة، وليس بالروائي اللبناني حامل الجنسيّة الفرنسيّة، إذا كان  معلوف يعيش فعلًا أزمة هويّة ولا يستمد من تجربة شخصيّة مادّة لآفاق بحثيّة أكثر اتساعًا وعمقًا، فإنّ اللبنانيين، أخوته في المواطنة، حسموا «صراعه الداخلي» لمصلحة لبنانيّته، مسقطين من حساباتهم طبعًا أنّ لبنانيّته لا تؤهّله لمنصب رئيس الأكاديميّة الفرنسيّة الدائم، وهو منصب لا يُمنح إلّا للذين «يحلُمون» باللّغة الفرنسيّة. هذا هو القانون وليس ثمّة افتراء في هذه الإشارة التي قد تستفز بعض الغيارى على الإبداع اللبناني المتميّز.

بين مزدوجين: فاجأتني صديقتي اللبنانيّة المُقيمة في فرنسا وحاملة للجنسيّة الفرنسيّة، في حديثٍ تلفونيّ أجريناه قبل بضعة أيّام تناول أمين معلوف والمنصب ولبنان، أن سيّدةً تجلس إلى جانبها في «المترو» رمقتها بنظرة ازدراءٍ لأنّها كانت تتحدّث باللغة العربيّة. وحين عبّرتُ عن دهشتي واستُفزّت لبنانيّتي ( مفترضةً أنّ السيدة الفرنسيّة أدركت أنّ هذه الجالسة إلى جانبها  الناطقة باللغة العربيّة هي من منطقة كسروان ) مُعترضةً على هذه العنصريّة تجاه لغة هي اللغة الأم للرئيس الدائم  للأكاديميّة الفرنسيّة المنتخب قبل أيام   قليلة من امتعاضها. أجابتني أنّ أيّ لغة غير الفرنسيّة باتت تثير سخطهم عمومًا، وتخرجهم العربيّة عن طورهم خصوصًا.

ماذا نفعل نحن اللبنانيين بابتهاجنا كّلما تبوأ لبنانيّو الأصل، حاملو الجنسيّات من مختلف أرجاء المعمورة، مراكز عليا أو سجلّوا اختراعاتٍ عظمى في ظلّ هذه العنصرية المستشرية في العالم «الأفضل » ؟ كيف لنا أن نظهر تفوّقنا ونطمس لغتنا؟ إنّها لمُعضلة فعلًا، وخصوصًا إذا كان الانتماء اللبناني يُشكّل لمن نحتفي  بهم نوستالجيا عابرة في أحسن الأحوال.

نحتاج، نحن اللبنانيّون إلى هذه الانتصارات  التي تؤكد أنّ «البضاعة الوطنية المُصدّرة» هي من النوع الممتاز، وأنّ رجال الأرز ونساءه يشمخون أينما حلّوا، في حين نبحث عن جذورٍ غير لبنانيّة  لمن حملوا ذات يومٍ هذه الجنسيّة، وفشلوا في أصقاع العالم أو قاموا بأعمال مُشينة.

ولكن قبل هذا وبعده ما هو تعريفنا نحن المقيمين على أرض الوطن الحبيب للهويّة اللبنانيّة التي نهلّل لها حين تُحلّق خارج الحدود الإقليميّة، وكيف نتعامل معها؟ ولأنّنا غير متفقين على تعريف واحد، ولأنّنا مختلفون على البديهيّات في مفهوم المواطنة، ولأنّنا نقول الشيء ونفعل ضدّه، ولأن المصلحة القبليّة تنتج مفاهيم وتعريفات جديدة على مدار ما تفرضه مصالحها الخاصة، لهذه الأسباب وسواها يبدو الخوض في مفهوم الهويّة اللبنانيّة حفلة تعذيب نفسي مجانيّة لا قيمة لها. لا تُلغي هذه الحقيقة أنّ ثمّة قاسمًا مُشتركًا  خارقًا لكلّ الطوائف والملل قد يساعد في تعريف أوّلي للهويّة اللبنانيّة  يُمكن اختصاره في استبسالنا لاستبدال الهوية اللبنانيّة بواحدة أجنبية، وننتظر بعدها التصفيق لتفوقنا العالمي. وقد لا ننتظر، لأننا لا نسمع التصفيق ولا يعود يعنينا أصلًا.