اصمتوا جميعكم. اصمتوا صمتًا مُطبقًا. لا تتفوّهوا بكلمة أو بحرف. لم يعد أحدٌ يرغب في سماعكم. أصواتكم، تصريحاتكم، كلامكم الأجوف بات أشبه بحفلات التعذيب في السجون. وقعه أسوأ من صوت نقطة ماءٍ على صفيحٍ بارد. اصمتوا فقط. خذوا مناصريكم وجماعاتكم، خذوا كلّ من لا يزال يصدّقكم، خذوا كلّ من لديه القدرة على تحريك يديّه للتصفيق لكم بدلًا من رجمكم، خذوهم إلى قاعات مقفلة أو ساحاتٍ بعيدة واكذبوا عليهم قدرما تشاؤون
اصمتوا جميعكم لأنّ للعهر حدود. احفظوا ماء وجهكم إن كان ثمّة ما تحفظونه بعد. اصمتوا ولا تفتحوا أفواهكم إلّا لتعترفوا أنكم سرقتمونا ونهبتمونا ودمّرتم البلاد والعباد ولا تزالون مستمرّين بكلّ وقاحة رغم أنّه لم يعد هناك ما تسرقونه. لقد جفّفتم الينابيع واستوليتم على الموارد وأغرقتم البلاد في ديونٍ ستحتاج إلى أكثر من جيلين وربّما ثلاثة لإيفائها
اصمتوا جميعكم لأنّنا لا نحتاج إلى سماع اقتراحاتكم الفارغة وحلولكم الخاوية ومشاريعكم البائسة ووعودكم الكاذبة التي لن تنتشل البلاد ممّا هي فيه، بل ستزيدها غرقًا لأنّ المطلوب ليس حلولًا ترقيعيّة أو مقاربات تجميليّة بل تغييرًا جذريًّا يبدأ بصمتكم أولًا ورحيلكم أولًا وثانيًا وثالثًا وعاشرًا. رحيل يشمل السلطة بكلّ أطيافها ومكوّناتها وأصولها وفروعها السابقة والحاليّة. رحيل لا يستثني السلطات التي تعاقبت على الحكم في لبنان والتي، وهنا الطرافة، تلعب دور المعارضة اليوم وتنتقد بوقاحة مُستفزّة كأننا كنّا نعيش في زمنها القريب في سبات ونبات وننعم بالبحبوحة والازدهار ونتميّز باقتصادٍ منافسٍ وبيئةٍ خلابّة لم تصل فيها رائحة النفايات إلى دول الجوار وربّما أبعد من ذلك. رحيلٌ لا يقتصرعلى أرباب السلطات المتعاقبة فحسب، بل يشمل الأولاد والأحفاد الحاليين والمحتملين والأقارب وكلّ من يمت لهم بصلة دم. رحيل يشبه ما فعله هيرودس حين أمر بقتل جميع الاطفال من عمرالسنتين وما دون في بيت لحم وجوارها بعدما جاء المجوس من المشرق يسألون عن المولود، ملك اليهود. رحيل يضمن أرضًا نظيفة لا يلوّثها أحد من سلالتكم. تلك تكون بداية الخلاص

اصمتوا جميعكم واخجلوا إن كنتم تعرفون للخجل معنًى. أنهكتم الشعب بخلافاتكم على حصصٍ ليست لكم أصلًا. استخدمتم سياسة فرق تسد، فقسّمتم البلاد والعباد أفقيًّا وعموديًّا وبكلّ الأشكال الهندسيّة ليصبح أيّ عنوان مهما بدا تافهًا موضوع سجال لا ينتهي. حجّمتم أحلام المواطنين وطموحاتهم ليُصبح أقصاها الحصول على تيّارٍ كهربائيّ من دون انقطاع. جعلتموهم يلهثون وراء قوتهم اليوميّ ليبدو كلّ من يفوز به بطلًا. قوتٌ يُسقطون منه يوميًّا صنفًا جديدًا بسبب غلاء سعره. قوتٌ تخلّى عن طبق الكبّة النيّة التراثي والمشاوي ليوم الأحد واللحوم عمومًا لسائرأيام الأسبوع. استنزفتم طاقة المواطنين على توافه الأمور حتّى خارت قواهم ولم يعد لديهم مطلب سوى الإفراج عنهم ليرحلوا عنكم ما دمتم ترفضون الرحيل عنهم. اصمتوا جميعكم واخجلوا إذا كنتم تعرفون معنًى للخجل، فأنتم لا تحقّقون المراتب الأولى سوى في الفساد والسرقة وهدر المال العالم، وتحتلّون المراتب الدنيا في كلّ ما له علاقة بالتطور والتقدم وحفظ كرامة الإنسان. حوّلتم لبنان إلى بلدٍ متسوّل ينتظر المساعدات التي تتقاسمونها في ما بينكم قبل أن يحصل عليها. سمعتكم السيئة باتت حديث الصالونات والأروقة الدوليّة. تتعرّضون للمساءلة القانونيّة الدوليّة بشأن سرقة المال العام، وتتذاكون على المجتمع الدولي كما تذاكيتم طوال عقودٍ على الشعب اللبناني. مبروك من القلب! لقد بتّم مدرسة في الفساد تستنبطون نظريّات جديدة في الاقتصاد وتسنّون قوانين غرائبيّة لنهب ودائع المواطنين بوقاحةٍ وتعالٍ قلّ نظيرهما. سجلّنا العدلي بات موسومًا بعاركم. تخشى دول العالم استقبالنا خوفًا من أن نمزّق جوازات سفرنا ولا نعود إلى بلادنا، بلاد الأرز. يحصل كلّ هذا وأكثر، وأنتم تتلفّتون حولكم وترفعون رؤوسكم في الهواء وتصفّرون وكأنّ هذه التهم تعني سواكم! من أين تستمدّون هذه الوقاحة؟ أيّ نوع من الطعام تتناولون وأي هواء تتنفّسون حتّى أصبح جلدكم أكثر سماكة من جلد التماسيح؟
اصمتوا جميعكم، بل اقطعوا نفس لأنكم كلّ ما تفوّهتم خسرتم من رصيدكم الذي أصبح تحت الصفر. طأطئوا رؤوسكم كما يفعل السارقون. وهذا الرذاذ الذي تشعرون به ليس شتاءً في عزّالصيف، بل هو بصاق الموطنين الذين ستلاحقكم شتائمهم حتى القبر. لن يكتب عنكم التاريخ بل سيكتب ضدكم. لا حاجة لكتابة تاريخ لبنان الحديث أصلًا، إذ يمكن اختصاره بعبارة واحدة: وقد حكم لبنان زمرة من السارقين والفاسدين اعتبارًا من مطلع التسعينيّات، نهبوا خيراته وأفلسوه وماتوا بداء الجشع والتخمة بعدما حاولوا اقتسام الشمس فاحترقوا بنارها
اصمتوا جميعكم وأنتم في طريقكم إلى جهنّم وعزاؤنا الوحيد أنّنا لن نلتقي بكم، سنكون في الجهة المقابلة نراكم تحترقون بنار جشعكم ولا نلوّح لكم بأيدينا



مختلف أطراف السلطة المُرتبطة بجهات خارجيّة. الارتباط ليس معلومة جديدة ولا يستدعي دهشة البعض واستنكاره وكأنّهم يسمعون به للمرّة الأولى. جميع من في السلطة مرتبط بجهات خارجيّة. ارتباطات تغطي خارطة واسعة من دول العالم: ايران، السعودية، أميركا، اسرائيل، قطر، سوريا، كوريا الشماليّة. ارتباطات تكاد تجعل من لبنان مكانًا مناسبًا لمركز الأمم المتحدة. فلكلّ دولة مربض لخيلها في هذا البلد الصغير. حقيقة يعرفها القاصي والداني. لذا، ليس مُفاجئَا أن يسعى كلّ متضرّر من الثورة العمل على إفشالها وبث الشائعات لتخويف الناس وتفريقها، أو رفع شعارات وهتافات غير جامعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر”إرهابي إرهابي حزب الله إرهابي”، أو طرح التصويت ضد المقاومة من خلال روابط تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن المنتفضين أثبتوا حتّى الآن قدرة على التماسك والحفاظ على الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة ولفظ كل الطفيليين. ليس تفصيلًا أن يكون هناك نحو مليون ونصف مليون مواطن في الساحات اللبنانيّة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا بالعاصمة بيروت وصولًا إلى البقاع. ليس كلّ هؤلاء غير مسييسين. ليس صحيحًا أنّ كل هؤلاء لا ينتمون إلى أحزاب أو طوائف أو مذاهب. ليس صحيحًا أن كلّ هؤلاء علمانيين (وإلّا كانت الدنيا بألف خير)، ولكن الصحيح أنّ لدى كلّ هؤلاء مطلبًا واحدًا جامعًا، وكلمة جامع هنا أساسيّة، وهووقف الفساد والهدر ومحاسبة المسؤولين واسترجاع الأموال المنهوبة. لذا، فإنّ إدراج مطالب خارج الأطر التي وحّدت المواطنين ودفعتهم إلى الساحات ليس بريئًا، ولا يمكن وضعه في خانة حرّية التعبير عن الرأي. وإذا كان ثمّة حديث عن مؤامرة ما فهذا صلبها. من هنا، فإن الحديث عن سلاح المقاومة وطرحه ضمن مطالب الثورة هو حديثٌ يهدف إلى شقّ صفوف الثوار واستبعاد فئة كبيرة من المواطنين الذين ما زالوا في بيوتهم رغم رفضهم لسياسة الافقار. لا يعني هذا الكلام، تحييد حزب الله عن أي مساءلة واعتباره فوق الشبهات، فهو شريك في الحكم، والشراكة تعني تحمل المسؤولية كاملة. والساكت عن السرقة لا يقل فسادًا عن السارق نفسه، هذا إذا افترضنا أنّ كلّ نوّاب حزب الله ووزرائه لم يستفيدوا من المال العام أو يشاركوا في صفقات مشبوهة، وهو ما ستظهره المحاسبة. وهذا ما يعنيه شعار “كلن يعني كلن” الذي يحتاج، في المناسبة، إلى استبدال أو تطوير أو تحديث انطلاقًا من أنّ الثورة تحتاج إلى انتاج شعاراتها الجديدة، وعدم استخدام شعارات استُنزفت وشوّهت ولم تؤد أهدافها في السابق. وما يصحّ في حالة حزب الله يصح في حالة التيّار الوطني بمعزل عن كونهما حليفين سياسيين. لم تنفجر الثورة ضد التيّار ولا ضد رئيسه السابق الذي أصبح رئيسا للجمهورية. ردّدت الثورة وتردّد المطالبة بمحاسبة كلّ المسؤولين اعتبارا من العام 1990. ويفترض أن تطال هذه المحاسبة الأحياء منهم والأموات، لتكون سابقة في لبنان. فلنحاسب الذين رحلوا أيضا على ما اقترفوه في البلاد والعباد، فإما أن تثتب براءتهم إلى أبد الأبدين وإما أن يثبت فسادهم وتنتهي كلّ الأساطير في لبنان دفعة واحدة على أمل بناء بلدٍ جديدٍ بكلّ ما تحمل هذه العبارة من عمق ومعنى. صحيح أنّ العهد القويّ ليس الأسوأ مقارنة بعهود ما بعد الطائف. ولكن ما ينكره العونيون أنّ تيّارهم هو الأكثر تبجّحًا وادعاءً بتصويب البلاد واعتماد سياسة الشفافية، وهو ما لم يفعلوه، بل فعلوا العكس تمامًا، وستثبت المحاسبة صحّة هذا الكلام أو تنفيه

