مضى وقتٌ طويلٌ لم أسمع منك جديدًا عن أخبار لبنان، يبدو أنّ الوضع مستقرٌ هنا
لا يُعلّق الملاك، بل يكتفي بهمهمةٍ غير مفهومةٍ مُبقيًا رأسه مُنخفضًا، ممّا يثير استغراب الله فيعيد السؤال
ماذا، هل هناك ما فاتني فعلًا
ثمّ سرعان ما يتنبّه فيقول
آه، تقصد فيروس كورونا، ولكنّه وباء عالمي ولا أظنّ أن ثمّة ما يشغل البال في لبنان أكثر ممّا هو عليه الوضع في دول العالم
هنا يستجمع الملاك كامل قواه ويقول
بلى، الوضع في لبنان مختلف
يضحك الله ويقول للملاك
لقد فهمت قصدك، يتمتّع اللبنانيّون بحسّ الفكاهة ويُضاهون أحيانًا المصريين في تحويل المأساة إلى طرفة، ولا بدّ أن الأمر يُسلّيهم في حجرهم المنزلي، وأتوقع أن تُزوّدني ببعض طرائفهم، فهي غالبًا ما تضحكني
يعقّد استنتاج الله الموقف، ويزيد من إرباك الملاك الذي يتنهد طويلًا ويقول بعد أن يحثّه الله على فعل ذلك
ليس هذا ما عنيته في حديثي، وإن كنت لا أخالفك الرأي، ولكن لا أعرف كيف أقولها لقد اختلف اللبنانيّون مجدّدًا طائفيَّا ومذهبيًّا ومناطقيًّا
قاطع الله الملاك وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب
ماذا؟ هل أنت واثقٌ ممّا تقول؟ لا، لا…لا أصدّق ذلك. يُفترض بالمصيبة أن تجمع لا أن تفرق، هذا ما حرصت عليه حين خلقت بني البشر
إلاّ في لبنان، أجابه الملاك وقد علت محيياه علامات الأسى
أعاد الله السؤال محاولًا أن يُقنع نفسه أن الملاك أساء التعبير أو ربما ألتبس عليه الأمر
هل أنت متأكد ممّا تقول؟ أوليس اللبنانيّون هم الذين صنعوا السلسلة البشرية وأمسكوا بايدي بعضهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟ رغم أنّ المشهد بدا فلوكلوريًّا في حينها، ولكنّني قلت في نفسي لقد نجح اللبنانيّون أخيرًا في تجاوز كلّ مشاكلهم الطائفيّة والمذهبيّة وسوف يبنون لبنان الجديد … من أين جئت بعبارة لبنان الجديد، تمتم الله متفاجئًا بما بدر منه
من عند الرحابنة أجابه الملاك الذي استعاد حيويّته بعدما أزال الاعتراف الثقل عن كهله هذا الـ لبنان موجودٌ فقط في أعمالهم المسرحية وأغانيهم التي يردّدونها قبل جولات العراك وفي أثنائه ومن بعده
تنهد الله عميقًا وطلب من الملاك أن يُخبره بالتفصيل كيف اختلف اللبنانيون بشأن فيروس كورونا
جماعة 14 آذار يقولون أن مصدره إيران وجماعة 8 آذار ينكرون ويدافعون
قاطعه الله بنبرةٍ غاضبة
ماذا قلت ؟ 14 و8؟ ألم تخبرني في آخر لقاء أنّ هذه التقسيمات إلى زوال بعدما جاء 17 تشرين ووجّه لهم ضربةً موجوعة؟
يبدو أنّني بالغت في التفاؤل أجابه الملاك، وقد بدت عليه علامات الخجل والارتباك. هزّ الله رأسه في إشارة إلى الملاك ليفرغ ما في جعبته، فأخبره الأخير كيف عزّز فيروس كورونا الانقسام الطائفي والمناطقي، وكيف رفض نوابٌ في البرلمان عزل منطقتين مسيحيّتين ارتفعت فيهما نسبة الإصابات ما لم تُعزل في المقابل منطقتين مسلمتين
ستة وستة مكرّر حتّى في التعامل مع وباء يُهدّد العالم، تمتم الله محاولًا أن يكتم غيظه
صمت الملاك قليلًا محاولًا أن يتبيّن موقف الله ممّا سمعه، والأهم أن يعرف إن كان يرغب في سماع المزيد. أومأ إليه الله في إشارة من رأسه لمتابعة حديثه رغم حنقه واستيائه الشديدين. أخبره الملاك أنّ الأحزاب الطائفيّة عادت بقوّة للعمل على استمالة الناس إلى صفوفها من خلال اللعب على الوتر الطائفي، وقد وصلت وقاحة بعضها إلى صناعة كمّامات تحمل إشارة الحزب، كما روى له أنّ سكّان منطقة الطريق الجديدة اعترضوا على إقفال القوى الأمنيّة للمطاعم والمقاهي في منطقتهم وقالوا: إذهبوا وأقفلوها في الضاحية الجنوبية قبل أن تأتوا إلينا. استشاط الله غضبًا وصرخ بأعلى صوته
ما هذا؟ لا أصدّق ما تسمعه أذنيّ! هل أنت متأكد ممّا تقوله؟ هل تتحدّث فعلًا عن الشعب اللبنانيّ، أم أنك ضللت طريقك وذهبت إلى كوكب آخر وصادفت شعبًا ظننت أنّه الشعب اللبناني؟
كان الله يقلّب بيديه، ويهزّرأسه، ويحدّث نفسه متسائلًا إن كان قد خلق اللبناني من طينة مُختلفة عن سائر البشر: “هل أخطأت في الطبخة مثلًا؟ ولكن مهلًا أنا خلقت الإنسان، ولم أخلق شعوبًا منفصلة بعجنات مختلفة. ما هذا؟ هل سأشكك بنفسي بسبب اللبنانيين؟
استفاق الله من شروده على صوت الملاك الذي كان مستمرًا في سرد الاخبار، وقد بدا على عجلة من أمره في إنهاء هذه الجلسة وخصوصًا أنّ ليس في جعبته خبرٌ واحدٌ مفرحٌ، سمعه يقول
اختلفوا في تقييم أداء وزير الصحّة
شهق الله من شدّة الدهشة، فسارع الملاك إلى شرح المسألة على أمل أن يُخفّف ذلك من غضب الله، وهو أمرٌ مستبعدٌ بطبيعة الحال. أخبره إلى أن أنصار الوزير كادوا أن يصنعوا له تمثالًا تقديرًا لجهوده في محاربة كورونا، في حين أن المعترضين على الحكومة لم يروا حاجةً لشكره أو حتّى لتوجيه تحيّةً له على اعتبار أنّه يقوم بواجبه ولا شكر على واجب
نهض الله عن عرشه، وقد بلغ حنقه أعلى الدرجات، وصرخ بانفعالٍ هرع على أثره عددٌ كبيرٌ من الملائكة إلى القاعة حيث يتواجد الله مع الملاك الحارس للبنان
ما حاجة الوزير إلى تمثال؟؟ ثمّ ما العيب في توجيه تحيّة شكرٍ وعرفان للوزير حتّى ولو كان يقوم بواجبه. أوليس اللبنانيّون هم من يمدحون رئيس الوزراء الكندي ليل نهار ويتغنّون بإنجازاته التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، علمًا أنّه لا يفعل سوى ما يميليه عليه واجبه. ما هذا الإنفصام؟
تراجع الملاك خطوتين إلى الوراء، وكان يهمّ في الانحاء في إشارة إلى أنّه أنهى تقريره عن لبنان حين استمهله الله وسأله
أين هم جماعة 17 تشرين؟ أين هم صنّاع الانتفاضة؟ ماذا يفعلون؟ ولماذا لا يتحرّكون؟
أجابه الملاك بنبرةٍ حزينةٍ
أخشى أن تكون هذه الثورة قد دُفنت في مهدها
قاطعه الله
ما هذا التشاؤم؟ درب النضال طويل ويحتاج إلى مثابرة، لماذا هذا النفس الانهزامي؟
بكى الملاك، وقال
يبدو أن فيروس كورونا قضى على الثورة، إذ أن اللبنانيّن انطووا مجدّدًا في أحضان طوائفهم عند أول استحقاق يواجهونه. انقسموا وتفرقوا وعادوا الى نغمة التخوين وتبادل الاتهامات. لقد أهدروا فرصةَ تاريخيّة في إنقاذ لبنانهم من المُستنقع الذي يغرق فيه منذ ثلاثين عامًا
كان الله يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا والملاك يبكي بصمتٍ مطأطأ الرأس، سأله الله
هل يُعقل ألا يكون بين جماعة 17 تشرين أناس صادقون؟ لقد رأيت مشهدًا مؤثرًا جدًا في أيام الثورة الأولى، أين ذهب هؤلاء؟ انتصرت عليهم الطائفة وهزمهم الزعيم؟ هل هذا ما يُفترض أن استنتجه من كلامك؟ ألم يرفعوا شعار “كلكن يعني كلكن”، بالمناسبة لم يعجبني هذا الشعار، وجدته “كليشه”، ولكن قلت لابأس به في الوقت الحالي ما دامه قادر على حشد الناس
كفكف الملاك دموعه وأخبر الله كيف أن الأحزاب الطائفيّة والزعامات السياسيّة تغلغت بين المتظاهرين واستغلت الثورة وحوّرت أهدافها. خاف المواطنون: منهم من انكفأ وعاد إلى بيته مُحبطًا، منهم من التحق مجدّدًا بطائفته وحزبه وزعيمه، وقلّة قليلة جدًا ما تزال تعمل وتناضل وتؤمن بالثورة. هؤلاء صفقوا لوزير الصحة حين وجب ذلك وانتقدوا الحكومة بقساوة حين لمسوا أّنها تحاول تمرير مشاريع من تحت الطاولة. هؤلاء فقط يعطون كلّ ذي حق حقّه، ولكنّهم قلّة قليلة وأخشى عليهم من أن تبتلعهم نيران الطائفية والمذهبيّة والزبائينيّة المستعرة من حولهم
أطرق الله مُفكّرًا بعد أن جلس على عرش مجدّدًا واتكأ على عصاه، وسأل الملاك
الحل؟ هل لديك تصوّرما؟
هزّ الملاك رأسه بخجلٍ وأجاب الله
لقد استوحيته من إحدى الطرائف التي تداولها اللبنانيون في عصر الكورونا. لقد رفعوا صورة لعزرائيل يدعو المواطنين للخروج من بيوتهم لأنّه ينتظرهم في الخار
قهقه الله عاليًا وكلّما حاول أن يستجمع قواه غرق مجدّدًا في الضحك
رهيبون هؤلاء اللبنانيين، من أين يأتون بهذه الأفكار
ثمّ غرق الله في موجة جديدة من الضحك، قبل أن ينادي على الملاك عزرائيل ليُرسله في مهمة مستعجلة إلى لبنان يخطف خلالها أرواح السياسيين والطبقة الحاكمة وكلّ من تسوّله نفسه أن يحتمي بطائفته أو يسوّق للخطاب المذهبي. سأل الله الملاك
هل لديك اقتراحات تقدّمها لعزرائيل؟
ابتسم الملاك، وقد غمرته فرحة عامرة
بكل تأكيد، أصحاب المصارف أولًا وتكر بعدها السبحة
سأل الله الملاك
هل لديك شيء تضيفه
أجابه
أود أن أنهي خدماتي في لبنان



مختلف أطراف السلطة المُرتبطة بجهات خارجيّة. الارتباط ليس معلومة جديدة ولا يستدعي دهشة البعض واستنكاره وكأنّهم يسمعون به للمرّة الأولى. جميع من في السلطة مرتبط بجهات خارجيّة. ارتباطات تغطي خارطة واسعة من دول العالم: ايران، السعودية، أميركا، اسرائيل، قطر، سوريا، كوريا الشماليّة. ارتباطات تكاد تجعل من لبنان مكانًا مناسبًا لمركز الأمم المتحدة. فلكلّ دولة مربض لخيلها في هذا البلد الصغير. حقيقة يعرفها القاصي والداني. لذا، ليس مُفاجئَا أن يسعى كلّ متضرّر من الثورة العمل على إفشالها وبث الشائعات لتخويف الناس وتفريقها، أو رفع شعارات وهتافات غير جامعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر”إرهابي إرهابي حزب الله إرهابي”، أو طرح التصويت ضد المقاومة من خلال روابط تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن المنتفضين أثبتوا حتّى الآن قدرة على التماسك والحفاظ على الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة ولفظ كل الطفيليين. ليس تفصيلًا أن يكون هناك نحو مليون ونصف مليون مواطن في الساحات اللبنانيّة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا بالعاصمة بيروت وصولًا إلى البقاع. ليس كلّ هؤلاء غير مسييسين. ليس صحيحًا أنّ كل هؤلاء لا ينتمون إلى أحزاب أو طوائف أو مذاهب. ليس صحيحًا أن كلّ هؤلاء علمانيين (وإلّا كانت الدنيا بألف خير)، ولكن الصحيح أنّ لدى كلّ هؤلاء مطلبًا واحدًا جامعًا، وكلمة جامع هنا أساسيّة، وهووقف الفساد والهدر ومحاسبة المسؤولين واسترجاع الأموال المنهوبة. لذا، فإنّ إدراج مطالب خارج الأطر التي وحّدت المواطنين ودفعتهم إلى الساحات ليس بريئًا، ولا يمكن وضعه في خانة حرّية التعبير عن الرأي. وإذا كان ثمّة حديث عن مؤامرة ما فهذا صلبها. من هنا، فإن الحديث عن سلاح المقاومة وطرحه ضمن مطالب الثورة هو حديثٌ يهدف إلى شقّ صفوف الثوار واستبعاد فئة كبيرة من المواطنين الذين ما زالوا في بيوتهم رغم رفضهم لسياسة الافقار. لا يعني هذا الكلام، تحييد حزب الله عن أي مساءلة واعتباره فوق الشبهات، فهو شريك في الحكم، والشراكة تعني تحمل المسؤولية كاملة. والساكت عن السرقة لا يقل فسادًا عن السارق نفسه، هذا إذا افترضنا أنّ كلّ نوّاب حزب الله ووزرائه لم يستفيدوا من المال العام أو يشاركوا في صفقات مشبوهة، وهو ما ستظهره المحاسبة. وهذا ما يعنيه شعار “كلن يعني كلن” الذي يحتاج، في المناسبة، إلى استبدال أو تطوير أو تحديث انطلاقًا من أنّ الثورة تحتاج إلى انتاج شعاراتها الجديدة، وعدم استخدام شعارات استُنزفت وشوّهت ولم تؤد أهدافها في السابق. وما يصحّ في حالة حزب الله يصح في حالة التيّار الوطني بمعزل عن كونهما حليفين سياسيين. لم تنفجر الثورة ضد التيّار ولا ضد رئيسه السابق الذي أصبح رئيسا للجمهورية. ردّدت الثورة وتردّد المطالبة بمحاسبة كلّ المسؤولين اعتبارا من العام 1990. ويفترض أن تطال هذه المحاسبة الأحياء منهم والأموات، لتكون سابقة في لبنان. فلنحاسب الذين رحلوا أيضا على ما اقترفوه في البلاد والعباد، فإما أن تثتب براءتهم إلى أبد الأبدين وإما أن يثبت فسادهم وتنتهي كلّ الأساطير في لبنان دفعة واحدة على أمل بناء بلدٍ جديدٍ بكلّ ما تحمل هذه العبارة من عمق ومعنى. صحيح أنّ العهد القويّ ليس الأسوأ مقارنة بعهود ما بعد الطائف. ولكن ما ينكره العونيون أنّ تيّارهم هو الأكثر تبجّحًا وادعاءً بتصويب البلاد واعتماد سياسة الشفافية، وهو ما لم يفعلوه، بل فعلوا العكس تمامًا، وستثبت المحاسبة صحّة هذا الكلام أو تنفيه

