الهدنة المؤقتة: نعود لنقتلكم بعد قليل



أخشى كلّ ما هو مؤقت، لأنّ الانتظار الذي يرافق هذا المؤقت أيًا كانت طبيعته يجثم على صدر المنتظرين، يشعرهم بضيق الوقت وثقله. فكيف إذا ارتبط بهدنة عسكرية، وكيف إذا كان أحد أطرافها هو القوات الإسرائيلية؟ عندها تصبح الهدنة المؤقتة حربًا من دون ذخائر؛ لأنّ الهدنة المؤقتة في الممارسة الإسرائيلية معناها واضح على الأرض: لا مساعدات، لا وقود، لا أمصال، لا أدوية… لا شيء. ومن يتوقّع أن تشمل الهدنة المؤقتة تأمين مستلزمات الحد الأدنى من مقومات الحياة، واهم. لأن إسرائيل والحكومات الداعمة لها لا تريد للغزّاويين أن يصمدوا، بل تريديهم أن يموتوا، ألّا يعود لهم وجود حتّى في الذاكرة. لذا، لا تشييع للضحايا، لا عزاء، لا قبور ولا شواهد تحمل اسماءهم وتاريخ ميلادهم وتاريخ اغتيالهم. نعم، تاريخ اغتيالهم، لأنّ ما يجري في غزّة هو اغتيال للحياة، قبل أن يكون استشهادا أو صمود. للحروب شروطها وقوانينها. أمّا في غزّة، فليس هناك سوى قتل ومزيد من القتل لكلّ أشكال الحياة ومعانيها. ليس بالسلاح وحده يموت الغزاويّون. تخلّى العالم عن غزّة قبل ٧ أكتوبر بكثير كما تخلّى عن فلسطين قبل العام ١٩٤٨. التخلّي هو العنوان الذي يفسّر الحال الذي آلت إليه الأمور اليوم، وتؤول إليه كلّ يوم منذ ٧٥ عاما.

يرعبني كلّ ما هو مؤقت، فكيف اذا وقع بين موتين. كأنهم يضعون الموت على الرف بشكل واضحٍ ومكشوف حتى يراه من ينتظر دوره في صف الموت الطويل. سنرتاح قليلا ، نستجمع قوانا، نلتقط انفاسنا ونعود لنمعن في المزيد من قتلكم وتهجيركم وتشريدكم. سنعود لنفعل كلّ ما بوسعنا فعله لنبيدكم. هذه هي الهدنة المؤقتة في العرف الاسرائيلي. إنّها انتقال بين موتين. هكذا وصفها اهل غزّة على لسان معتز عزايزة الذي قال: ” وكأن الهدنة جسرٌ تسير فيه نحو ضفة الموت الأخرى”.

يقول الإسرائيليون في الهدنة المؤقتة في حربهم على غزّة(وليس في غزّة)، يقولون : فلتحلموا اننا اوقفنا قتلكم ، حتى يأتيكم الموت أقسى وأشدّ وطأة. تذوقوا معنى الحياة من دون خوف من اغتيال مفاجئ. وأيّ طعم من دون أدنى مقومات العيش. أي معنى للحياة من دون طعام او مأوى او دواء. اي طعم للحياة من دون أولاد تحولوا اشلاء، من دون اهل وأقارب دفنوا تحت أطنان من الأبنية المدمرة. ولكنّها كانت أيام قليلة وساعات معدودة من دون خوف ورعب. هذا ما حصلوا عليه في الهدنة المؤقتة، فقط لا غير.

أخشى الموت الذي يأتي بعد الهدنة المؤقتة. الموت الذي سبقه أمل. الموت الذي افترض ضحاياه أنهم نجوا. الموت المسبوق بجرعة أمل هو أقسى أنواع الموت. أفكر في أولئك الذين ماتوا في الصاروخ الأول بعد انتهاء المؤقت. هل ادركوا أن صلاحية “فسحة الأمل” انتهت مدّتها، أم فاجأهم الموت نيامًا، جياعًا، يرتجفون بردًا؟ ليس صحيحًا أن الموت واحد في غزّة حيث تجري المفاضلة بين أنواع الموت وليس أنواع الحياة. فمن مات في أول أيام الحرب على غزّة محظوظٌ مقارنة بمن مات في منتصفها، جائعا وخائفا وشاهدًا على الحقد الاسرائيلي وتخلّي العالم الفاعل عنه وعن قضيته. ومن مات قبل الهدنة المؤقتة أفضل حال من مات بعد انتهائها. ومن سيموت في الأيام القادمة تحت عنوان امتداد دورة العنف لتحسين شروط التفاوض هو الأقل حظًا على الإطلاق. يفاوضون على روحه وحياته وأحلامه. يدرجون بند التفاوض في قائمة تزدحم فيها المواعيد العائلية والواجبات الاجتماعية والرياضة الموسمية والأهم مؤتمر المناخ. ولا ندري فعلا إذا ناقش المهتمون بالمناخ الضرر البيئي الذي أحدثه الاسرائيليون في حربهم على غزّة حيث قدر حجم القصف الذي استهدف الغزاويين بما يعادل قنبلة نووية، أم أنهم تجنبوا البحث في هذا الموضوع حتى لا يتهموا بمعاداة السامية.


نجلس في بيوتنا الدافئة، نتابع الحرب مباشرة على شاشات التلفزة المتطورة. نشكو الأرق والقلق والكوابيس. نحتسي الكحول لننسى، ندخّن لننسى أيضا وأيضا. نناقش، نُقاطع من يخالفنا الرأي، ننزوي في بيتنا، ثمّ نتسلّل مجدّدًا إلى الحياة بخفر، نبرّر انخراطنا فيها بعجزنا عن تقديم يد المساعدة. بماذا يُفيد اعتكافنا عن الحياة من خسروا حياتهم. غريزة البقاء نسمّيها. ثمّ نوسّع دائرة انخراطنا، نستعد للاحتفال بعيدي الميلاد ورأس السنة. نزيّن الشوارع والبيوت. وننتظر قدوم المخلص الذي لو قرر أن يأتي هذه السنة، فلا بدّ أن يحلّ في مسقط رأسه حيث يحتاجونه أكثر ممّا يحتاجه العالم مجتمعًا.
نمدّد هدنتنا الداخلية، نخترع الحجج حتى لا نعترف باستسلامنا. ارهقتنا مشاهدة الموت، نغمض أعيننا، نطفىء الشاشة، نسكت المذياع، ظنّا منّا انّنا بذلك ننقذ أنفسنا. ولكن أن لا نعرف ماذا يحصل لا يعني أنه لم يعد يحصل. وما يحصل أفظع من أن تحتمله البشرية مجتمعة. يتحملّه الغزاويون وحدهم بعد أن تخلت عنهم الأرض ومن عليها والسماء ومن فيها بشكل دائم وليس مؤقت.






أضف تعليق