احنا بفلسطين امنكبرش

الصورة لـ مايا فدّاوي

الرسم ل مايا فدّاوي

أفترض أنّ ثمّة مكانٍ أو فضاءٍ أفضل يُصنع في طبقة من طبقات السماء. أفترض وحسب لأبرّر من يرحل بـ”أمان الله ” أشلاءً أو جثثًا متفحّمة. أفترض أن هذا المكان السريّ موجود، وإلّا ما العبرة من خطف الموت أرواح من لا ذنب لهم، وإلى أين يذهب بهم؟
الجنّة حُجزت بالكامل لرجال الدين من الطوائف كافة. يتصارعون على الأرض ليحجزوا المقاعد الأماميّة في السماء وخلفهم يحتشد المؤمنون والمؤمنات الملتزمون بتعاليم الله كما وردت في الكتب السماوية “المُترجمة” أو بالأحرى المُحرّفة على يدّ الصفّ الأوّل. أمّا النار أو جهنّم فتكتظّ بقتلة الأطفال ومجرمي الحرب وتجّار الهيكل

أفترض أن العمل جارٍ في السماء على صناعة هذا الأفضل من أجل الأبرياء ولا سيّما الأطفال الذين لم يرحمهم من في الأرض. يُرتّب المكان لاستقبال أطفال غزّة الذين غادر منهم إلى طبقة من طبقات السماء ٧٠٠ طفل خلال أسبوعٍ واحد. هؤلاء الأطفال الذين باتوا يُدوّنون اسماءهم على راحات أيديهم حتّى يجدهم ذووهم في حال حصدتهم آلة الموت الجهنميّة. سيدخلون باسمائهم، ما لم تخذلهم أيديهم وتغرق تحت أطنان الردم التي طحنت أجسادهم الطريّة. لا بدّ أن في هذا المكان السماوي السريّ طعامًا وشرابًا، لأنّ أطفال فلسطين ماتوا جياعًا وعطاشى. ولا بدّ أن هناك أيضًا الكثير من الماء لإزالة آثار القنابل الفسفوريّة التي شوّهت أجسامهم الطرّية. لا بدّ أنّ القيّمين على هذا المكان منهمكون في تأمين أدقّ التفاصيل ليكون هذا العالم السرّي أهلًا بالأطفال الواصلين إليه. لا بدّ أنّهم كذلك، لأنّ لا شيء غير ذلك يُبرّر هذا الصمت السماوي الرهيب.
أفترض، أنّ ثمّة أمكنة محجوزة لمن وصل أو سيصل من أمّهاتهم، أشقائهم وشقيقاتهم وربّما آبائهم. لا نعرف شيئًا عن الخطّة بعد. القاعدة غير واضحة. ولكن طوبى للعائلات التي تذهب في رحلة جماعية إلى هذا المكان غير المُعلن عنه. إذ لا عدالة في تشتيت العائلات بين الأرض والسماء. لا عدالة في اختيار فردٍ وإهمال باقي أفراد عائلته هنا على الأرض حيث يتحوّلون منذ تلك اللحظة إلى أمواتٍ بعيون مفتوحة، كما أنّ لا عدالة في اختيار كلّ أفراد العائلة للقيام بهذه الرحلة واستثناء فردٍ واحدٍ، قد يكون طفلًا مثلًا ضاع بين الركام وما زال ينتظر أن يأتي ذووه للتعرّف عليه، قد يكون طبيبًا يُفاجأ أثناء تأديته واجبه الإنساني في ظروف لاإنسانيّة أن عائلته قد رحلت، قد يكون مُصوّرًا يُخاطر بحياته ليُظهر للعالم ( إن كان هذا العالم يرى أصلًا) فظاعة ما ترتكبه القوات الإسرائيليّة في غزّة، فتكون عائلته هي الصورة.

أفترض أن عالمًا أفضل يُصنع في إحدى السماوات لاستقبال كلّ الأطفال الذين قُتلوا غدرًا. أولئك الذين فاضت بهم برّادات المشافي وضاقت بهم المقابر، فارتموا على جنبات الطرق والأرصفة غارقين في دمائهم. أفترض وحسب…

أفترض لمُداواة عجزنا وقهرنا.

أفترض لأطمئّن على ذاك الطفل الجذّاب الذي اختصر ٧٥ عامًا من الاغتصاب بالقول ” احنا بفلسطين أمنكبرش”، ردّا على سؤال عمّا يطمح أن يُصبح عليه حين يكبُر. 

ولكن لو خيّر الفلسطينيون كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً بين البقاء في أرضهم أو الذهاب إلى ذاك المكان الجميل المُفترض في إحدى السماوات، لاختاروا البقاء في أرضهم . لو خيّروا لاختاروا العيش والموت مثلما يفعل السواد الأعظم من شعوب العالم، ولاختاروا بين مهدهم ولحدهم أن يحلموا وأن يسعوا إلى تحقيق أحلامهم. وليأت حساب الآخرة في أوانه، لا همّ….

رأيان حول “احنا بفلسطين امنكبرش”

أضف تعليق