وفي اليوم الـ33: أين أصاب المنتفضون وأين أخطأوا

73342354_402363734019939_605301552185344000_n

 

 حين نزل المواطنون إلى الشارع عشية 17 تشرين الأول، لم يكن هناك مُخطّطًا للتحرّك، ولا استراتجيا للاستمرار، ولا لائحة بالمطالب، ولا حتّى ثقةً بأنّ هذا التحرّك سيأتي بأيّ نتيجة إيجابيّة. كانت صرخة غضب لا أكثر ولا أقل، لم يكن متوقّعًا أن تتجاوز أصداؤها المتظاهرين أنفسهم. ولكن ما فاجأ المتظاهرين قبل أن يُفاجئ السلطة أن صراخهم لاقى تجاوبًا منقطع النظير، فلبّى مواطنون آخرون الدعوة لتمتلئ الساحات على مدى الأيام التالية في مشهدٍ موحّدٍ قلّ نظيره يجمعه العلم اللبناني ولا تفرقه مناطقيّة أو طائفيّة أو مذهبيّة. تحوّل المتظاهرون في رياض الصلح خلال أيامٍ قليلة إلى منتفضين انتشروا على مساحة الوطن وأجمعوا على المطالبة باستعادة حقوقهم في العيش الكريم. لقد نجحت السلطة، مشكورةً، لمرةٍ واحدةٍ استثنائيّةٍ أن توحّد المواطنين على مطلبٍ واحدٍ: وقف الهدر والفساد، المحاسبة، واستعادة المال المنهوب. ”ليس لدينا مطالب بل لدينا حقوق“. قد تكون هذه العبارة الأكثر بلاغةً واختصارًا وتعبيرًا عمّا دفع اللبنانيين إلى الشارع بعدما نزعت عنهم صفة المتظاهرين الذين يسعون إلى تحقيق مطالب محدّدة، وحوّلتهم إلى مُنتفضين يستردّون حقوقهم المُغتصبة
ممّا لا شكّ فيه أنّ الثورة حقّقت منذ انطلاقتها الأولى وحتّى اليوم انجازاتٍ كثيرة ومتنوّعة، قد لا يكون ما تحقّق سياسيًّا أهمّها. ورغم أنّ هذه الانجازات لم تعد خافيةً على الرأي العام عمومًا، لا بدّ من الإشارة إلى أبرزها، وخصوصًا تلك التي أخافت الطبقة السياسيّة وأربكتها أكثر من إسقاط حكومة، وتعطيل انعقاد جلسة مجلس النواب لمرّتين متتاليتين، أو فرض دفع فواتير الخلوي بالعملة اللبنانيّة عوضًا عن الدولار الأميركي على سبيل المثال لا الحصر. لقد استعاد المواطنون ثقتهم بأنفسهم وأدركوا أنّ لديهم صوتًا مؤثّرًاغير ذاك الذي يُسقطونه في صندوق الانتخاب لصالح زعماء الطوائف. لقد سقطت مقولة ”شو طالع بإيدنا“ كما سقط مشهد ”الغنم“ الذي يُساق إلى قدره، وحلّت مكانهما صورة شعبٍ يؤمن بأن لديه القدرة على استعادة حقوقه المسلوبة. وحّدت الثورة الساحات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا ببيروت ووصولًا إلى البقاع. سقطت الحواجز النفسيّة وزال الخوف من المواطن الآخرالذي أصبح شريكًا في بناء الوطن الجديد. لعلّها المرّة الأولى، بعد مرور ثلاثين عامًا على انتهاء الحرب اللبنانيّة، التي سقطت فيها الحواجز فعلًا لا قولًا. أصبحت المناطق والساحات تُسمى بأسمائها بعدما كانت تُعرّف بـ”مناطقهم“ و”مناطقنا“. عادت بيروت عاصمةً جامعةً غير مُقسّمة بين ”شرقيّة“ و ”غربيّة“، هذا التقسيم الذي انتجته الحرب ولم يلفظه السلم، بل ظلّ قائمًا في القاموس الشعبي اللبنانيّ وراسخًا في الذاكرة. تعارف الناس فيما بينهم في الساحات. تحدّثوا وناقشوا، سُمعوا واستمعوا وهو ما لم يحصل منذ انتهاء الحرب، ولو حصل لما آل حال البلاد إلى ما كان عليه حتى 17 تشرين الأول. شكّل التواصل الإنساني والاجتماعي إحدى علامات هذه الثورة الفارقة. الناس كلّ الناس من مختلف الأعمار والأجناس والانتماءات الطائفية والمذهبية والطبقية وحتّى السياسيّة التقوا وهتفوا ضد السلطة الفاسدة، وهنا بيت القصيد. تلك هي اللحمة التي أخافت السلطة وجعلتها مربكة وعاجزة عن التصرّف. مشهد لم تعتد عليه، مشهد نذرت حياتها السياسيّة لبناء نقيضه، مشهد اتّحدت بكلّ مكوّناتها المتنافرة والمتضاربة  للحؤول دون تشكّله في الوعي الجماعي لصالح تعزيز الخلاف بين مكونات المجتمع على أسسٍ طائفيّة ومذهبيّة ضيّقة. لا يخيف السلطة السياسيّة إسقاط حكومة في الشارع على أهميته، ولا يعيقها تعطيل مجلس النواب في جلستين متتاليتين رغم استثنائيّة هذا الفعل ورمزيته. لديها فائض من الدهاء والخبث والإنكار للتعامل ما هذه الوقائع كأنها تحصل في كوكب آخر. وليس التأخر في تشكيل الحكومة سوى دليل ساطع على ذلك. ولكن ما يخيف السلطة السياسيّة فعلا هو اجتماع اللبنانيين من مختلف الأطياف تحت راية العلم اللبناني وعلى وقع هتاف واحد: ثورة، ثورة، ثورة
أخطأت السلطة وأمعنت في ارتكاب الأخطاء(راجع المقال السابق)، ولكن ماذا عن الثوّار، ألم يُخطئوا أيضًأ؟ لقد فعلوا ذلك من دون شك، وهذا طبيعيّ وبديهيّ ويحصل في كلّ التحرّكات الشعبية أيًّا كان حجمها وأيًّا كانت أهدافها. ولكن من المجحف بحق الثورة والثّوار مقارنة أخطائهم بأخطاء السلطة، وأيّ محاولةٍ لوضعهم على قدم المساواة على هذا المستوى أنمّا يهدف إلى الحطّ من قدر الثورة وإجهاضها. فالثورة في صورتها الراهنة حالة شعبيّة غير مُنظّمة ضمن أطر كلاسيكيّة، لا قائد لها ولا ”مجلس قياديّ“ و”لا ضباط أحرار“… تلك هي أبرز نقاط قوتها وضعفها في آن: قوية لأنّها جامعة من دون غطاءٍ حزبيّ أو طائفيّ أو سياسيّ يُسيّرها وفق أهوائه، وضعيفة لأنّ القدرة على اختراقها في مثل هذه الحالات تصبح مرتفعة ومتاحة. ثمّة خطر آخر مرتبطٌ باحتمال أن تفقد الثورة زخمها بعدما يُصاب المنتفضون باليأس فيتراجع حماسهم، وهو ما لا يحصل عادة حين تكون الثورة بقيادة حزبية تملك دائمًا أدوات اشعال الشارع ومدّه بمقومات الصمود. ولكن السلطة، مشكورةً هنا، قامت بدور الأحزاب. فبقدر ما راهنت على تعب المنتفضين ويأسهم بقدر ما كانت تمدّهم بأسباب جديدة تدفعهم إلى عدم مغادرة الساحات. كانت تشدّ عصبهم باستعلائها وتكبرّها وتجاهلها لما يجري من حولها. انطلاقًا من خصوصية الثورة اللبنانية، من المجحف الحديث عن أخطاء، بل هي هفوات قد يؤدي تجاهلها أو انكارها إلى الإضرار بالثورة ويحوّلها إلى أخطاء قاتلة وخصوصًا أن المتربصين بها كثر والمتضررين منها يسعون إلى اسقاطها ولا يوفرون مناسبة لذلك
يخطئ المنتفضون إذا ظنّوا أن العالم الخارجي سيقف متفرجًا عليهم، وأن جلّ ما سيفعله هو التصفيق لهم إعجابًا ودهشةً بخروجهم من كلّ العباءات الطائفيّة والمذهبيّة التي ارتدوها لأعوام خلت. ويخطئون أكثر إذا ظنّوا أن لبنان يغرد خارج محيطه ومحيّد عن كل الصراعات المحيطة ، وأن السلطة أو بالاحرى حزب الله حصرا هو الذي أدخله في لعبة المحاور، وأنّه في حال  تمّ القضاء على هذه السلطة، سيعود لبنان كما درسناه في كتب التاريخ والجغرافبا واحة الحريات وقبلة الشرق…لذا، من الخطأ أن ينتفض المنتفضون كلّما سمعوا ان هناك جهات خارجية تستفيد او ستستفيد من هذه الثورة وتسعى الى توظيفها لمصلحتها. الملاحظة ليست تهمة بل حقيقة يجب عدم الاستهانة بها
يخطئ المنتفضون حين يقلّلون من أهمية وجود متسلقين يحاولون استثمار الثورة وتجييرنجاحاتها لغايات خاصة ومحدّدة. ويخطئون أكثر إذا اكتفوا بالقول ”لن نسمح لهم“ ومضوا كأن شيئا لم يكن. وهنا بعض الأمثلة السريعة: شعار نزع سلاح حزب الله، ليس شعارًا جامعًا بل شعار رفعه متسلّقون بإيعاز من جهات خارجية. وللتوضيح، فان تعبير متسلّق فضفاض ولا يقتصر على بعض أحزاب السلطة ومنها القوات اللبنانيّة، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب الكتائب، وتيار المستقبل، بل يشمل نسبةً لا بأس بها ممن ينضوون تحت لواء المجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية. لا يمكن تجاهل هذه الشعارات واعتبارها ناتجة عن أفراد لا يمثلون سوى أنفسهم  ذلك أن رفعها أكثر من مرّة وفي غير مناسبة أخرج الجمهورالمؤيد للمقاومة من الساحات. والجمهور المؤيد مرّةً جديدةً هو غير الجمهور المحازب
يخطئ المنتفضون حين يسمحون بالتصويب على منصب رئاسة الجمهورية وعلى الرئيس ميشال عون. إذ أنّ هذا التصويب أظهر وكأن المشكلة هي مع هذا العهد ومع رئيسه الذي تقع على عاتقه مسؤولية الهدر والفساد دون سواه. ولا يكفي رفع شعار ”كلن يعني كلن“ لإزالة تهمة التصويب على شخص الرئيس على اعتبار أنّه جزء من الكل. فادعاء البراءة هنا غير مُستحب. إنّ الأضرار الناتجة عن استهداف الرئيس ميشال عون وتحقيره تارة بالحديث عن هروبه بثياب النوم في 13 تشرين 1989 وطورا بمناداته ”ميشو“، استفز العونيين، ودفع بهم الى الخروج من ساحات الانتفاضة. والعونيون هنا، هم غير المحازبين في ”التيّار الوطني الحر“. وهكذا خسرالمنتفضون كتلة ثانية لا يستهان بحجمها انسحبت من الساحات وأصبحت ضد الثورة. يضاف إلى هؤلاء، أولئك الذين يرفضون المسّ بالمنصب الأول على اعتباره خطّ الدفاع الأخير للطائفة المارونيّة
أخطا المنتفضون حين قطعوا الطرقات فور انتهاء مقابلة الرئيس عون وادعوا أن هذا العمل  غير مدبّر أو مقرّر سلفا. كما أخطأوا حين تظاهروا في محيط قصر بعبدا وطالبوا باسقاط الرئيس، فبدا المشهد شعبويًا ويوحي بالفوضى العارمة. وكأن كل الوعي الذي تمتّع به المنتفضون خلال الأيام الأولى من الثورة قد تبدّد، أو لعلّها من أفعال المتسلقين الذي يسعون الى تصفية حسابات سياسية مع الرئيس عون. قد لا يعجب هذا الكلام الكثرين، ولهم نوجّه السؤال: ماذا يعني اسقاط الرئاسة الأولى بعد اسقاط الحكومة؟ الفوضى؟ أم أنّ ثمّة بديل جاهز تحت الطاولة سيملأ الفراغ فور حصوله؟! والقول بأنّ البلاد سبق أن عاشت فراغًا رئاسيًّا ولم تتأثر، هو دليل سذاجة سياسيّة ولا يبشر بالخير. ليس دفاعا عن الرئيس، بل دفاعًا عن الأهداف التي لأجلها اندلعت الثورة والتي يحرّفها التصويب على منصب الرئاسة الأولى عن مسارها. أليس ملفتًا أن ثمّة شخصيّات سياسية نالت حصّة الأسد من التهشيم على حساب شخصيات أخرى بدت وكأنها لم ترتكب سوى بعض الجنح عبر تاريخها السياسي الطويل؟ ثمة طرفة قد تشرح الواقع أفضل من أيّ مثال. كان أميركيّ يحدّث روسيّا عن الديموقراطية في بلاده، وأعطاه مثالًا على ذلك أن بامكانه الوقوف تحت تمثال الحرية وشتم الرئيس الاميركي، فسارع الروسي إلى التأكيد أنّ بلاده لا تقلّ احترامًا للحريات عن الولايات المتحدة الاميركيّة إذ بامكان أيّ مواطن روسي أن يشتم الرئيس الأميركي في الساحة الحمراء في موسكو. الطرفة برسم سميرجعجع وبشري، ووليد جنبلاط وساحات الشوف، وسليمان فرنجيّة وزغرتا، وحزب الكتائب والأشرفية
ينزلق المنتفضون أحيانًا باتجاه خطاب التخوين، وكلّ انتقادٍ أو ملاحظة أو لفت نظرأو تساؤل يضع صاحبه في خانة المشكوك في أمره. أيّ اعتراضٍ على قطع الطرقات أوالأشارة إلى أن أطرافا سياسيّة هي التي تعمد إلى ذلك لغايات خاصة تضع المعترض في خانة عدو الثورة، هذا مثال من عشرات الامثلة التي جعلت البعض يشعرون أنهم يتعرضون إلى فحص دم ثوري مع كلّ كلمة ينطقون بها
أخيرًا وليس آخرا، مصيبة الفايسبوك والفبركة التي يُتقنها كلا الطرفين أعداء الثورة ومناصريها، إلى التنافس في اطلاق النكات السمجة أحيانًا، أو السباب والشتائم التي تجاوزت كلّ الحدود الأخلاقيّة، أصبح ذلك مهنة قائمة بذاتها والشكوى لغير مارك زوكريبرغ، سامحه الله، مذلّة

 

 

 

وفي اليوم الثلاثين: أخطاء السلطة بالجملة والمفرق

435

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، كان السواد الأعظم من المواطنين يُديرون يوميّاتهم على إيقاع الشكوى من الأوضاع العامة في البلاد: يذهبون إلى أعمالهم ويشكون رواتبهم المتدنّية. يعودون إلى البيت ويتذمّرون من انقطاع التيّار الكهربائيّ، ومياه الشفة، وتلوّث الهواء وروائح النفايات التي تختنق بها الأجواء كلمّا هبّت نسمة. يخرجون لتناول العشاء ويثرثرون حول سوء أحوالهم النفسيّة. يرقصون ويغنّون ويسكرون ويقولون إنهم يفعلون ذلك كالطائرمذبوحًا من الألم. يتناولون المهدّئات والمسكّنات ويستأنفون دورة يوميّاتهم الممّلة معلنين استقالتهم من الوطن واستقالة الوطن منهم

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، كان السواد الأعظم من المواطنين غارقين في هواتفهم يسخّرون وسائل التواصل الاجتماعي لاستعراض حياتهم على الملأ: ماذا أكلوا، وماذ شربوا، وأين سهروا، وأي ملابس اشتروا… وقد  يطلقون بين الفينة والأخرى موقفًا من هنا أو تعليقًا من هناك يخصّ شأنًا عامًا،أو قد يعترضون على تصريحٍ أو موقفٍ أو انتخاباتٍ أو…الخ كانوا، باختصارٍ يثورون افتراضيًّا، ثمّ يعودون إلى وتيرة الـ”نق” اليوميّ التي شكّلت جزءًا من روتينهم الممل

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، كان السواد الأعظم من المواطنين يهلّلون لكلّ ثورةٍ تنطلق في أيّ بلدٍ مجاورٍأو بعيد. يتماهون معها، يُناصرون أبناءها، يشدّون على أياديهم، يُحيّونهم، يرفعون شعاراتهم تعبيرًا عن تعاطفهم، يكتبون فصولًا من نضالاتهم على صفحات التواصل الاجتماعي، كأنّهم عاجزون أن يفعلوا مثلهم

قبل شهرٍ من اليوم تمامًا، تداعت مجموعة من الشبان والشابات للتظاهر في ساحة رياض الصلح اعتراضًا على زيادة 6 دولارات على فاتورة الواتساب. بدت الدعوة أشبه بدعابة سمجة، أحدثت زحمة سيرٍ خانقة، وقد فاق عديد القوى الأمنية التي حاصرت نقطة التجمّع أعداد المتظاهرين. لم تمضِ ساعات قليلة حتّى انقلبت الصورة إلى نقيضها. نزل المواطنون إلى الشوارع، أحرقوا الدواليب، اعترضوا وهتفوا وصرخوا. علت أصوات من هنا ومن هناك تنتقد الشعب الذي لم تحركه كلّ الأزمات المعيشيّة والاقتصادية إلّا عندما شعر أن فاتورة هاتفه مهدّدة.  لم يتوقّع أكثر المتفائلين صمود هذا التحرّك لما يزيد عن أربعٍ وعشرين ساعة كما لو يتوقّع أن يتجاوزعدد المشاركين فيه بضع مئات. لم يصدّق المواطنون أنفسهم أن ثمّة تحرّكًا حقيقيًّا وجديًّا وأنّ عليهم أن يشاركوا فيه ويكونوا جزءًا منه. لم يطل التردّد وسرعان ما امتلأت الساحات على مدى اليومين المتتاليين لانطلاق الشرارة الأولى. الأعداد إلى ازدياد، وكذلك الساحات التي لم تعد محصورة في بيروت، بل امتدت شمالًا وجنوبا وبقاعًا. وجاء اليوم الرابع، أي نهار الأحد الذي كان استثنائيا في حشوده. تجاوزمشهد الساحات كلّ المعايير والحسابات وبدت كلّ القراءات والتحليلات عاجزة عن استعيابه. الناس متفاجئون بقدرتهم، والسلطة مربكة لا تعرف كيف تتعاطى مع حالة لم تصادف مثيلها خلال العقود الثلاثة الماضية. كانت معظم التوقّعات تشير إلى أنّ صمود المنتفضين أسبوعًا كاملًا في الشارع، سيشكّل انجازًا كبيرًا ويفرض معادلات جديدة في المشهد السياسي المحلي. لكن السلطة دافعت بكلّ شراسة عن وجودها. رفضت تقديم تنازلاتٍ كان يمكن أن تساعد في لملمة الشارع سريعًا. حسنًا فعلت لأنها خدمت المنتفضين وزادتهم عزمًا على الاستمرار قدما في تدمير الهيكل على من فيه. لم يكن هذا الخطأ الوحيد الذي ارتكبته السلطة بمختلف أطيافها، بل جاءت قائمة الأخطاء طويلة هنا أبرزها

أخطأ رئيس الحكومة سعد الحريري حين طلب مهلة 72 ساعة (من شركائه في الحكم وليس من المنتفضين) ليخرج بعدها بما أسماه ورقة إصلاحية كشفت إصرار السلطة على الاستخفاف بالناس وبمطالبهم وبتمرير مشاريع تعزّز سياسة تقاسم الجبنة (مشروعي إليسار ولينور، خصخصة الخلوي، قانون العفو العام…) ثم أخطأ الحريري ثانيةً حين قدّم استقالته، وخصوصًا أنّه لم يفعل ذلك تحت ضغط الشارع، بل حاول استغلال الشارع المنتفض خدمةً لمصالحه. ظنّ الحريري أنّ بامكانه استنفارالسنّة ليطالبوا بإعادة تكليفه لتشكيل حكومة يفرض فيها شروطه، بعدما كان مغلوبًا على أمره ومقيّدًا في الحكومة المستقيلة. كاد أن ينجح في ذلك، ولكن المنتفضين كانوا بالمرصاد ونجحوا في عزل هذه المحاولة ووأدها سريعًأ

أخطا أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله  حين خوّن المنتفضين وطلب من مؤيدي الحزب ومناصريه الخروج من الشارع. السيّد نصرالله الذي يتمتّع ببعد نظرٍ وذكاءٍ حادّ، والذي تخيف حركة إصبعه الإسرائيليين وتجعلهم يبيتون في الملاجئ، فشل في مخاطبة اللبنانيين المنتفضين في الساحات. كان بإمكانه أن يحتضن الشارع بدلًا من أن يخونّه. ذلك أن حاجة المقاومة لغطاءٍ سياسيّ لا تبّرر القبول بسلطة فاسدة ومشاركتها نظام المحاصصة. لقد فوّت حزب الله فرصة ذهبيّة في استمالة الشارع من خلال تبنّي مطالبه، وذهب عوضًا عن ذلك للحديث عن مؤامرة تحرك المنتفضين، فأضاف إلى خسائره الشعبيّة خسارة جديدة. لا يمكن لجائع أن يقاوم، كما لا يمكن لمن يشعر بالإهانة اليوميّة من سلطته أن يواجه أيّ سلطة خارجيّة حتّى ولو كانت عدّوة. قال السيّد نصرالله أنّه في حال نزل حزب الله إلى الساحات، فلن يغادرها. قال ناس الساحات للسيّد وللسلطة مجتعمةً أنّهم لم يغادروا ولن يغادروا. خسر السيّد نصرالله من رصيده الشعبي في إطلالته الثانية وهو ما لم يستطع أن يعوّضه في إطلالته التصحيحيّة (اذا صح التعبير) الثالثة. وخسر حزب الله كحزب مقاوم قسمًا جديدًا من الخط الدفاعيّ الشعبيّ له، وليس المقصود هنا محازبيه بل عموم الناس الذين يتقاطعون مع الحزب في حربه ضد اسرائيل ويختلفون معه في القضايا الأخرى

أخطا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في كلّ اطلالاته المُصوّرة والمباشرة. أخطأ لأنّه استخدم الشارع ليوجّه رسائل إلى أخصامه السياسيين، في وقت كان المطلوب منه التوجّه إلى الشعب والشعب فقط، ليس انطلاقًا من أنّه”بيّ الكل“، الشعارغير الموفق الذي رفعه العهد، بل لأنّه رئيس كلّ لبنان وليس التيار الوطني الحرّ أو العونيين.  أمّا الخطأ القاتل الذي ارتكبه الرئيس عون وفريقه الإعلامي، فكان في اجراء مقابلة لم يحمل فيها أيّ جديد يقدّمه إلى اللبنانيين بعد ثلاثة أسابيع من نزولهم إلى الساحات والإقامة فيها، ومرورعشرة أيام على استقالة الحكومة من دون البدء بالاستشارات النيابيّة لتشكيل حكومة جديدة

أخطأ رئيس التيار الوطني الحر، وزير الخارجيّة جبران باسيل في تسيير تظاهرة إلى قصر بعبدا دعمًا للرئيس عون ممّا أوحى أنّ المعركة هي بين من هم مع العهد ومن هم ضدّه. ولا يبرّر رفع بعض المتظاهرين شعارات ضد الرئيس، وهي شعارات مرفوضة ولا تشكل أساس التحرك ولا تصب في خدمة مصلحته أصلًا، أن يأتي ردّ التيّار تسيير تظاهرة دعم  إلى بعبدا يترأسها باسيل الذي يخاطب الناس بفوقيّة وتكبّر مستفزين

أخطأ محازبو التيار وحزب الله حين انكفأوا عن المشاركة في الثورة، وساهموا من حيث يدرون أو لا يدرون في الايحاء بأنّ حركة الشارع موجّهة ضد حزبيهما. بدت القوات اللبنانيّة والحزب التقدمي الاشتراكي أكثر دهاءً على هذا المستوى، بعد أن حشد هذان الحزبان أنصارهما في الساحات بصفة مواطنيني متضررين من سياسات الحكومات المتعاقبة التجويعيّة. لا أحد ينكر حق أي مواطن لبناني أيًّا كان انتماؤه السياسي من النزول إلى الشارع والتعبير عن رفضه نهب المال العام والمطالبة باعطائه ابسط حقوقه في العيش الكريم. لكن بين المشاركة والتسلّق فرق شاسع يعرفه الحزب التقدمي الاشتراكي وتتقن فنونه القوات اللبنانية استغلالًا وتوظيفًا. هنا أيضًا يكمن الفرق بين الخبث السياسي (القوات – الاشتراكي) وبين الادعاء والتعالي والسذاجة أحيانًا (التيار – حزب الله

أخطأت السلطة مجتمعةً حين اعتبرت أن المطالبة بقادة أو متحدّثين باسم الحراك (ترفض أن تسمّيها ثورة وهذا خطا آخر) بحجّة محاورتهم سيلقى آذانًا صاغية لدى المنتفضين.  وممّا لا شكّ فيه أن الوعي السياسي الذي ابداه الشارع في التعامل مع السلطة قد فاجأها  فعلا، كما أخطأت السلطة مجتمعةً حين اعتمدت سياسة النعامة مدّعيةً أنّها لا تعرف ما هي مطالب المنتفضين وتحتاج إلى من يحدّدها لها، ولكنّها أبدت، في المقابل، معرفةً تامّةً بالشعارات التي رُفعت ضد العهد حصرًا أو ضد المقاومة أو بتلك التي طالبت بنزع سلاح حزب الله. هو الخطأ نفسه في الادعاء بأنّ ما يُكتب من مطالب على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مرجعًا صالحًا للاعتماد عليه، ولكنّه كافٍ لأن يُجرّم كلّ من يكتب ضدهم بتهمة القدح والذم أو تعريض الأمن القومي للخطر

أخطأت السلطة في السكوت عن اقفال المصارف نحو شهر كامل والادعاء أن من شأن ذلك حماية الليرة وتثبيت سعر صرفها مقابل الدولار. وأخطأت أكثر حين أدعت أنّها تحاول حماية الموظفين من تنمّر المودعين. وأخطأت أكثر فأكثر في استخدام اقفال المصارف للضغط على المنتفضين والايحاء بأنّهم السبب في الانهيار الاقتصادي الحاصل في البلاد

  أخطأت السلطة مجتمعةً أو منفصلةً في كلّ موقفٍ اتخذته منذ 17 تشرين الاول وحتّى اليوم وكانت في كلّ ما تقول أو تفعل تخسر من رصيدها وتزيد من رصيد الثورة. لم يكن يحتاج المنتفضون لأكثر من انتخابات نقابة المحامين دليلًا إضافيًّا على أنّ السلطة تتّحد من أجل تأمين مصالحها

أين أخطأت الثورة وأين أصابت ، عنوان الحلقة الثانية

الاتهام في الاتجاه الخاطئ

وفي اليوم التاسع للثورة (وليس الحراك) تحدّث أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله عن تأثير الاحتجاج الشعبي على مجمل الوضع الاقتصادي، وطالب المنتفضين بتحديد مطالبهم، وتشكيل وفد باسمهم للتفاوض مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون

وفي اليوم الثامن للثورة طرح رئيس الجمهوريّة ميشال عون السؤال نفسه بشأن مطالب المنتفضين! كما يطرح المسؤولون السؤال نفسه كلّ يوم! كأنّ المواطنين يعيشون في كوكب الأرض وتعيش السلطة في كوب المريخ، وقد هبطت عليهم فجأة لتستفسرعن أسباب الصراخ

في المقابل، ما زال مندوبو بعض المحطّات التلفزيونيّة يصّرون في اليوم الحادي العشر للثورة على طرح السؤال نفسه “ليش أنت هون وشو بدك تقول؟”! بإمكان كلّ من يتساءل عن أهداف الثورة ومطالبها أن يتنقل بين شاشات التلفزة والفضائيات ليكوّن فكرة عمّا يُرديه المنتفضون. إقتراح أوليّ وبديهيّ، علمًا أن الإصرار على هذا السؤال يوحي بوجود نيّة واضحة لدى بعض المحطّات التلفزيونيّة لتحوير أهداف الثورة وحشر أسباب غير تلك المُعلنة بالخط العريض في اللافتات التي رفعت في طول البلاد وعرضها، وفي الحناجر التي صدحت حتّى بحّت: ثورة ضد السلطة الفاسدة

دخلت الثورة أسبوعها الثاني ولم تسقط في كلّ الحفر والأفخاخ التي نُصبت وتنصب لها منMKZSSBEHRS مختلف أطراف السلطة المُرتبطة بجهات خارجيّة. الارتباط ليس معلومة جديدة ولا يستدعي دهشة البعض واستنكاره وكأنّهم يسمعون به للمرّة الأولى. جميع من في السلطة مرتبط بجهات خارجيّة. ارتباطات تغطي خارطة واسعة من دول العالم: ايران، السعودية، أميركا، اسرائيل، قطر، سوريا، كوريا الشماليّة. ارتباطات تكاد تجعل من لبنان مكانًا مناسبًا لمركز الأمم المتحدة. فلكلّ دولة مربض لخيلها في هذا البلد الصغير. حقيقة يعرفها القاصي والداني. لذا، ليس مُفاجئَا أن يسعى كلّ متضرّر من الثورة العمل على إفشالها وبث الشائعات لتخويف الناس وتفريقها، أو رفع شعارات وهتافات غير جامعة ومنها على سبيل المثال لا الحصر”إرهابي إرهابي حزب الله إرهابي”، أو طرح التصويت ضد المقاومة من خلال روابط تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن المنتفضين أثبتوا حتّى الآن قدرة على التماسك والحفاظ على الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة ولفظ كل الطفيليين. ليس تفصيلًا أن يكون هناك نحو مليون ونصف مليون مواطن في الساحات اللبنانيّة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مرورًا بالعاصمة بيروت وصولًا إلى البقاع. ليس كلّ هؤلاء غير مسييسين. ليس صحيحًا أنّ كل هؤلاء لا ينتمون إلى أحزاب أو طوائف أو مذاهب. ليس صحيحًا أن كلّ هؤلاء علمانيين (وإلّا كانت الدنيا بألف خير)، ولكن الصحيح أنّ لدى كلّ هؤلاء مطلبًا واحدًا جامعًا، وكلمة جامع هنا أساسيّة، وهووقف الفساد والهدر ومحاسبة المسؤولين واسترجاع الأموال المنهوبة. لذا، فإنّ إدراج مطالب خارج الأطر التي وحّدت المواطنين ودفعتهم إلى الساحات ليس بريئًا، ولا يمكن وضعه في خانة حرّية التعبير عن الرأي. وإذا كان ثمّة حديث عن مؤامرة ما فهذا صلبها. من هنا، فإن الحديث عن سلاح المقاومة وطرحه ضمن مطالب الثورة هو حديثٌ يهدف إلى شقّ صفوف الثوار واستبعاد فئة كبيرة من المواطنين الذين ما زالوا في بيوتهم رغم رفضهم لسياسة الافقار. لا يعني هذا الكلام، تحييد حزب الله عن أي مساءلة واعتباره فوق الشبهات، فهو شريك في الحكم، والشراكة تعني تحمل المسؤولية كاملة. والساكت عن السرقة لا يقل فسادًا عن السارق نفسه، هذا إذا افترضنا أنّ كلّ نوّاب حزب الله ووزرائه لم يستفيدوا من المال العام أو يشاركوا في صفقات مشبوهة، وهو ما ستظهره المحاسبة. وهذا ما يعنيه شعار “كلن يعني كلن” الذي يحتاج، في المناسبة، إلى استبدال أو تطوير أو تحديث انطلاقًا من أنّ الثورة تحتاج إلى انتاج شعاراتها الجديدة، وعدم استخدام شعارات استُنزفت وشوّهت ولم تؤد أهدافها في السابق. وما يصحّ في حالة حزب الله يصح في حالة التيّار الوطني بمعزل عن كونهما حليفين سياسيين. لم تنفجر الثورة ضد التيّار ولا ضد رئيسه السابق الذي أصبح رئيسا للجمهورية. ردّدت الثورة وتردّد المطالبة بمحاسبة كلّ المسؤولين اعتبارا من العام 1990. ويفترض أن تطال هذه المحاسبة الأحياء منهم والأموات، لتكون سابقة في لبنان. فلنحاسب الذين رحلوا أيضا على ما اقترفوه في البلاد والعباد، فإما أن  تثتب براءتهم إلى أبد الأبدين وإما أن يثبت فسادهم وتنتهي كلّ الأساطير في لبنان دفعة واحدة على أمل بناء بلدٍ جديدٍ بكلّ ما تحمل هذه العبارة من عمق ومعنى. صحيح أنّ العهد القويّ ليس الأسوأ مقارنة بعهود ما بعد الطائف. ولكن ما ينكره العونيون أنّ تيّارهم هو الأكثر تبجّحًا وادعاءً بتصويب البلاد واعتماد سياسة الشفافية، وهو ما لم يفعلوه، بل فعلوا العكس تمامًا، وستثبت المحاسبة صحّة هذا الكلام أو تنفيه

إنّها ثورة شعبية، ميزتها أنها من دون قيادات أو رأس محرّك بالإذن من كل من قال عكس ذلك مباشرة مثل السيد نصرالله أو مواربة. وكلّ حديث عن متحدثين باسم الثورة أو دعوة إلى تشكيل لجانٍ، أو أوراق عملٍ، أو تقديم مطالب هو إجهاض للثورة. من يجرؤ اليوم على تبوء منبر والادعاء أنّه يتحدّث باسم الثوّار الذين يقيمون في الشوارع منذ أحد عشرة يومًا؟. إنّها ثورة شعبيّة، لذا وجّه السيد نصرالله إصبعه هذه المرّة إلى الجهة الخطأ وحملّها مسؤولية تعطيل البلاد، بدلًا من أن يفرض على شركائه في السلطة اتخاذ تدابير اجرائية فعلية لتخفيف نقمة الناس عوضًاعن مفاقمتها من خلال خطاب المهانة والتكبّر والاستغباء الذين تناوبوا على تلاوته

يبقى جيل الشباب، الذي ولد بعد انتهاء الحرب، هو المفاجأة الكبرى في الثورة ليس في حضوره الملفت فحسب، بل في المنطق المنفتح الذي يتحدّث به. يرفض هذا الجيل إلغاء الأخر، ويقول: ” تعالوا نتحاور“، وإذا أردنا أن نعبّر عن آرائنا فلنسمح للآخر أن يفعل الشيء نفسه”. يميّز بين الحالات الفردية والتجاوزات التي تشهدها أي ثورة وبين الاختراق المنظم. أما جيل الحرب شاهدًا كان  أو مشاركًا أو ضحيّة، فهو أكثر عدائيةً وأقل رحابة صدر. قد لا يُلام على ذلك، والثقة لا تُبنى بين ليلة وضحاها. ولكن، فلنفسح المجال للشباب حيث لا لغة تخوين، والأهم لا توزيع علامات أو تعليق نجوم في سلّم الوطنية

الدهشة المُدهشة

downloaddownloaddownload

يبدو أن داءً جديدًا قد أصاب اللبنانيين اسمه داء الدهشة. كلّ ما يجري من حولهم يدهشهم بشكل قبليّ وجماعيّ مهما بدا أمرًا عاديّا أو تافهًا. وأغرب ما في داء الدهشة أنه يتفاعل ويتكاثر بشكلٍ جنونيّ مع مسائل مكرّرة على مدى عقودٍ من الزمن. يقف المصابون بهذا الداء عند حدود الدهشة التي يبدو أنها تعطّل كلّ أنواع الانفعالات والتفاعلات الأخرى. دهشة فقط لا غير يقتصر فيها التنويع على السلّم التصاعديّ لهذا الشعور. يُعيد اللبنانيون انتاج قضاياهم التي تتكرّر بشكلٍ مُضجرٍ وسمجٍ ومن ثمّ يندهشون لها، ويندهشون لمن لا يندهش معهم أو يندهش من اندهاشهم. أمّا من يُطالبهم بتخطي الدهشة نحو رد فعل عمليّ فهو برأيهم مُنظّر ولا يصلح لأن يكون مواطنًا لبنانيًّا صالحًا وخصوصًا أنه يُعاني من نقصٍ حادٍ في الدهشة

ما زال اللبنانيون يندهشون لانقطاع التيار الكهربائي مثلا . يندهشون كأن ذلك الانقطاع الذي يحدث منذ ان انطلقت الحرب اللبنانية في العام ١٩٧٥، إنما يحدث للمرّة الأولى ويعكّر لهم صفاء يوميّاتهم. يندهشون فحسب. وزيرة الطاقة ندى البستاني نفسها مندهشة إلى حد أنها  تكبّدت عناء الإعلان عن أن ساعات التقنين ستزيد خلال فصل الصيف. لا جديد في الموضوع يستدعي الإعلان، ولكانت دهشتها ودهشة اللبنانيين مبرّرة بل مطلوبة بشدّة لو حصل العكس، أي عودة التيار الكهربائيّ إلى أرجاء الوطن السعيد بعد طول غياب، لا قدّر الله

ما زال اللبنانيون يندهشون أنهم يعيشون في بلدٍ طائفيّ أشعل عبر تاريخهم الحديث والقديم حروبًا أهليّة طويلة. اندهشوا إلى حدٍ بدا معه أن كل رصيد الدهشة عندهم قد نضب عندما علموا أن رئيس بلدية الحدث رفض تأجير مسلمين في بلدته. ورغم أن الدهشة هنا تتّخذ فعل التصويب السياسي، ولكنها دهشة مدهشة فعلا. ليس دفاعًا عن رئيس بلدية الحدث ولا تبريرًا لما أقدم عليه، بل لأن هذه الحادثة تحديدًا تكرّرت في المنطقة عينها قبل عقد من الزمن . وما حدث في الحدث يحدث كلّ يومٍ في غير منطقة وبلدة لبنانيّة من دون تعداد أسماء المناطق والأحياء حتى لو بدا ذلك غير مهنيّ، ولكن تجنّبًا لسقوط مزيدٍ من ضحايا الدهشة

ما زال اللبنانيون يندهشون أن بحرهم ملوّث. ويكاد يُغمى عليهم من شدّة الدهشة معتبرين أنّ في الأمر مؤامرة لضرب موسم السياحة في  لبنان. وحين تختلط الدهشة بالمؤامرة، فهي تخرج ألطف النكات وأطرفها من جعبة اللبنانيين. يندهشون  رغم انهم يدركون أن مجارير الصرف الصحي تصبّ في بحر بيروت. ويندهشون رغم أنهم يُدركون أن بحر العاصمة محاصرٌ بمكبيّ نفايات من كبار المكبّات (الكرنتينا شمالًا والكوستا برافا جنوبًا). وبحر بيروت هو على سبيل المثال لا الحصر، إذ لكل منطقة ساحلية خصوصيتها في التلوث البحري وتستدرج أنماطًا أخرى من الدهشة الموصوفة

ما زال اللبنانيون يندهشون من فساد السلطة السياسيّة، ويندهشون من تربّع الشخصيّات السياسيّة نفسها على عرش السلطة منذ تاريخ لم يعد يذكرونه. يندهشون إلى حدٍ ينسون أنهم يجدّدون لهذه السلطة في كلّ موسمٍ انتخابيّ. ولا عتب عليهم لأن الدهشة في نسختها اللبنانيّة تعطّل كلّ الحواس الأخرى وتجدّد نفسها بشكل تلقائيّ

ما زال اللبنانيون يندهشون وقائمة الدهشة لديهم طويلة وطويلة جدا. يستيقظون مدهوشين وينامون أكثر دهشة ويفرّغون دهشتهم على صفحات التواصل الاجتماعي من دون أن تدهشهم قدرتهم على التفاعل مع أحداث تعاني من اجترارٍ مملٍ ومقيت. وهكذا دواليك. وبين الدهشة والدهشة يفاجئونك باندهاشهم من عنصريتهم. يمارسون عنصريتهم منذ فجر التاريخ، منذ أن قرروا أنهم متفوقون على محيطهم، ومنذ أن منّنوا العالم أنهم صدّروا الحرف، ومنذ أن استقدموا العمال والعمالات الاجانب وتفنّنوا في تسخيرهم لخدمتهم ، ومنذ أن طاردوا العمّال السوريين في الأحراش عشية  ما أطلقوا عليه اسم ”ثورة الأرز“ لأنهم سوريون ويحملون نفس جنسيّة النظام الذي أذلهم على مدى عقود. يندهشون من مؤسسات تطلب توظيف لبنانيين فقط إلى حد تظن أن لبنان هو مهد الأمميّة. وبعض المندهشين استطرادًا هم ممن حاربوا العمالة السورية  في زمن آخر، (والانفصام في الشخصيّة مرض آخر يعاني منهم اللبنانيون وشرحه يطول). يندهشون من عنصرية صادرة عن وزير خارجيّة ”العهد القويّ“ ربّما لأنه تفوّق عليهم في التعبير عن عنصريته . بلد مدهش وشعب أكثر إدهاشا. عشتم وعاشت الدهشة مادة نجتر بها، نحن اللبنانيين، يومياتنا البائسة

.

رجل الاحتمالات الصعبة

 جاد رجل الاحتمالات الصعبة ، هكذا يسمّي نفسه. ولعّله كذلك في عائلتنا الصغيرة. قال له الطبيب إن احتمال التعقيدات في مرضك ضئيلة، فأجابه: “أنا رجل الاحتمالات الضيئلة”. لم يكن يبالغ، فلا أحد يفتخر بقلّة الحظ أو معكاسة الأيام له.  لم يكن الطفل المدلّل، لأننا حصلنا جميعًا على الدلال، وظنّ كل منّا أنه المحظيّ في العائلة. ولكن ممّا لا شكّ فيه أنه كان الأكثر عنادًا. كان والدي ينعت عناده  بـ (الراس اليابس). لم يظلمه في هذا الوصف، لأنه هو فعلًا كذلك. حدّد خياراتها المهنيّة السياسيّة ورسم كل تفاصيل حياته من دون أن يستشير أحد، ولا ان يأخذ بنصيحة من هم أكبر منه سنَا وخبرة، والمقصود هنا والدي تحديدا الذي كان يفترض كما كل الآباء (وكما يفترض جاد في علافته بابنه جود) انه الأدرى بمصلحته. كانا على اختلاف دائم في الآراء، كانت علاقتهما نديّة وهي شروط فرضها جاد. ولكن والدي كان يخفي اعجابًا بشخصية جاد يعبّر عنه بالقول أمامي وليس أمامه: “ما بخاف علي، بيعرف شو بدو”.  دائم الثقة  بأنه يدري تمامًا ما يفعل وأنه رجل مسؤول حتى حين كان ما زال مراهقا. اسوق هذا الكلام لأقول لجاد شقيقي كاتب المقال أدناه، أنّ “يباس الراس” له فوائده، ولن يقف في طريقه “راوند تاني” من العلاج الكيمائي. هكذا يُحب أن يُدلّع الكيمولعّل ذلك يجعل مروره في خلاياه أكثر سلاسة. نوع من التحايل على الألم . ولأنك عنيد ومثابر ستتعامل مع “الملل” أفضل من تعاملك مع العواطف الجيّاشة التي تقول أنك تخشاها. سيكون هناك طعم جديد لكل ما سيأتي بعد “لكن”. أما كل  ما هو قبل “لكن” يستحيل ماضيا ليس إلا

https://www.al-akhbar.com/Literature_Arts/272169/مللت–ولك#

  عيد الأم: حين تهبط السماء على الأيتام

قالت لي صديقتي ساره عمّار، كم أتمنى أن اقرا في زحمة ما يُكتب في مناسبة عيد الأم، عن الاحتفالات التي تجري في المدارس والتي لا تأخذ في عين الاعتبار وجود أولاد فقدوا أمهاتهم: الأيتام. نكتب عن أم الشهيد وأم الفقيد وأم الأسير وأم المقاوم وأم المناضل اللواتي نحترمهنّ جميعًا ونقدّر صبرهنّ ومعاناتهنّ. نكتب عن أمّهاتنا وتضحياتهنّ بعدما ننقي العلاقة من كل شائبة أو عراك أو خلاف أو اختلاف. نكتب ونكتب بفيضٍ من حب وحنان لنحبّر مئات الصفحات التي قد لا نجدها كافية لإيفاء الأم، أيّ أم حقّها. لا انتقاص من قيمة ما قيل ويُقال وسيُقال للأم  في عيدها، وإن كانت وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الأمر حبّة زيادة  وفرّغت المناسبة، كما الحال مع أي مناسبة أو حدث، من معناها لشدةّ ما أشبعتها وصفًا وعواطف جيّاشة. إنه حق التعبير لا اعتراض. و”كلّ مين على صفحتو صيّاح“. ولنا أن نقرأ أو لا نقرأ. ولا بأس، في أي حال، ”راح الكتير وبقي القليل“. اليوم تستقر الورود في الأواني، وتُفتح الهدايا وتُقطّع قوالب الحلوى ويمتلىء الفايسبوك بالصور والأغاني والمعاني  ويفترض أن تقفل بعدها  صفحة عيد الأم، وغدًا يوم آخر وموضوع جديد ولغو مختلف. وحدهم الأطفال- الأيتام، لن يكون يومهم غدًا آخر. هكذا أخبرتني ساره. قالت لي إن معاناة الأطفال أو الأولاد وحتى من هم في صفوف عليا لا تنتهي مع انتهاء هذا اليوم. ذلك أن حجم الاحتفالات والتهليل الذي يجري في المدارس يُدخل الأيتام في حالٍ من الاكتئاب الشديد يصعب إخراجهم منها بكلمة لطيفة أو بغمرة حنونة. ولن يخفّف من وطأة الغياب القول بـ”أن ماما بالسما“. أظن، ولا أدري لهذا الظن سببًا أو علمًا أن هذا أسوأ ما يُمكن أن يقال لطفل في هذه المناسبة. ماذا يفعل الأيتام في هذا اليوم حين تكون المدرسة عن  بكرة أبيها منهمكة في الاحتفال بعيد الأم؟ ما علاقة  المدرسة في هذا الموضوع أصلًا. لديها كل الأعياد والمناسبات لتحييها على مدار السنة وتبتكر نشاطات تلهي فيها الطلاب ولا سيما الصغار منهم. ماذا يفعل الأيتام ( ولا علاقة لليتم بالمدرسة الرسميّة أو الخاصة ولا بالفقراء والأغنياء ولا بدين أو طائفة) حين ينهمك الأطفال في رسم قلوب وورود لأمهاتهم في الصف وينسخون عبارات كتبتها المعلمة على اللوح على بطاقة المعايدة التي صنعوها بأياديهم وسط فخر المعلمة وزهوها؟ ماذا يفعلون؟ هل يخرجون إلى الملعب مثلًا كما يحصل في دروس الدين لمن هم من غير طائفة  الدين التي يُدرّس؟ هل ينتقلون إلى الإدارة لإنجاز فروض ما؟ هل يرسمون مثلهم مثل باقي الاطفال ويرسلون البطاقات إلى السماء وهم يدركون في قرارة أنفسهم أن هذا لا يكفيهم ولا يرضيهم ولا يرد دمعة تنهمر على خدودهم الطريّة؟

لماذا لا تُمنع التحضيرات لعيد الأم في المدارس؟ ألا يستحق هؤلاء الأيتام هذه اللفتة حتى ولو كان في الصف يتيم واحد؟ وخصوصًا وأن الاحتفال المدرسي يزيد من معاناتهم ولا يخفّف عنهم. تحكي ساره عن معاناة الأطفال خلال اعوام تعليمها الطويلة في هذا اليوم. تحكي عن محاولاتها البائسة بإقناع الإدارة الغاء هذا اليوم من روزنامة المدرسة. تحكي إلى أي مدى باتت تكره عيد الأم، وهي أم. انتقلت إليها كآبة الأيتام، وبات هذا اليوم يومًا حزينًا بالنسبة إليها

لماذا لا يبادر المجتمع المدني النشيط جدًا إلى إثارة هذا الموضوع؟ لماذا لا تبادر الجمعيّات الحقوقيّة وهي إلى تكاثر في البلد إلى تبني هذه القضيّة؟ لماذا نترك الأيتام يشعرون باليتم مضاعفًا في هذا اليوم العالمي. تحيّة إلى كلّ يتيم كبيرا كان أو صغيرا، طفلا أو مراهقا  شابا أو إنسانَا ناضجًا. تحيّة له في هذا اليوم الذي يتمنى ألّا يكون فيها سماء تقيم فيها أمه، أو يتمنى أن تهبط عليه السماء فيلتقي أمه ويعطيها بطاقة معايدة رسمها لها في الصف

+

لور ومازن والإدهاش الدائم

ما بين لور غرّيب ومازن كرباج لا يشبه أي علاقة تجمع بين شخصين آخرين، لا بين أم وابنها ولا بين صديقين ولابين فنانين. هما كلّ هذا وأكثر. لذا، لا يأتي عنوان معرضهما الأخير في متحف سرسق”بيني وبينك“ من عبث، بل هو نتاج أربع أيادٍ ترسم وتقول وتعبّر على الورق وبأقلام الحبر الصينيّ التي يستعملها المهندسون عادةً في رسم خرائطهم والأقلام المُلوّنة التي تعيدنا إلى زمن الطفولة والبراءة. لا تقّلل الأدوات التي يستخدمونها في رسمهما من قيمة هذه الأعمال بل تعطيها بعدًا خاصًا ومميزًا لتصبح بمثابة بصمتهما الخاصة. لا يحتاج مازن ولور إلى توقيعٍ أسفل أعمالهما للتعرّف عليها. إذ تلتصق رسوماتهما بهما كما يلتصقان هما بها. إنها تجربة فريدة تشبه بفرادتها العلاقة التي تجمع بين لور الأم الناقدة والشاعرة والرسّامة (88 سنة) ومازن الإبن الموسيقي ورسّام الكوميكس( 44 سنة). يعادل عمر مازن نصف عمر لور، ولعلّ هذا ما جعلهما يلتقيان في منتصف الطريق حيث حمل كلّ واحد منهما تجربته وأفكاره وآراءه  وجسدّها بأسلوبه الخاص على الورق. هما لا يكمّلان بعضهما، ولا يشكّل هذا الأمر هاجسًا لديهما أصلًا، بل يتخاطبان ويتحادّثان ويتحاوران بشتى الأمور التي تخطر في بالهما، وقد يختلفان أيضًا مثل أي فردين آخرين مع فارق وحيد ولكنّه جوهريّ وهو أنهما يفعلان ذلك عبر الرسم. مازن برسوماته الكاريكاتوريّة وأسلوبه التهكميّ ولور بمنمنماتها وخطوطها الدقيقة، يطلقان حوارهما المرسوم الذي يذكّر بسوق عكاظ. أحداهما يفتتح الحوار- الرسم ويأتي الآخر ليكمّله وهكذا دواليك إلى أن يكتمل عملهما الذي ينتهي مع انتهاء الحوار أو اشباع الفكرة قيد النقاش.  ما تزال هذه التجربة التي انطلقت في حرب تموز 2006  مستمرة حتى اليوم حاملةً كلّ عناصر الإدهاش. لذا، لا يمكن لمن يتابع أعمال لور ومازن أن يشعر بالملل أو التكرار. إذ ان أفكارهما في تجدّد دائم يحتاج معها المرء إلى أن يقف مطولًا أمام كلّ عمل لمراقبة التفاصيل وقراءة النصوص التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من العمل. أما أسلوبهما، فقد أصبح فنًا قائمًا بذاته تطوّر وتعمّق مع مرور الأعوام ليفرض نفسه في الساحة الفنيّة

التجربة التي بدأت على دفترين منفصلين كانا يتبادلانهما أثناء حرب تموز 2006 أسست لتجربة الرسم بأربع أياد التي جمعت بين رسم مازن العفوي والسريع ووجوهه الضخمة والكاريكاتورية وبين خطوط لور الدقيقة والمُتقنة. ورغم تطور التجربة التي عرفت محطات  متعدّدة  في معارض حملت أسماء مختلفة منها بورتريه ذاتي تحت عنوان”إنت وأنا حبر وورق“(2008) ثم كتاب”غدًا لن يأتي“ (2014)، فـ ”أبجدية لور غريّب ومازن كرباج“ (2015)، فقد حافظ كلّ واحد منهما على هامشه الخاص ومساحته التي يتميّز بها. قد لا تعرف من بدأ العمل ومن أنهاه، ولكن الأكيد أنه يمكن تمييز خطوط لور عن رسوم مازن من دون أن ينتقص هذا التمييز من جماليّة العمل وانسجامه وانصهار الأيادي الأربعة في اتمامه بشكلٍ فنيّ مثيرٍ للإعجاب والدهشة. لم تنجح المسافات التي فصلت الأم عن ابنها أو لور عن مازن، هو في برلين منذ ثلاثة أعوام وهي ما تزال في بيتها في الأشرفية، في انهاء التجربة  أو الحد من تطورها. ما كان يفعله التاكسي في العام 2006 منتقلًا بين حرج ثابت حيث كان مازن يقيم  والأشرفية حيث تقيم لور لإتمام عملية تبادل دفتريهما، تولته هذه المرّة إحدى شركات البريد السريع تحمل اللفات من بيروت إلى برلين وبالعكس. وجاءت النتيجة لفافة بطول المئة متر تزيّن جدران متحف سرسق بشكل دائري وقد ملأتها الأيادي الأربع بخطوط ورسوم وكلام .وهكذا قهر لور ومازن المسافات وحوّلا مجددًا اللفافات إلى عمل فنيّ يعكس مواقفهما من الأحداث المحيطة إلى الثرثرة والحب والضحك والتأمل. إنها حياة كاملة تجري على الورق لا نراها بالعين فقط بل نقرأها ونعيشها معهما لحظات جميلة وممتعة ومميّزة. إنها تجربة مفتوحة على اللانهاية

فقاعات صابون الزواج المدنيّ

 

p10_20090612_pic1
الصورة من جريدة الأخبار:كريستيان بستاني

 

أمّا وقد عاد الزواج المدنيّ قضيّة مطروحة على بساط البحث في لبنان، فليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل. لا تعدو هذه القضيّة كونها فقّاعة صابون. نلهو بها بفرح الأطفال ثم لا تلبث أن تتلاشى بانتظار أن يأتي من ينفخ في القضية محدثًا فقاعةً جديدة، وهكذا دواليك. لا يحمل هذا الكلام أي تشكيك في نوايا وزيرة الداخليّة ريّا الحسن. لعلّها لم ترض في قرارة نفسها أن يُسجّل عليها وصولها إلى وزارة الداخليّة من دون أن تحرك ساكنًا. إنه موقف مبدئيّ ولو كنت مكانها (افتراضيًا طبعًا) لأثرت الموضوع غير عابئة بموقف رجال الدين الذين لا أعبأ بموقفهم أصلًا، وأنا مواطنة من درجة عادية. وقد يكون في إثارة القضية، وهي ما تزال تتلمس دربها في وزارة الداخليّة نوع من كسب شهرة ما ودعم وتعاطف شعبيين وهو هاجس كلّ من يتبوأ مركزًا مهمًا في الدولة. لقد كانت من دون شك حديث البلد بكل وسائل تواصله الاجتماعي والاعلامي والسياسي والديني. فقاقيع صابون ملوّنة كأننا في مهرجان الربيع في عزّ فصل الشتاء. شتاء القضايا المُعلّقة والمؤجلة وعلك الصوف. لن تنجح ريّا الحسن وزيرة الداخليّة في مسعاها حتى لو وُقّع بدل العريضة ألف عريضة. ليست المشكلة في رجال الدين كما يُصوّر الموضوع. هم مشكلة لا شكّ، ولكنهم ليسوا المشكلة الوحيدة. ولا أظن أنّ رجال الدين في لبنان وفي أكثر دول العالم حضارة سيوافقون من اليوم وحتى يوم القيامة على إقرار الزواج المدني، لأنهم بكل بساطة رجال دين. ولا أخال أن أيّ عاقلٍ ينتظر أن يبارك مفتي الجمهورية ومن يوازيه في الطوائف والمذاهب الأخرى (عملًا بمبدأ 6 و6 مكرّر وحتى لا يُفسّر الكلام وكأنه تصويب على طائفة دون سواها)  خطوة الوزيرة ريّا الحسن وأن يأخذوا معها صورة رسميّة وليست”سلفي“(لأن هذه التصرفات غير لائقة بالمقامات الدينيّة وهي ضد الدين ربما) ويقولوا لها لتكن معركة شريفة ولنشرب نخب المنتصر. مشهد سورياليّ بحجم سورياليّة الآمال المُعلّقة على إقرار الزواج المدنيّ في لبنان

 ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل وإن كنت أمني النفس أن يأتي يوم يقال لي فيه: لقد خسرت الرهان يا بومة الشؤم

ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل بأن هذه القضية ستبلغ خواتمها السعيدة في المدى المنظور أو البعيد من دون أن يمنعني ذلك، كمواطنة من درجة عادية، من توقيع  وفعل كلّ ما يساهم في إحقاق الزواج المدني الاختياري. ولا ادري كم عريضة وبيان ومنشور وقعت عليه  حتى الآن.  أما أسباب التشاؤم فلا علاقة لها بسلطة رجال الدين ولا بفساد الدولة ولا بخبث السياسيين الذين يحلّلون ويحرّمون وفق مصالحهم الخاصة، بل هي مرتبطة بالشعب اللبناني العظيم الذي تنخر الطائفيّة عظامه، فإذا به بدل من أن يتقدّم  خطوة في اتجاه نبذ الطائفية تراجع خطوات باتجاه المذهبيّة. أسباب التشاؤم تعود إلى أن ثمّة مواطنين ما زالوا يقولون”الغربية“ للدلالة على منطقة رأس بيروت و”الشرقيّة“ للدلالة على منطقة الأشرفيّة، لأنهم لم ينجحوا في التخلّص من تقسيمات وتعابير فرضتها حرب استمرت خمسة عشر عامًا ومضى على انتهائها زهاء تسعة وعشرين عامًا. أسباب التشاؤم تعود  لأن أي حديث مع أي شخص تتعرف عليه رجلًا كان أو امرأة بمعزل عن الظرف والمكان والمناسبة يبدأ بسلسلة أسئلة ترمي إلى الكشف عن هويتك الدينيّة ما لم يدلّ اسمك على ذلك بوضوح. في ظل هذا الواقع، لا يعود مستغربًا أن نسب المواطنين الذين لا يؤديون الزواج المدني فاقت بثلاثة أضعاف أولئك الذين يؤيدونه وفق ما اشارت إليه إحدى العرائض التي يجري تداولها للتوقيع عليها

بالأمس، وأعني الأمس بالمعنى الحرفي للكلمة، سمعت هذا الحديث بين سيدتين تنتظران الأوتوكار الذي يقل أولادهما من المدرسة

 مبارح في واحد عرض اولادو للبيع على الفايسبوك

تتابع السيدة نفسها: الله يساعد العالم لوين رايحين بهالبلد، فقر وتعتير وقلة اشغال

تقاطعها السيدة الثانية، وقد علت وجهها تكشيرة خلتها في بادئ الامر تعبيرا عن استيائها من الحال الذي بلغته البلاد

بكون عندو شي 10 أولاد ، بكونوا اسلام

لن تكفي كلّ علامات التعجب لتعبّر عن دهشتي، بل صدمتي ممّا سمعت

حادثة أخرى وقعت في الصيف الماضي لا تقل دلالة على واقعنا الطائفي الفريد من نوعه، طبعًا، كنت أنا ضحيتها هذه المرّة. ولم يُجنبني زواجي من مسيحي (على الهوية، كما يحرص أن يوضح ) التعرض لمثل هذا الموقف المُضحك والمستفز في آن:                        تقرع صاحبة الملك، في بيتنا الجبلي، الباب وفي يدها كيس مليء بالشموع، وتطلب مني بكل تهذيب أن أضعها على الشرفات مساءً وتشرح لي الأسباب رغم عدم اعتراضي على الفكرة أو حتى استفساري عن أسبابها

نحن عنا عادة بعيد السيدة من ضوّي شموع

أكدت لها أنني سأضيء هذه الشموع ليلًا حفاظَا على تقاليد القرية، لانني انا الساذجة ظننت أنها قصدت بـ “نحن ” أهل هذه القرية، ولم أكتشف انها تقصد نحن المسيحيين إلا حين خرجت في تلك الليلة تلبية لدعوة العشاء في قرية مجاورة. واكتشفت أن الشرفات في القرى التي اجتزتها وعددها أربعة على الأقل مُضاءة بالشموع. وهنا أيضًا لن تكفي علامات التعجب لتعبّر عن دهشتي مما قالته هذه المرأة. ولكن تبقى الصدمة الكبرى أنني حين رويت هاتين الحادثتين بانفعال واستنكار وعدم تصديق حصلت، رغم الفاصل الزمني بينهما، على رد فعل واحد

 ايه ليه مستغربة، شو وين مفكرة حالك عايشة

لأنني بتت أدرك تمامًا ”وين عايشة“، ولأنني مضطرة أن أشير إلى أن المسلمين لا يقلون طائفية عن المسيحيين وأن الصدفة وحدها شاءت أن تعكس هاتين القصتين التعصب المسيحي من دون أن يعني ذلك ان اقف إلى جانب المسلمين أو اعتبرهم أقل غلواء في تعصبهم، ولأن اللبنانيين يتنشقون الطائفيّة مع كل نفس أرجيلة (تبيّن أنه أكثر انتشارا وفعاليّة من الرضاعة) لكل هذه الأسباب مُجتمعةً ومُتفرقةً، لا شيء يدعو للتفاؤل فيما خص اقرار الزواج المدني في لبنان حتى ولو كان اختياريًا. وأظن أن الأنسب للبنان واللبنانيين منع الزواج بكل أشكاله وألوانه، على أمل أن يساعد ذلك في القضاء على جيل الطائفية والطائفيين! ومن يدري قد يحصل بعد قرن من الزمن أن يلد لبنان جديد من دون طوائف ويحكي أبناؤه الجدد: ”كان يا ما كان بقديم الزمان كان في بلد اسمو لبنان ضربو داء الطائفية وقضى علي عن بكرة ابيه وما بقي حدا يخبر