
أفترض أنّها إشاعة، خبر كاذب، إدّعاء. العالم الإفتراضيّ مليء بالأخبار الملفّقة والصور المركّبة. أفترض أن خبر رحيلك عارٍ من الصحّة. انتظرت، ولم أزَلْ، خروجك لنفي الخبر. أو قد تكونين ممّن يفضّلون تجاهل الأكاذيب، وإهمالها لتسقط من تلقاء نفسها؟ لا تفسير منطقيًّا آخر لإلتزامك الصمت. الناجحون والناجحات، في حياتهم (ن) المهنية، غالبًا ما تلاحقهم (ن) الإشاعات والأقاويل وصولًا لادّعاء موتهم (ن)؛ وقاحة!
أفترض أنك لا تزالين هنا ، بيننا، ولكنّك منصرفة لشؤونك الخاصة التي لن تتلهّي عنها بثرثرات فحواها رحيلك المبكر والمفاجىء. أفترض أنّ صورك التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعيّ لا علاقة لها بالرحيل، فمعظمها في الميدان أمام الكاميرا، تحملين الميكرفون وتخبريننا قصصًا وأحداثًا وتنقلين هموم الآخرين وآلامهم وأوجاعهم. أفترض أنّ مهمّتك لم تنته بعد، ولا أظنّك ممّن يُدرْن ظهورهن لما آمنّ به وعملْن لأجله، قبل إنهائه.
أفترض أنّها إشاعة لا ينفيها وجود نعش حسب ما أظنّ، بل إنني على يقين من أنّك ملأته رسائل حبّ، ورجاء بأن تجد القضايا المحقّة التي ناضلتِ من أجلها، طريقها إلى العدالة. أودعتِها النعش، على أمل أن تصل عبر التراب، الذي يُقال إنّنا منه، وإليه نعود، لكونه طريقًا أسرع إلى السماء، فيسمعها من يفترض به أن يسمع، فيفعل، بعدما بدّد الحقد وضجيج الأرض وصخبها كلّ الأصوات المُتضرّعة، المُستغيثة والمُطالبة بعدالة السماء ومن فيها.
لم نلتقِ يا بشرى منذ أعوام طويلة، وإن تقاطعت طرقنا في مراحل كثيرة، وجمعتنا مهنة واحدة اعتزلتها منذ فترة، لأنني في الأرجح فقدت جرأة الرهان على إصطلاح أحوال هذا الكوكب اللعين. لو كنت أعلم أنّك توضّبين القضايا المحقّة في نعشك الذاهب إلى الله، لطلبت منك أن تضيفي سؤالًا واحدًا يحيّرني : ما هو سرّ صمت السماء أمام هول الوحشية التي ترتكب في غزة؟ أظنّ أنّ كلمة 《وحشيّة》 لا تعطي الواقع حقّه، ولكن من يرَ يعرفْ، وله أن يختار الأوصاف المناسبة. وتبقى الإجابة هي الأهم.
أعلم يا بشرى أين ذهبتِ بعدما رتّبتِ الرسائل والأمنيات داخل النعش. أراكِ هناك، في ملعب مدرسة راهبات المحبة في كليمنصو، تلك المدرسة التي التقينا فيها للمرّة الأولى في أول سنين مراهقتنا. أراكِ تقفين في الملعب، بشعرك الأسود، والشال الذي يحيط بعنقك، بتنورتك القصيرة، وسيجارتك التي كنت تدخنينها خلسة. أرى ابتسامتك الطفولية وعينيك السوداوين تشعّان شقاوة.
وعمر الشقي بقي يا بشرى.
لطالما وعدت نفسي، كلّما مررت في محاذاة المدرسة، أن أدخل إلى حرمها، رغم أن قدميّ لم تطآها منذ أن غادرتها منذ حوالي أربعين عامًا. أختلس النظر إلى ملعبها كلّما مررت من أمام المبنى، وأعِد نفسي أن أركن السيارة وأدخل إلى رحابها في المرة القادمة.
أظن أنّ موعد الزيارة قد حان، لأنني على يقين من أنني سأجدك هناك، في عالمنا البريء. تبتسمين وتنفثين دخان سيجارتك نحو السماء.
