
يحتفل العالم بعد أيّامٍ قليلة بميلاد السيد المسيح. بدأت الاحتفالات منذ مطلع هذا الشهر أصلًا. فهذه المناسبة، مثلها مثل عيديّ الفطر والأضحى المباركَين وعيد الفصح المجيد وعيد الحبّ وبدء فصل الربيع… لا يُعطّلها سوى سقوط الكوكب فعليًّا في العدم. وليس المقصود في التعطيل (في ما خصّ المناسبات الدينية تحديدًا) الجانب الإيماني كالصلاة في الكنيسة مثلًا وإضاءة الشموع لأرواح الذين سقطوا تحت المطحنة الإسرائيليّة، بل المقصود الجانب الاجتماعي الاستهلاكي المنفِّر الذي يسلب عقول الكبار قبل الصغار.
تستمرّ هذه الاحتفاليّة المُستفزّة وسط الدمار الهائل والإبادة المُمنهجة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع العالم على مدار الساعة، منذ ٧ تشرين الأول وحتى لحظة كتابة هذه السطور وبعد، من دون أن تحيد عن مسارها التصاعدي كلّما اقترب موعد المناسبتين المنتظرتين، أي ليلتي الميلاد ورأس السنة. لاشيء يعطّلها إذن : لا مزيدٌ من القتل، ولا مزيدٌ من المجازر، ولا مزيدٌ من العنف، ولا مزيدٌ من كلّ هذا الجنون والساديّة اللذين يحكمان العالم.
سقط الكوكب نظريًّا مع ازدياد نسبة الوحشيّة واضمحلال الإنسانية إلى حدّ انعدامها، حيث أصبحت صور الموت العنيف والمُمنهج من يوميّات شعوب هذا الكوكب الذي عطّلته جائحة كورونا ولم تعطلّه أنهار الدم وأكوام الأشلاء وأطنان الدمار وطوابير الجياع واليتامى. ينكفىء العالم حين يتعّرض أبناؤه لخطرٍ داهمٍ ومباشر يمسّ حيواتهم. الخوف من الموت يشلّ قدراتهم على الحياة التي يقنّنونها حينئذٍ بانتظار زوال الخطر، ليستثمروها أضعاف ما كانت لتكون عليه. أمّا موت الآخرين في مجازر جماعية وإبادة غير مسبوقة في التاريخ الحديث فلا يشكّل سببًا كافيًا للاعتكاف عن الحياة. تشبه العلاقة مع هذا الموت بقعة الزيت في الماء، حيث ينحصر تأثير الزيت على المنطقة المحدّدة التي يتمدّد فيها، في حين أنّ كل ما هو خارجها يبقى ماءً نظيفًا ورقيقًا.
الكوكب خارج بقعة فلسطين هو الماء “النظيف”. والنظافة في معناها المجازي تعادل الحياة بكل تفاصيلها التي تندرج في إطارها الاحتفالات بعيدي الميلاد ورأس السنة. لا شيء يعطّل الاحتفال… لا شيء. فكأنّ العالم تبنّى قول امرئ القيس “اليوم خمر وغدًا أمر”. اليوم نحتفل، وغدا نبكي فلسطين، اليوم نزّين وغدا نشيّع أطفال غزّة، اليوم نشتري الهدايا وغدًا نتعاطف مع أولئك الذين يرتجفون بردًا، اليوم نأكل حتّى التخمة وغدًا نشتم ونلعن كلّ من يمنع وصول المساعدات والأدوية والغذاء إلى من يموتون جوعًا بالمعنى الحرفي للكلمة. وبين اليوم والغد تسقط الإنسانية في أعمق حفرة.
ليس الهدف من هذه السطور تأديب العالم، لأنّ كاتبتها لا تملك السلطة وإن كانت لا تنقصها الرغبة، ولكن السؤال يفرض نفسه عن سرّ هذا الانفصام الذي تعيشه شعوبه من الأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين إلى الأقلّ تأثّرًا أو اهتمامًا بما يجري، ليس في غزّة فحسب بل في كل فلسطين، وتحتاج الفئة الثانية (بين مزدوجين) للخضوع إلى فحص سريريّ فوريّ، إذ لا بدّ أن تكون قد ولدت من دون قلب. ماذا لو قرّر العالم بيهوده ومسحيّيه ومسلميه، بكفّاره وملحديه، أن يعلّق مظاهر الاحتفال والاستهلاك بالمناسبات التي تعنيه اعتراضًا، تضامنًا، استنكارًا (فليختر كلّ واحد السبب الذي يناسبه) لما يجري في فلسطين، علمًا أنّ المشكلة تطال أيضًا مفهوم الإنسانية الذي أصيب في الصميم، وضررها سينعكس على البشريّة جمعاء. وهذا سببٌ كافٍ لتعليق الحياة، لأنّ من يظنّ أنّه بمنأىً عن هذا الشر الذي يحكم العالم، فهو واهمٌ ومثيرٌ للشفقة.
ماذا لو أسقطنا مناسبة واحدة من قائمة الاحتفالات والمناسبات التي تزخر بها روزنامتنا السنوية؟ ألَم تكن، في المناسبة، تلك دعوة مطران القدس حنا عطالله الذي طلب الامتناع عن الاحتفالات واقتصار الأمر على الصلاة والقداديس وإضاءة الشموع لأنّ أرض الميلاد محرومة من العيد؟
ماذا لو أعلنّا الحداد، الحداد الفعلي وليس الحداد الدعائي (تفقيس الماكينات أو خرّيج مواقع التواصل الاجتماعي) تمامًا كما نفعل حين نفقد عزيزًا أو قريبًا. الحداد الذي يعكس حزننا الداخلي ووجعنا؟ ولكن يبدو واضحًا أنّ من فقدناهم ونفقدهم، ضحايا الإنسانية العالمية بأدوات إسرائيلية متوحشة، ليسوا أعزّاءنا ولا أحبّاءنا، ووجعهم لم يصبنا في الصميم بعد، وإلّا، فمن أين لنا القدرة على الاحتفال؟
نعلّق أحزاننا لنحتفل بالمناسبات ثمّ نَعِدُ أنفسنا ومن نتعاطف معهم بأن نعود إليهم حين ننتهي من الاحتفال، بينما المفروض هو العكس تمامًا، المفروض أن نعلّق حياتنا إلى حين ينتهي إعدام حياة الآخرين. هو ليس مفروضًا بالمعنى القمعي للكلمة، بل يصبح أمرًا تلقائيًّا وبديهيًّا حين نصبح عاطفيًّا على مسافة صفر من فلسطين وغزة.
