
سحرتني رواية «التائهون » لأمين معلوف التي قرأتها باللغة العربية. قرأت معظم أعماله الأخرى باللغة العربيّة أيضًا، ولم أتبع النصيحة القائلة بأن يُقرأ الكتاب باللغة الأصليّة التي كُتب فيها، وهي الفرنسيّة في حالة معلوف، في حال كان القارئ يُتقنها.
المهم أنّ الرواية سكنتني، ولم يفقدها التعريب شيئًا من جاذبيتها، ربّما لأنّها تتحدّث عن لبنان، ولأن أحداثها لبنانيّة وكذلك أبطالها، وربّما لأن اللغة العربيّة تُشعرك، في هذه الحال، بتماهٍ أكبر مع أحداثٍ تجري في شوارع ومناطق سبق لك أن زرتها أو أقمت فيها. أقول ربّما ولا أجزم . ويبقى انطباعًا خاصًا وليس حكمّا مُطلقًا.
بقدر ما امتلكتني الرواية بقدر ما كانت نهايتها صادمة ومُحبطة، إذ إنّها جاءت دون مستوى الرواية نفسها، بل منافيةً له تمامًا، وكأن قلمًا آخر كتب صفحاتها الأخيرة. جاءت النهاية أشبه بفيلم عربيّ درجة عاشرة .
تحوّلت متعتي في قراءة هذه الرواية إلى غضبٍ شديد مع بلوغ نهايتها. غضب وخيبة دفعاني إلى التفكير في مراسلة صاحب الرواية، أي أمين معلوف، ومناقشته في هذه الخاتمة الباهتة. لم أفعل ذلك طبعًا، بل اكتفيت برسالةٍ افتراضية قلت فيها كلّ ما عندي مع اقتراحٍ لنهاية مناسبة. لم أؤلف نهاية بديلة، وهو فعلٌ غير لائق ولا يتناسب مع شروط النقد، وفيه تجاوز لحدود العلاقة بين الكاتب والقارئ، بل اكتفيت بحذف المشهد الأخير من روايته. قلت له: «لقد انتهت الرواية قبل بضع صفحات، أي قبل أن تُضيف إليها مشهدًا يعكس هاجس الهويّة الذي بدأ إقحامه مفتعلًا. دع آدم ( بطل الرواية ) وشأنه، وابحث عن هويّتك في مكانٍ آخر» . وقرّرت أن أساعده في حلّ مُعضلة الهويّة التي يبدو بناءً على أعماله وأبرزها في هذا الإطار، « الهويّات القاتلة » أنّها تؤرقه، فسألته السؤال الكلاسيكي: بأيّ لغة تحلم؟
سؤال ساذج. بأيّ لغة يُفترض أن يحلم رجلٌ يعيش في فرنسا منذ أعوامٍ طويلة، يُمارس روتينه اليومي هناك وكذلك حياته الأدبيّة والمهنيّة ، والأهم من هذا وذاك، أنّه يكتب باللغة الفرنسيّة ليس لأنّه غير مُلمّ باللغة العربية ، هو الذي عمل في مطلع شبابه في جريدة «النهار» للبنانيّة التي كانت في حينها معقلًا لغويًّا، بل لأنّه ربّما اختار هويته. أوليست اللغة (قبل الحلم ) إحدى بديهيّآت تعريف الهويّة؟
قد لا تكون أبحاث معلوف في تعريف الهويّة ناتجة بالضرورة عن هاجسٍ شخصيّ، بل تميل إلى أن تكون بحثًا أنتروبولوجيّا معمّقًا وخصوصًا في كتابه “الهويّات القاتلة”، كما قد لا يرتبط اهتمامه بالشرق في كونه ابن هذه المنطقة ، فهذا الاستنتاج يُلحق ظلمًا كبيرًا بالمستشرقين الذين خلّفوا أعمالًا متنوّعة وغنيّة صنّفت مراجع تاريخيّة هامة.
وإذا كان معلوف الذي يُعرَّف عنه ويُعرّف هو عن نفسه في الأرجح (إذ لا أحد يُعرَّف بكنيةٍ مُعيّنة من دون موافقة صاحب العلاقة) بالروائي الفرنسي من أصول لبنانيّة، وليس بالروائي اللبناني حامل الجنسيّة الفرنسيّة، إذا كان معلوف يعيش فعلًا أزمة هويّة ولا يستمد من تجربة شخصيّة مادّة لآفاق بحثيّة أكثر اتساعًا وعمقًا، فإنّ اللبنانيين، أخوته في المواطنة، حسموا «صراعه الداخلي» لمصلحة لبنانيّته، مسقطين من حساباتهم طبعًا أنّ لبنانيّته لا تؤهّله لمنصب رئيس الأكاديميّة الفرنسيّة الدائم، وهو منصب لا يُمنح إلّا للذين «يحلُمون» باللّغة الفرنسيّة. هذا هو القانون وليس ثمّة افتراء في هذه الإشارة التي قد تستفز بعض الغيارى على الإبداع اللبناني المتميّز.
بين مزدوجين: فاجأتني صديقتي اللبنانيّة المُقيمة في فرنسا وحاملة للجنسيّة الفرنسيّة، في حديثٍ تلفونيّ أجريناه قبل بضعة أيّام تناول أمين معلوف والمنصب ولبنان، أن سيّدةً تجلس إلى جانبها في «المترو» رمقتها بنظرة ازدراءٍ لأنّها كانت تتحدّث باللغة العربيّة. وحين عبّرتُ عن دهشتي واستُفزّت لبنانيّتي ( مفترضةً أنّ السيدة الفرنسيّة أدركت أنّ هذه الجالسة إلى جانبها الناطقة باللغة العربيّة هي من منطقة كسروان ) مُعترضةً على هذه العنصريّة تجاه لغة هي اللغة الأم للرئيس الدائم للأكاديميّة الفرنسيّة المنتخب قبل أيام قليلة من امتعاضها. أجابتني أنّ أيّ لغة غير الفرنسيّة باتت تثير سخطهم عمومًا، وتخرجهم العربيّة عن طورهم خصوصًا.
ماذا نفعل نحن اللبنانيين بابتهاجنا كّلما تبوأ لبنانيّو الأصل، حاملو الجنسيّات من مختلف أرجاء المعمورة، مراكز عليا أو سجلّوا اختراعاتٍ عظمى في ظلّ هذه العنصرية المستشرية في العالم «الأفضل » ؟ كيف لنا أن نظهر تفوّقنا ونطمس لغتنا؟ إنّها لمُعضلة فعلًا، وخصوصًا إذا كان الانتماء اللبناني يُشكّل لمن نحتفي بهم نوستالجيا عابرة في أحسن الأحوال.
نحتاج، نحن اللبنانيّون إلى هذه الانتصارات التي تؤكد أنّ «البضاعة الوطنية المُصدّرة» هي من النوع الممتاز، وأنّ رجال الأرز ونساءه يشمخون أينما حلّوا، في حين نبحث عن جذورٍ غير لبنانيّة لمن حملوا ذات يومٍ هذه الجنسيّة، وفشلوا في أصقاع العالم أو قاموا بأعمال مُشينة.
ولكن قبل هذا وبعده ما هو تعريفنا نحن المقيمين على أرض الوطن الحبيب للهويّة اللبنانيّة التي نهلّل لها حين تُحلّق خارج الحدود الإقليميّة، وكيف نتعامل معها؟ ولأنّنا غير متفقين على تعريف واحد، ولأنّنا مختلفون على البديهيّات في مفهوم المواطنة، ولأنّنا نقول الشيء ونفعل ضدّه، ولأن المصلحة القبليّة تنتج مفاهيم وتعريفات جديدة على مدار ما تفرضه مصالحها الخاصة، لهذه الأسباب وسواها يبدو الخوض في مفهوم الهويّة اللبنانيّة حفلة تعذيب نفسي مجانيّة لا قيمة لها. لا تُلغي هذه الحقيقة أنّ ثمّة قاسمًا مُشتركًا خارقًا لكلّ الطوائف والملل قد يساعد في تعريف أوّلي للهويّة اللبنانيّة يُمكن اختصاره في استبسالنا لاستبدال الهوية اللبنانيّة بواحدة أجنبية، وننتظر بعدها التصفيق لتفوقنا العالمي. وقد لا ننتظر، لأننا لا نسمع التصفيق ولا يعود يعنينا أصلًا.
