هدّوا البال يا رفاق: إنّها مجرد حفلة

جرّبنا نحن اللبنانيون كل أنواع الخلاف وأشكاله منذ الأزل. نختلف قبليًّا وعشائريًّا. نختلف دينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا. نختلف أديولوجيًّا وسياسيًّا وحزبيًّا. نختلف طبقيّا واجتماعيّا ومناطقيّا. اختلفنا ولا زلنا أكثر بكثير ممّا اتفقنا. قد تكون تلك هي حال الشعوب التي تتنوّع  مللها وطوائفها ومذاهبها. وقد يكون هذا ما كتبه الله علينا: ألّا  نتّفق إلّا على فكرة أنّنا على خلاف وقد لا نتّفق حتّى على ذلك بالضرورة. إذ لا بدّ أنّ يكون هناك من سيعترض على فكرة “أنّنا على خلاف” كأن يقول مثلًا إن علّة هذا البلد تكمن في مسؤوليه وحكّامه، ومن دونهم يعيش اللبنانيون بحبّ ووئام، وبالتالي لا نعود مُتّفقين على خلافنا. خلافنا ليس من النوع العادي، بل يحمل دائمًا في طيّاته انتقاصًا وتنمرّا وصولًا إلى تخوين من يُخالفوننا في الرأي. “أحترم رأيك” أو “وجهة نظرك تستحقّ النقاش” (لا سمح الله) ليستا واردتين في قاموسنا اليومي. ومن ليس من رأينا،  فهو حتمًا ضدّنا. هو عدّونا الذي لا بدّ أن نلغيه (قبل موقفه) من الوجود. الرأي الثالث هو بمثابة تلّون لا طعم لصحابه ولا نكهة. هو تذاكٍ مرفوض في مجتمع يقتاط من الخلاف ويسعد به وينتشي. إمّا أن تكون مع الحدث موضع النقاش أو تكون ضدّه. تلك هي حدود النقاش المتاحة.
اختلف اللبنانيون في شأن حفلة عمرو دياب. خلاف حقيقي وليس مجرد اختلاف في الذائقة الفنيّة. خلاف يصلح أن تُنصب له المتاريس وقد نُصبت. خلاف يصلح لأن يكون فتيلًا مناسبًا لتفجير البلاد في حال اتُخذ القرار خارجيّا بذلك. أوليست تلك هي اللازمة التي تُردّد في بلد رأى النور بناءً لقرار خارجي؟ حفل حضره  15، 16، 17 ألف مواطن، لا ندري على وجه التحديد الرقم النهائي، واختلف بشأنه 4 ملايين لبناني وهو تعداد “شعب لبنان العظيم” بحسب آخر إحصاء خضعت له البلاد في العام ١٩٣٢، يُضاف إليهم لبنانيو الخارج الذين لا نعرف أعدادهم النهائيّة كذلك. فهذا الرقم يخضع أيضا لحسابات سياسيّة ومزايدات اجتماعيّة وارتفاع مضطرد ربطًا بظروف البلاد غير المستقرّة. إذ ينام اللبناني على أساس أنّه مقيم في وطنه متمسّك بأرضه، يستيقظ ليجد نفسه مُغتربًا في إحدى دول الخليج في الأرجح “يرفع اسم بلاده عاليًا” حتّى لو أعطي راتبًا أقل من ذاك الذي يستحقّه تحت لازمة “أشكر ربّك عم تقبض فريش دولار”، ثمّ لا يلبث أن يعود سائحًا ويغادر منتوفًا، فهو الدجاجة التي تبيض ذهبًا ومن أحقُّ بالذهب من تجّار البلاد الذين رفعوا الأسعار احتفاءً بالسياح “ولاد البلد”. بعد هذا الاستطراد الذي فرض نفسه، نعود إلى بيت القصيد لنشير إلى أنّ جميع هؤلاء اللبنانيين مقيمين ومغتربين أدلوا بدلوهم فردًا فردًا في حفل عمرو دياب. ولولا صورة الثنائي برّي- ميقاتي- مرتديَين سترتَي نجاة صفراوَي اللون يُحلّقان فرحين مرحين في فضاء البلوك رقم9، لحافظ بياض حفل  عمرو دياب على موقعه في “توب 10” المواضيع الأكثر إثارة على مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن تلطّخه أي مشتقّات نفطيّة أو حتى اكتشاف ثروة حيوانيّة نادرة الوجود في جبال الشيخ مثلًا. التفاعُل ليس القضيّة، فهذا أقل ما يُمكن أن يحصل في بلدٍ يكاد يموت أبناؤه من شدّة الضجر بعدما صمدوا في وجه كلّ أنواع الموت الأخرى. فليفرحوا، إذن، متى سنحت لهم الفرصة بذلك. ولكنّ دعاة الفرح، وهو الحزب الأول في هذه الانقسام الجديد- الظريف، لم يكتفوا بدعوة حنونة إلى الفرح لمن استطاع اليه سبيلا، بل ذهبوا أبعد من ذلك بكثير وبدأوا برشق الآخرين الذين انتقدوا الكلفة العالية للحفل إلى تفاصيل أخرى بكلّ أنواع التهم وألطفها أنّهم نكديّون. النكديّون الذي انتظموا في حزب لم يقصّروا في ردّ الصاع صاعين، فاستحضروا كلّ مآسي البلد وأزماته وكفّروا كلّ من سوّلت له نفسه البسط والانشراح والفرفشة في ظل هذه الأوضاع القائمة. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن استهلال الحديث بـ “دعاة الفرح” لا يعني أنّهم البادئون في هذه الحرب الشعواء، بل أنّ سياق النص فرض ذلك، فاقتضى التوضيح. “دعاة الفرح” مقابل “النكديّون” هو عنوان الانقسام اللبناني الجديد الذي لا ينفك يُبهرنا بابتكاراته وإبداعاته. ليس مفيدًا استرجاع كلّ ما قيل من الطرفين عن الحفل، لأنّ النتيجة ستكون مجلّدًا بعدّة أجزاء ولا حتّى الاكتفاء بأبرز ما قيل لأن ذلك سيخفّض عدد المجلدات بنسبةٍ لا تستحق الذكر، بل نكتفي بإشارة واحدة لكلّ فريق: فليسمح لنا “دعاة الفرح” الذين حملتهم حماستهم الى القول تعليقًا على الحفل “هذه هي بيروت”. بيروت أكثر اتساعًا، ثقافيًّا وفكريّا وحضاريّا، من حفلٍ غنائيّ لفنانٍ حتّى لو كان لقبه الهضبة أو المُنخفض لا فرق. لا لم تستعد بيروت دورها في ساعتين من “الفز والنط” على المسرح ومحيطه ولا أعاد اللون الأبيض السلام إلى النفوس. احتضار المدن عمومًا واحتضار بيروت خصوصًا أعقد من أن تُنقذه حفلة. إنّها مجرّد حفلة ونقطة عالسطر. وبالانتقال إلى حزب “النكديّون”، لا بدّ من تذكيرهم بأنّ الذين حضروا حفل عمر دياب ليسوا هم من سرقوا البلد ولا هم مسؤولون عن إعاده بنائه ولا علاقة لهم براتب أستاذ الجامعة اللبنانيّة المتدهور ولا بأزمة الكهرباء ولا بمافيا الدواء، وبينهم كثيرون من أهل الخير الذين يتبرّعون لمساعدة الآخرمن دون إعلانات رسميّة. وهنا أيضًا نقول إنّها مجرّد حفلة ونقطة عالسطر.بيروت ليست كرة طاولة، ضربة يربحها هذا الفريق فتتألّق، وأخرى يخسرها الفريق المقابل :فتموت. هدّدوا البال يا رفاق ولنحلّق سويّا فوق بلوك رقم 9 مع الثنائي برّي-ميقاتي، ولنغنّ أغنية “زينة ونحول” معًا

من وردة لوردة تطير، تجني العبير بين الحقول

تلعب مع صديقها نحّووول، زيـــنــه

أنا زينه… أنا زينه… وحدي في البساتين

أنا زينه الجميلة أغدو في كلّ حين

يا أحلى نحلة زينه

تمضي في رحلةٍ زينه

لاتسبقينا يا زينه

أين تطيرين يازينة؟ ماذا ترين في السماء؟

أنا نحلة صغيرة أحبّ أن أطيرَ

أحبّ أن ألعب في الفضاء

أضف تعليق