لبنان يتفوّق على نفسه في ابتكار القصص المثيرة …وقضية “الحاج_ عيتاني” تستحق أن تدرّس في هوليوود

 

ثمّة قصّة طريفة يُقال أنها حصلت قبل عقدين من الزمن في إمارة أبو ظبي. تقول القصة إن مجموعة شباب لبنانيين توجّهوا إلى إحدى أهم شركات السيّارات عشيّة عطلة نهاية الأسبوع  وقبل وقت قليل من انتهاء دوام العمل الرسمي. اختاروا أحدث سيّارة دفعوا نصف ثمنها نقدًا وباقي المبلغ بموجب شيك مصرفي. استلموا السيارة وخرجوا بها إلى الشارع. ركنوها على بعد بضعة أمتار من الشركة وعرضوها للبيع بنصف ثمنها. خبرت الشركة بهذا التصرف الذي لم تجد له تبريرًا ولا فهمت أسبابه ما أربك المسؤولين فيها فاحتاروا كيف يتعاملون مع الأمر. لو قبضوا ثمن السيارة كاملًا لما اهتموا للأمر أصلًا، ولكن جزءًا من المبلغ لا يزال مُعلقًا بـموجب ”شيك“ مصرفيّ، ولا يمكنهم التأكد من وجود رصيد في الحساب لأن دوام العمل في المصارف انتهى وهم مقبلون على عطلة نهاية الأسبوع. لم يكن أمامهم سوى خيار تبليغ الشرطة التي جاءت واعتقلت المجموعة التي تبيع السيارة وأودعتها السجن بتهمة الاحتيال. ولكن المفاجأة كانت في وجود رصيد في المصرف يغطّي ثمن السيارة. أخرج الشباب من السجن، واعتذرت منهم الشركة عن سوء تقديرها وتصرفها. والاعتذار المعنوي لا قيمة له ما لم يُرفق بمبلغ تعويضي من المال بدل الإساءة التي تعرّضوا إليها وقضاء عطلة نهاية الأسبوع في السجن. وهكذا كان. حصلوا على السيّارة مجانًا إلى مبلغ من المال يُعادل قيمتها نقدًا، وذلك لدرء الفضيحة وتجنّب الدعوى القضائيّة التي لا بدّ ستنال من سمعة الشركة وتؤثر عليها سلبًا. حين سمع أحد المصريين الظرفاء السالفة، علّق: ”ايه ده يا جدعان، دي تدّرس في الجامعات“. لا ِشكّ أن هذه الحادثة، في حال حصولها فعلًا، تدلّ على حالة متقدّمة في الذكاء والدهاء، وفي حال عدم حصولها، فإنها تعكس خيال مؤلفها الخصب، وهي في كلتيّ  الحالتين تصلح لأن تدرّس في الجامعات

**************

صحا اللبنانيون قبل أشهر قليلة على خبر توقيف الممثّل المدعو ز.ع بتهمة التعامل مع إسرائيل، وقبل أن تكشف الجهات المعنية هويته للعلن، كان إسم الممثّل والمسرحي زياد عيتاني على كلّ شفة ولسان، وملأت صوره مواقع التواصل الإجتماعي. كان وقع الخبر صادمًا على المجتمع اللبناني بمختلف فئاته وانتماءاته وخاناته وتصنيفاته وأطيافه وتلاوينه. وقبل أن يصحو من الصدمة وينتظر تبيان الخيط الأسود من الأبيض، انقسم على نفسه بين مقتنع بالتهمة وبين رافض لها. انقسام ليس مبنيًا على أيّ مُعطى قانوني سوى أن المجتمع اللبناني سريع الإنشطار أفقيًا وعاموديًّا طائفيًّا ومذهبيًّا أو باختصار آذاريًّا في أي قضيّة مطروحة حتى لو تناولت بديهيّات من نوع شروق الشمس وغروبها. اعتقال فانقسام ثمّ بيان رسميّ من أمن الدولة يتضمن فيه إعترافات المتهم بالتعامل. كلّ ذلك حصل في أقل من 24 ساعة، ثم جاء بعدها الحديث عن تسريب الصحافة لمحاضر التحقيق وتحميلها مسؤولية الإضرار بالملف ووووالخ. اشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي، المصيبة الكبرى التي لو عرف مخترعوها يومًا أنها ستقع بين أيدي اللبنانيين، لأعادوا ربّما  التفكير في الأمر. تعليقات وتخوين وأحكام مبرمة يقابلها مشكّكون في الاعتقال وأسبابه والجهة التي اعتقلت وحققت ويصيبون في سهامهم الصحافيين الذين سربوا الخبر- وبينهم في المناسبة صحافيون لو وقع مثل هذا الملف بين إيديهم لما فكروا مرتين في اتخاذ القرار بنشره-. وفي غمرة تبادل الاتهامات والتخوين ودروس في الوطنية وتنظيرات في ضبط ردات الفعل وانتظار القضاء ليقول كلمته، ضاعت القضية الأساسية ونسي المواطن المُحتدّ والمنفعل أسباب الهياج الذي هو فيه. ومع انقضاء الأسبوع الأول على توقيف عيتاني نسي الناس قضيته وكأنها مجرد فقاعة صابون، وبحثوا عن قضايا أخرى يتراشقون بحجتها

قبل أيام قليلة عاد زياد عيتاني إلى واجهة الأحداث، مع الحديث عن براءته من التهم المُوّجهة إليه. جولة عنف وتعنيف جديدة على مواقع التواصل الإجتماعي وإعادة انتاج جديدة لمفاهيم الوطنية والعمالة والتخوين التي لا تكتمل من دون إضافة العبارة – السحر: إن أكثر المستفيدين من التناحر اللبناني هو العدو الإسرائيلي! وكان يُمكن أن تنتهي البراءة كما الإتهام بجولة من إخراج”فائض الحب“ الذي يعتمر في قلوب المواطنين قبل الانقضاض على قضيّة جديدة يستخدمونها مطيّة لإفراغ ما في جوفهم من أحقاد داخلية وانقاسامات تتكاثر بإيقاع أسرع من إيقاع تكاثر الخلايا السرطانيّة. وكان لهم ما أرادوا أسرع ممّا توقعوا، إذ جاءت قضيّة المقدم سوزان الحاج المتّهمة بالإيقاع بالممثّل عيتاني من خلال “هاكر” لفّق له ملف العمالة من الألف إلى الياء، لتغذّي الأحقاد الطائفيّة بجرعة زائدة، وتعيد موضوع الإلتفاف حول العهد أو الإنقضاض عليه، وتوقد النار تحت صراع الأجهزة المتأجج. ومن كان مع انتظار القضاء ليقول كلمته في قضية عيتاني أصدر حكمه في قضية سوزان الحاج والعكس الصحيح. توالدت القصص من رحم بعضها. وكاد أن يكون لكلّ مواطن نسخته الخاصة من الحقيقة المطلقة. فاذا به يبدأ حديثه بعبارة  ”أنا رح خبرك شو اللي صار“، وما يخبرك إياه هو في العموم مزيج من التحليلات الشخصيّة والمواقف الخاصة التي لا علاقة لها بالقضية الأساس ولا تتضمن أي معلومة واضحة أو مُثبتة. ولكي يكتمل المشهد السوريالي، طلب وزير الداخلية نهاد المشنوق وسط حفلة الجنون الدائرة في البلد وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، طلب من اللبنانيين الإعتذار من الممثل اللبناني! وبما أن زمن توقيع العرائض لم يعد رائجًا، فيمكن احتساب اللايك على تصريح الوزير بمثابة اعتذار من عيتاني. وهكذا تنتهي القضية ونعود جميعًا إلى مواقعنا الإنقساميّة التي نتحصّن خلفها فرحين ومسرورين بانتظار قضية جديدة ننقضّ عليها

لبنان فعلًا، بلدٌ تفوّق على نفسه في ابتداع القصص المثيرة. لا تكرار، لا استنساخ، لا إعادات مملّة، بل ابتكار دائم وادهاش متواصل. ولعّل التكرار الوحيد الذي تدور حوله أحداث هذا الوطن من دون كلل أو ملل هو الفساد الذي نخر الطبقة السياسية حتى العظم. والمفارقة، أن هذه الطبقة ما تزال، رغم ذلك، صامدة ليس بقدرة قادر بل باستسلام مواطن انتقلت إليه عدوى الفساد وتفشّت في أوصاله. هذا كلّه ليس مهمًا حاليًا ما دام الصوت التفضيليّ بخير

 … لو كان المواطن المصري الطريف شاهدًا على ما يجري في لبنان هذه الأيام ومتابعًا لقضية “زياد عيتاني- سوزان الحاج” لكان صرخ بأعلى صوته قائلًا:  ايه ده يا جدعان، دي أقوى من أقوى أفلام المافيا الشهيرة ، دي تتدرّس في هوليوود

********

جود ابن الست سنوات قال قبل أيام لوالدته: ما في شي حلو بلبنان بدي فلّ من البلد 

 

الشعارات الإنتخابية غضب وقوة وترهيب بدلًا من الترغيب… والآتي أعظم

03-02-18-22201850

لا يكتمل المشهد الانتخابي من دون لافتات وشعارات تملأ الطرق وواجهات الأبنية وتزاحم الإعلانات التجاريّة على احتلال أيّ مساحة يمكن أن تشكّل نقطة جذب لنظر المواطن. ولم تنجح وسائل التواصل الاجتماعيّ وتطوّر الخدمات التي تقدّمها أن تحلّ بديلًا عن عامود الكهرباء الذي عليه ترتفع صور المرشحين وشعاراتهم. ولعّلها، استطرادًا، المرحلة الوحيدة التي يشعر فيها عامود الكهرباء بأنّ له دور فعّال في حياة العباد، بل يتباهى أنه عامود أساس  فيها ويرسم معهم لمستقبل نيابيّ ”أفضل“. ولا يُلام عامود الكهرباء على حالة الانتشاء التي تعتريه في مرحلة التحضير للانتخابات وخصوصًا أن وجوده في معظم أوقات السنة هو لزوم ما لا يلزم لأنه كما بات معلومًا -إلّا في دوائر القرار المحلّية- أن الكهرباء مقطوعة عنه منذ زمن طويل في لبنان. في أيّ حال، ليست الغاية رثاء عامود الكهرباء ولا المطالبة بحقوقه المهدورة ولا بالمهام الانتخابيّة المنوطة به، بل التوقف عند الشعارات الانتخابيّة نفسها. ورغم أن الطرقات العامة لم ترتدي كامل حلّتها الانتخابيّة بعد، فإن ثمة شعارات ولافتات لا يمكنك تجاهلها حتى لو أردت ذلك. تصطادك وأنت عالق في زحمة السير بين مئات السيارات والشاحنات وجبّلات الإسمنت وصهاريج المازوت والمياه. سطوتها أقوى من هاتفك المحمول الذي لا تفلته من يدك لا حين يزدحم السير ولا حين تخلو أمامك الطريق. تحاول أن تشيح بنظرك عن فوضى اللافتات تجنبًا للتلوّث البصري، وهو لا ينقصك وسط التلوّث المفروض على كلّ حواسك الأخرى، ولكنك تفشل بطبيعة الحال لأن النجاح يعني السير مغمض العينين، وهو ما لا تبدو عواقبه محمودة. تحاول أن تتجاهل الإعلانات، تعتاد وجودها وتعوّد نفسك ألّا تركز على مضمونها مكتفيًا بمزيج الألوان والأحجام الذي يرافقك في رحلتك مهما طالت أو قصرت مُدتها ومسافتها. ولكنّ ثمّة إعلانات تعيد تمارين التجاهل التي أرهقت نفسك بها إلى نقطة الصفر. ولعّل انتصار الإعلان على تجاهلك له يُعد عنصر  نجاح يُسجّل لصالح مصمّم الإعلان. يصحّ هذا الكلام في وصف الإعلانات الإنتخابية التي رفعها حزب الكتائب في المناطق التي له فيها مرشحين. يجذبك الإعلان ثم يصدمك. وإذا صحوت من صدمة إعلانات حزب الكتائب تغيب مجددًا تحت وطأة إعلانات التيّار الوطني الحر

تحت عنوان ”نبض التغيير“ تصوّر إعلانات حزب الكتائب الإنتخابية شابًا أو شابةً يُفترض أن تدلّ تعابير وجهه أو وجهها على الغضب. إنه الغضب من واقع البلاد الحالي الذي لا بدّ من تغييره عبر انتخاب مجلس نواب جديد يضم مرشحي حزب الكتائب الذي سيأتي هذا التغيير الموعود عن طريقهم.  هذا ما يُمكن استنتاجه من اللافتات المُذيّلة بتوقيع حزب الكتائب، علمًا أن شكل الشخص المُصوّر في الإعلان لا يوحي أنه غاضب فعلًا بل هو أقرب إلى أي حالة إنفعالية أخرى غير الغضب. قد يتبادر إلى ذهنك أن تيارًا كهربائيًا اشتغل لسوء حظّه للحظات اثناء تعليق صورته على عامود الكهرباء وأدى إلى صعقه ! لا يكفي أن يفتح من في اللافتة فمه على وسعه إلى حدٍ يُتيح عدّ أضراس العقل وربما معاينة اللوزتين، حتى يحقّق تجسيد فعل الغضب والرغبة في التغيير. يخشى الناظر إلى هذه اللافتات أن يخرج  مَن في الصورة في أيّ لحظة ويفترسه. لن يخطر في باله أنها مجرّد دعوة سلميّة وتحفيز على المشاركة في الإنتخابات لما فيه خيره وخير البلاد، بل يراه تهديدًا لحياته وخصوصًا أن أبطال هذه اللافتات يقلّدون تعابير وجوه الوحوش المفترسة، وليس الشباب الذي يُفجّر غضبه. يقابل إعلانات حزب الكتائب إعلانات التيار الوطني الحر، فقد زرعتا جنبًا إلى جنب في دلالة على أن المنافسة تبدأ على أعمدة الكهرباء ومنها تنزلق باتجاه صناديق الإقتراع. ولا تقتصر المنافسة عند هذا الحدّ، بل تتسع لتشمل اللغة المعتمدة في اللافتات نفسها. فرغم أن لا غضب في شعارات التيّار ولا وجوه تهدّد بافتراسك، فهناك عبارة مؤلّفة من كلمتين تفي بالغرض: التيّار القويّ! ومن يجرؤ أن يواجه القويّ أو يعترض طريقه أو يصوّت ضده؟ وإن سوّلت نفسه ذلك، فإن الشعار الذي يرفعه ”التيار القوي“ يدفعه إلى إعادة التفكير  في الأمر، لأنه سيكون في مواجهة تيّار قويّ ”مكمّل طريقو

 إنها البداية فحسب، ولابدّ أن الأحزاب الأخرى ستدخل الساحة بسلاح وعتاد من العيار نفسه وربما أثقل، فقد يخرج سيف من لافتة أو مدفع من أخرى أو رشاش من ثالثة… وكلّها شعارات تخفي خلفها رغبة حقيقيّة وصادقة في حثّ المواطن على ممارسة حقّه في الإنتخاب الديمقراطي… واستعراض القوة من الترهيب ما لا يأتي الترغيب بالنتيجة المرجوة

المكتبة في مواجهة المكتبة-السوبرماركت

 

لطالما ظننت أن المكتبة ليست مجرد مكان لبيع الكتب والقرطاسية. ولطالما رأيتها فضاءً مختلفًا. لا بدّ أن تكون كذلك وإلّا ما الذي سيميّزها عن المخازن التجارية الكبرى أي ”السوبرماركت“ كما نقول في لغتنا المحكية (وهو التعبير الذي يعطي الفكرة معناها بشكل أوضح). لطالما نظرت إلى صاحب المكتبة على أنه شخص مُميّز عن أقرانه ممن يتعاطون في التجارة. كنت أحسده في سري. أتخيّله دائمًا غارقًا بين الكتب يختار منها ما يشاء ليقرأه. كنت على قناعة تامة أنه يقرأ كلّ ما في مكتبته أو مطّلع، على الأقل، على محتويات الكتب التي تملأ الرفوف. أراه أستاذًا لا يقل شأنًا عن الأساتذة الذين كنت أفترض أن باستطاعتهم الإجابة على أيّ سؤال يطرحه عليهم الطلاب. إنه  مرجع صالح للنصح بهذا الكتاب أو ذاك، ملمّ بآخر الإصدارات وأحدثها، الجيّد منها والسيّىء. قد تقصده وليس ببالك كتاب محدّد، فلا يُخيّب ظنّك بل يقترح عليك قائمة عناوين لتختار منها ما يناسبك، ولا يتردّد في مساعدتك في الاختيار. تسأله عن عنوان كتاب فيُزوّدك به مرفقَا بعشرات العناوين الأخرى التي تعالج الموضوع محور اهتمامك  أو يخبرك عن أهم إصدرات المؤلف وأكثرها رواجًا وشعبيّة على سبيل المثال. هذا ما كان يميّز صاحب المكتبة عن الآخرين ممن يتعاطون لغة البيع والشراء. هو ليس تاجرا والكتب ليست سلعا تعرض على الرفوف

لم تعد هذه المكتبات ولا عاد أصحابها- كما تخيّلتهم أو ربما صادفتهم حين كنت يافعة- موجودة. وإذا وجدت فعددها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة موزّعة على مساحة الوطن بعدما حلّت ”سوبرماركت“ الكتب بديلًا عنها. قد يشكّل فيلم ”You’ve Got A Mail 1998“ من بطولة (ماغ راين وتوم هانكس) تجسيدًا لهذه المعضلة بمعزل عن الجانب الرومانسيّ اللطيف لهذا الفيلم. يفرض عليك الدخول إلى ”المكتبة – السوبرماركت“  تحديد اسم الكتاب الذي تحتاجه مُسبقًا. أن تعتمد على الحصول على نصيحة بكتاب تقرأه أو أن تتوقّع إجابة شافية ودقيقة بشأن آخر الإصدارات في هذا الميدان أو ذاك قد يكون مغامرة تعود عليك بنتائج سلبيّة. إذ قد لا يتمتّع الموظّف الذي حلّ مكان صاحب المكتبة بسعة المعرفة والاطلاع اللذين يخولانه القيام بهذه المهمّة. يرتكز عمله على الحاسوب الذي يدخله ليتأكد من توفّر الكتاب الذي طلبه الزبون ومن دون الحاسوب يجد نفسه تائها ولا تسعفه ذاكرته أو ثقافته في المساعدة. هو مجرّد موظّف واهتماماته في الأرجح مغايرة تمامًا للوظيفة التي يشغلها ليتقاضى في مقابلها راتبًا في نهاية الشهر. لم تعد المكتبة مكانًا مناسبًا لتوسيع المعرفة وتعزيزها، بل أصبحت متجرًا يشبه سواه من المتاجرمع اختلاف نوعية السلع المعروضة. غالبًا ما لا يجد الموظف (بعد بحثه في الحاسوب) الكتاب المطلوب، فيقترح على الزبون أن يؤمّن له نسخة من دار النشرعلى أن يمرّ بعد بضعة أيّام بالمكتبة لاستلامها. ذلك أن ”المكتبة – السوبرماركت“ لا تعرض كلّ الكتب على رفوفها ولا تكدّسها فوق بعضها البعض كما كان  الحال في المكتبات التقليديّة. ترفض إدارة المكتبات هدر المساحات لصالح كتب قد يأتي من يسأل عنها أو قد لا يأتي. عدا عن أن جميع الكتب بالمقاييس التجاريّة هي سلع غير مطلوبة. لذا، تكتفي ”المكتبة – السوبرماركت“ بنسختيّن من كلّ إصدار جديد ليصبح بعدها توفّره على رفوفها خاضعًا لمبدأ الطلب وليس العرض. هكذا خسرت المكتبة بمفهومها الحديث أحدى أهم خصائصها  بل أسباب وجودها، وخسر معها القارئ واحدة من أهم متع القراءة أي الوقوف بين الرفوف وتصفّح الكتب التي تلفتك عناوينها -لأنك قد لا تجد الكثير من الكتب أصلًا- والخوض مع صاحب المكتبة – الأستاذ في نقاش بشأن كتاب ما. قد تخرج من المكتبة خالي الوفاض كما دخلت إليها تماما ما لم تكن مزودًا بقائمة العناوين التي تريدها. لم يعد متاحًا أن تكتسب من زيارة المكتبة أيّ معرفة إضافيّة كما كان الحال في ”قديم الزمان“. لن تفيدك زيارة المكتبة لمعرفة من هم الروائيّون في بلادك مثلا، ماذا صدر لهم حديثا، وماذا هو انتاجهم عموما. وما يصح في الكتاب المحليّ ينطبق، بطبيعة الحال، على الكتاب العربيّ. تفكّر أنها مسؤوليّة دور النشر في عدم التسويق لمنشوراتها الجديدة كما القديمة. ولكن دور النشر ترمي بالمسؤولية على المكتبات التي ترمي المسؤولية بدورها على القارئ. ”ما في بيع“ أو ”ما حدا بيقرا“. إنها العبارات نفسها التي تستخدم في أيّ ميدان لإزالة المسؤولية عن كاهل المعنيين انطلاقًا من نظريّة  ”الجمهور عايز كده“ التي باتت تستخدم لتبرير أيّ تقاعص أو تراجع في أيّ من الميادين الإبداعيّة أو الفكريّة

تنسحب أزمة المكتبات على كلّ لبنان لتصل إلى مطار بيروت الدوليّ . هناك تواجه نوعًا آخر من المشاكل التي لا تجد لها أيّ تفسير منطقي سوى أن مكتبة المطار هي مكتبة خاصة ويعود القرار في نوعيّة الكتب المعروضة على رفوفها إلى  المستثمر. في مطار بيروت الدوليّ تحتل المساحة المخصّصة للكتب الأجنبيّة أضعاف المساحة المخصّصة لتلك العربيّة. وفي حال إهمال هذه النقطة التي تحتاج إلى نقاشٍ من نوعٍ آخر، لا يشكّل هذا المقال المكان المناسب لها، فإن ما لا يمكن التغاضي عنه هو احتلال الكتب المترجمة الى العربيّة المساحة الأكبر من الحيز المتواضع المخصّص للكتاب العربيّ. ففي مطار بيروت الدولي تظنّ أحيانا أن الروائيّة الأولى في بلادك هي أليف شافاك ينافساها بولو كويلو في مكانتها. ذلك أن كلّ رواياتهما المترجمة (وليس رواية واحدة أو إثنتين) معروضة على الرفوف وبدل النسخة الواحدة هناك عدد من النسخ يصل الى العشرة أحيانا، كما تتفوّق كتب الأبراج على أيّ حضور روائيّ أو أدبيّ أو فكريّ آخر. الإستثمار الخاص لا يبرّر هذه الإستنسابيّة، والقول أن  الأمر مماثل في كل مطارات العالم ليس سوى عذر أقبح من ذنب، إذ لا ضير أن نتميّز لمرة واحدة أو  نبادر إلى ابتكار خصوصيّة معيّنة. ليس مطلوبًا مكتبة وطنيّة في مطار بيروت الدوليّ ما دامت المكتبات الوطنيّة غير متوفرة أصلًا في البلد نفسه ما خلا بعض التجارب الفردية لمكتبات مجانيّة في بيروت وعدد من المناطق ، ولكنه تمنّي في تنويع الكتب المعروضة ما دامت كلّها تحظى بموافقة الأمن العام قبل دخولها الى المطار واستقرارها على الرفوف هناك

أما مفهوم ”المكتبة – السوبرماركت“ هذا الحوت الذي ابتلع المكتبة بمعناها التقليدي، فيحتاج الى ورشة عمل تشارك فيها كل قطاعات الدولة  لمحاربته، وإعادة الإعتبار للكتاب بوصفه مادة إبداعيّة. ولكن هذه قضية تدرج في خانة الكماليّات في وطننا الذي حين ”تحز المحزوزية“ يستنفر بكلّ قواه الرسميّة ليذكّر العالم بأنه ذات يوم صدّر لهم الحرف

الثرثره تغلب على تغريدة البجعة فتجعلها أكثر اضطرابًا من بطلها .. ومكاوي سعيد يبدّد جهده والجائزة في حشو مملٍ أفقد الرواية رونقها  

IMG_0297.JPGتتناول رواية ”تغريدة البجعة“ للروائي المصري مكاوي سعيد حقبة السبعينيّات محاولةً إلقاء الضوء على التحوّلات التي أصابت المجتمع المصري حينذاك. ولا تأتي هذه التحولات، وفق الرواية، في إطار طبيعيّ تفرضه تطورات المجتمع بل تحدث بما يشبه الإنقلاب على هويته الأصلية، وذلك من خلال دخول التيّارات الإسلاميّة وتغلغلها في النسيج الإجتماعيّ المصريّ بكلّ أطيافه القوميّة واليساريّة والعلمانيّة …الخ. وبدلًا من أن يواجه المجتمع المصري التطرّف الإسلامي، يتماهى معه ويتنبنّاه ويحارب بسيفه. ولم يجد مكاوي سعيد أفضل من النموذج اليساري ليعالج فكرته من خلال تحوّل أحمد الحلو (أحدى شخصيات الرواية) من منظّر ماركسي إلى داعية إسلامي وكذلك تفعل زوجته شهيناز التي أصبحت منقبّة بعدما كانت ، في الصفحة 113، ”جرأتها مستفزّة وهي تسير بالكاد حاملة تحت إبطها مجلد رأس المال لكارل ماركس متنقّلة به من كافيتيريا إلى أخرى داخل الحرم الجامعي“. وهذه ظاهرة واجهتها المجتمعات العربيّة عمومًا وتناولتها معظم الروايات التي عالجت هذا الموضوع وخصوصًا أن أسهل طريق لتجسيد سيطرة المناخ الإسلامي على المجتمع وتأثيره على أبنائه هو اختيار النموذج اليساري وتحوّله الجذري من أقصى التطرف إلى أقصاه المقابل. وهكذا يصيب الكاتب ”عصفورين بحجر واحد“ فينال من اليساريين والعقائدين بوصفهم كائنات هشّة تتلوّن بحسب الظروف المحيطة ويظهر تأثير الإسلاميين على المجتمع المصري وسطوتهم عليه

تعالج الراوية التي صدرت طبعة أولى منها عن دار الآداب في لبنان في العام 2008 وهو العام نفسه الذي أدرجت فيه  على اللائحة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، تعالج قضايا أخرى لا تقلُّ أهميةً، ومنها أطفال الشوارع الذين يعيشون في عالم خاص بهم قوامه السرقة والمخدرات والعلاقات الجنسيّة يدخله مكاوي سعيد بواسطة كاميرا لتصوير وثائقي يجسّد يومياتهم، كما تسلّط الضوء على وجود الأجانب في مصر من خلال الأميركيّة مارشا صديقة بطل الرواية مصطفى والألماني إيفالد الذي أصبح اسمه عوض وبات يتحدث العاميّة المصريّة بطلاقة. ولا يهمل مكاوي سعيد التطرق إلى مواضيع إنسانيّة مثل الصداقة من خلال علاقة البطل بصديقه عصام، والعمل في الخارج، والزواج والطلاق. إنها باختصار رواية تحاول أن تنقل القارىء إلى الشارع المصري بكلّ تفاصيله الدقيقة، أو هي بالأحرى رغبة في بناء مجتمع كامل بناسه وشوارعه وأزقته وتاريخه وحاضره بين دفتيّ كتاب مؤلّف من 309 صفحات من القطع الوسط

سعى مكاوي سعيد إلى أن يحقّق غايته تلك من خلال شخصيّة محوريّة تعاني اضطرابًا أراده أن يكون صورة عن اضطراب المجتمع. إذ يقول في الصفحة 101 ”تنويعات على حالة شيزوفرانيا اتهمني بها الطبيب (…) الشيزوفرينا بدأت في مجتمعي أيها الطبيب. أنا مجرد عرض لها“. ولكن يبدو أن الاضطراب انسحب على الكتابة نفسها في ما يتعلق بأحداث الرواية وتماسكها وانسيابية المحاور التي يعالجها المؤلف. إذ تظهر بعض المواضيع مبتورة وفي غير سياقها يمكن تبديل مكانها أو حتى الإستغناء عنها بشكلٍ كلّي من دون أن يخلّف ذلك أثرًا سلبيًا على أحداث الرواية. ولعلّ أبرز مثال على ذلك قصة يوسف حلمي المخرج السينمائي الذي تنشأ علاقة بينه وبين بطل الرواية مصطفى. تبدأ هذه القصة وتنتهي في الجزء الأول من الرواية ولا يعود لها أي أثر في الصفحات اللاحقة، ممّا يُشعر القارئ أنها أُقحمت في الرواية، علمًا أن القصّة نفسها أو شخصيّة يوسف حلمي تستحق أن تسير في خطٍ متناسقٍ مع أحداث الرواية بل تكون في صلب أحداثها وخصوصًا أنها تخدم فكرة التأثير الإسلامي المتطرف على أطياف المجتمع. كان من الأجدى أن تأخذ هذه الشخصيّة، مع كلّ المعاني والدلالات التي تحملها، حقّها في الرواية بدلًا من أحداث أخرى مُملّة وشخصيات ليس لوجودها أيّ معنى ولا تخدم سوى الهوس الجنسي لدى البطل وهلوساته

أراد مكاوي سعيد أن تكون “تغريدة البجعة” رواية ترصد إيقاع المجتمع المصري بكلّ تعقيداته وتحوّلاته. وقد جمع لهذه الغاية أدق التفاصيل التي تساعده في تحقيق غايته. ولكن إيرادها في الرواية جاء مُربَكًا على أكثر من مستوى حيث طغت مغامراته العاطفيّة وعلاقاته الجنسيّة المرضيّة على المواضيع الأخرى حتى بدا في كثير من المحطات وكأن الرواية كُتبت خدمة لهذه الغاية. يخال القارىء أحيانًا أنها رواية عاطفيّة ورومانسيّة وليست الأحداث الأخرى(أطفال الشوارع، المدّ الإسلامي، الأجانب في القاهرة…) سوى أكسسورات تجميليّة. يعود هذا الانطباع إلى عدم التوازن في سرد الأحداث وإيرادها في سياقها الطبيعي حيث شكّلت علاقات البطل العاطفية بدءًا من حبّه العذري والأبدي لهند التي قضت في ”انفجار دانة تذكارية حصل عليها طلبة الجوّالة في معرض للغنائم عقب حرب أكتوبر 1973“ (ص 145) مرورا بعلاقته بزينب التي كانت محض جنسيّة وصولا الى ياسمين ومارشا وسواهن من النساء، جوهر الرواية وروحها.  حتى علاقته بصديقه عصام بدت غير مفهومة للقارئ. إذ يتحدث عنه مصطفى بنفس الحب والتعلّق الذي يتحدّث فيه عن حبيبته هند إلى حد يتراءى للقارىء أنّ ثمّة علاقة غرامية تربطهما ببعض. وليس ما يشير إلى أن مكاوي سعيد تعمّد وضع علاقتهما في إطارٍ من الشك كدليل على الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الرواي- البطل مصطفى، بل على العكس أظهر تبنيًا لهذه العلاقة كما لو أنها تأتي ضمن السياق الطبيعيّ لمفهوم الصداقة حيث يغار الرجل على صديقه الرجل حين يقرّر أن يرتبط بإمرأة! تكاد لا تمرّ صفحة في الرواية من دون أن يرد فيها اسم عصام أو ذكر أمر يتعلق به أو بحياته أو بعلاقته بسامنتثا صديقته السنغافورية التي ستصبح زوجته قبل أن تطلب منه الطلاق وتسبّب له الضياع الكامل، لنكتشف أن قرارها هذا ناتج عن إصابتها بمرض السرطان. مع هذه الأحداث تخرج الرواية عن منحاها لتدخل في نوع من الميلودراما غير المبرّرة أو المقنعة. ويتكرّر هذا النوع من الأحداث التي تجعل الرواية تبدو كما لو أنها رواية حب من درجة متدنيّة  مع عشيقته زينب التي تنتقل الى المكسيك للزواج من شخص التقت به في إحدى حانات القاهرة  وكيف يفتقد لها فجأة ويشعر بحاجته الماسة إليها ويقتفي أثرها وصولًا إلى الاستدلال على عنوان أهلها في الصعيد وتقديم المساعدة المادية لهم. والمفارقة، أن عائلة زينب تشكّل مظهر الفقر الوحيد في رواية تدّعي رصد أحوال المجتمع المصري الذي يشكّل الفقر أحد أبرز سماته. ولا تعتبر معالجة موضوع أطفال الشوارع التي جاءت بدورها سطحية وتناولت البديهيّات من دون إضافة عناصرسرديّة  جديدة لقضيّة غنيّة بايحاءاتها، إشارة كافية الى الفقر في مصر في وقت يبدو فيه كل أبطال الرواية ومن يدور في فلكهم من الميسورين

أخيرًا وليس آخرًا، لا يُمكن للقارئ إنكار الجهد الذي وضعه مكاوي سعيد في رصد الشارع المصري خلال حقبة السبيعينيات، غيرأن حشو الرواية  بالكثير من الأحداث الهامشية والشخصيات التي لا قيمة فعليّة لوجودها، أضاع بوصلة الرواية وأغرقها في ثرثرات لا فائدة  منها وأفقدها الكثير من الجماليّة والخصوصيّة التي ربما كانت ستسعفها في  أن ترقى سلم الجائزة بشكل أفضل