سأصبح وزيرة

jana nasrallah

أمّا وقد تشكّلت الحكومة، هذه الحكومة، شعرت بغبطة عارمة. ليس لانها جاءت بعد انتظار طويل. لم أكن أصلا من المنتظرين  عدا أنه ليس الانتظار الأول ولن يكون الأخير، الانتظارات جزء من هوية البلد السياسية في نسختها الحديثة. ولا علاقة لسرّ سعادتي بوجود أربع نساء في الحكومة العتيدة. لست نسويّة، وتستفزّني البهجة العارمة والاحتفالية المبالغ فيها بوصول المرأة إلى الوزارة وأراها تشبه الاحتفالات الشعبيّة بإجراء عملية الطهور للمولود الذكر ! نقاش طويل لا بدّ أن يبدّد الغوص فيه سعادتي العارمة

شعرت مع تشكيل هذه الحكومة أنني قد أصبح في أيّ لحظة وزيرة، وأنني ربما أبعد عن الفوز بهذا المنصب بضع خطوات فقط. لا حاجة لأن اجتهد في العلم. لا ضرورة لأن تكون حياتي المهنية حافلة بالنجاحات. ليس من قانون يفرض عليّي مراكمة الخبرات. شرط واحد بسيط يقتضي ان أكون ابنة الطائفة البارّة أو أن أكون عضوًا فاعلًا في أحد أحزاب السلطة. والأهم أن أتخلّى عن اسمي وأرضى أن أعرّف بوزيرة هذه الطائفة أو ذاك التيار. بمعنى آخر، أن يسقط اسم الوزير ليصبح التعريف على الشكل التالي : الثقافة لحركة أمل ( بالمناسبة لماذا ارتضت حركة أمل وزارة الثقافة؟ سؤال على الهامش) والمهجّرين للتيار(ما هو سرّ استمرارية هذه الوزارة  التي تذكر بضريبة زلزال عام 1955 التي ما زال يدفعها اللبنانيّون! رغم ان المهجّرين إما عادوا وأما ماتوا وإما هاجروا، قد يكون انشاء وزارة للبحث عن المفقودين أكثر إفادة مثلًأ)، والداخلية للمستقبل ،والتنمية الإدارية للقوات، والصحة لحزب الله وهكذا دواليك. صحيح أنها ليست المعايير الوحيدة التي حكمت تشكيل الحكومة ، ولكن المعيار الآخر لا أستطيع تأمينه بسبب المسار التاريخي الذي سلكته حياتي: لست ابنة زعيم سياسي يورّثني الوزارة ولا ابنة قياديّ يرضونه بتوزير ابنه. والدي كان موظفًا ونقابيًا وجلّ ما أورثني اياه كان الكرامة كما ظل يردّد بتفاخر ( لذا، انا عاطلة عن العمل منذ أكثر من عشرات سنوات، ولو لم أكن لبنانية، لاستحقيت الجنسيّة في بلدٍ يرتفع فيه عدد العاطلين عم العمل الذين لا تسقط هذه الصفة عنهم إلّا إذا شاء حظّهم أن يستبدلوها بمهاجر). لذا لم يبق أمامي سوى الخيار الأول لأكون وزيرة : الالتحاق بأيّ من أحزاب السلطة ، لأن حظوظي طائفيًا ومذهبيّا شبه معدومة لأسباب يطول شرحها
قد يستفز هذا التحليل الغيارى على الوطن وسمعته الدولية. وقد يقول قائل أن الوزراء في كلّ دول العالم واعتى الديموقراطيات إنما يمثلون أحزابهم، ولا يُعرفون أصلًا سوى من خلالها، إذن ما الذي يستدعي الاعتراض والانتقاد والأدهى بناء الآمال على تبوء منصب وزير كأن الامر مجرد نزهة من دون زحمة سير
صحيح. ولا ينقص هذا الاعتراض سوى كلمة واحد اسمها البرنامج ! وما دامت ليست هناك برامج يحاسب عليها أي طرف في الحكومة، وما دام التأخير تسعة أشهر لتشكيل حكومة ليس له مبرر بناء على النتيجة التي خرجت بها البلاد بعد انتظار طويل ، ليس ما يمنع أن اتفرغ حاليًا لشراء البزّة التي سأظهر فيها في الصورة التذكاريّة لأعضاء الحكومة بعد أن أعلن استعدادي الوفاء الكامل  لأي جهة تبحث عن مناصرين تحوّلهم لممثلين في الحكومة. نحن تحت التصرّف

إدمون صعب: أخذ معه المهنة ورحل

img_1304احتجت يومًا كاملًا لاستيعاب خبر رحيلك، وقد احتاج وقتًا أطول بكثير يعادل ما تبقى من العمر لأصدّقه، ولن أصدّقه كماهو الحال مع  الأحباء، أحباء القلب الذين رحلوا. أقنع نفسي أنهم ما زالوا موجودين في هذه الدنيا. أرقام هواتفهم محفوظة في هاتفي. مواقفهم ، أقوالهم، ردّات فعلهم وصورهم مطبوعة في الذاكرة . وحده الكسل حال دون أن نتواصل إستاذ إدمون. أقول غدًا نلتقي. ويحملني الغد إلى اليوم الذي يليه، وهكذا من دون أن نلتقي. لعلّني كنت أخشى اللقاء. لم أرغب لقاء إدمون صعب على غير الصورة التي عرفته عليها. قويًا صلبًا مُجادلا وأستاذا أصيلًا في مهنة الصحافة التي خسرت الكثير من قوامها وما تزال تخسر مع رحيل الكبار الذين لا ورثة مهنيين لهم. أجلت اللقاء، وكأني بذلك أمد بعمر إدمون. لم أرغب أن ألقاه وكأنني أودّعه. أردت أن أعطيه مساحة من الوقت كي يستعيد عافيته. لم يكن الكسل هو الذي منعني هذه المرة من الاتصال، بل هو الجبن من مواجهة صورة شخص على غير حقيقته، شخص نال منه المرض ثم انتصر عليه على غفلة منا وليس منه، لأنه صارع وتألم وجاهد قبل أن يعلن استسلامه. لم يعد بامكانه انتظاري أكثر من ذلك، ولَم يكن بإمكاني أن أراه في ضعفه . تعذّر اللقاء، وتضاعفت الغصة والألم والندم . لم أفكّر يومًا في رثاء إدمون صعب. لم أجرِ هذا التمرين الصعب ولا حتى حين علمت أن حالته الصحية في أصعب مراحلها. لم أجرؤ على ذلك، لأن على الاحباء ألّا يرحلوا وخصوصًا إذا كانوا من صنف الكبار الذين نرى أن وجودهم حاجة دائمة لا تنتهي. رغم كل ذلك رحل إدمون صعب
تعرّفت على إدمون صعب في العام ١٩٩٧. لم يكن اللقاء وديًّا، ولكن الحاجة إلى العمل أولًا والانضمام إلى جريدة ”النهار“ الذي كنا نعتبره معمودية المهنة ثانيًا (كنّا وكان)، جعلاني أرضى بكلّ عدم الود الذي حصل في اللقاء. كان ادمون يبحث عن مديرة لمكتبه (التعبير له) ، وأرادها صحافيّة تتحدث اللغتين الفرنسيّة والإنكليزية إلى العربيّة. تحرّى عني في ”ملحق النهار“ الذي كان يرأس تحريره حينذاك الياس خوري  وكنت أكتب فيه بانتظام أسبوعي. قرأ بعضًا ممّا كتبت، ورغم ذلك حين اطلع على سيرتي الذاتيّة التي تشير إلى عشرة  أعوام خبرة في الصحافة كنت أتباهى بها نظر إليّ وقال لي: ”هلقد مغيرة محلات شغل ب ١٠ سنين !“. كانت هذه العبارة الهازئة أول درس تعلّمته من الاستاذ إدمون . الانتقال من مكانٍ إلى آخر في العمل وعدم الثبات في مؤسسة واحدة ليس دليل عافية

لم تتجاوز إدارة مكتب مدير التحرير التنفيذي في صحيفة ”النهار“ شؤون السكريتريا، الأمر الذي أحبطني بشدّة، وجعلني أفكر في الاستقالة حتى لو أن ذلك سيجعلني أخسر فرصة العمل في ”النهار“. احتجت إلى وقت طويل نسبيًا لأرى الأمر من منظارٍ مختلفٍ وأدرك أنّ التواجد مع شخصٍ من أمثال أدمون صعب في مكتبٍ واحدٍ، لا بدّ أن يعلّمك الكثير من دون أن تدري . لم يكن العمل مع إدمون صعب سهلًا وخصوصًا أنه ليس من النوع الذي يوزّع علامات إعجابٍ وتقديرٍ مجانيّة. يريد أن يكون العمل أيّ عمل أقوم به كاملًا ليس فيه شائبة  أو خطأ. وقاموس الشوائب والأخطاء عند إدمون صعب واسع ومتشعب ومضن. في المرّة الأولى التي فكّرت فيها تناول مُهدّىء للأعصاب كانت في مكتب إدمون صعب . ثمّ قلت لنفسي: سأستقيل. لن أحتمل المزيد. كان مدركًا تململي، ولكنه تجاهله كمن يريدني أن أصبح أكثر قوةً وصلابةً ولا أنهار عند أوّل مواجهة. كان يُمعن في استفزازي بغية تعليمي، إلى أن جاء اليوم الذي قال لي فيه بنبرة صوته الحادّة : ”جنى ، انت محلك مش ورا المكتب ، انت محلك بالشارع“ لم يقصد الطرد في عبارته هذه. ولكن هذا أسلوبه في التعليم . حاد وغير مهادن واستفزازي إلى أقصى الحدود. وأردف: “رح حاول لاقيلك محل بقسم المحليات”. هذا ما قاله لي. أمّا ما قاله للزملاء في قسم المحليات: رح ابعتلكن أحسن صحافيّة

هذا ادمون وهذا أسلوبه. إنه أشبه بالمدرسة الداخليّة لجهة النظام الصارم الذي لا يقبل الخطأ. انتظرت سنوات طويلة لأسمع منه مباشرةً اعجابًا في عملي في قسم التحقيقات. كان يصلني الثناء مواربة. لن تكفي الصفحات لأتحدث عن ثلاثة عشر عامًا من العمل في النهار(أقصي من الصحيفة قبل استقالتي بعام واحد) مع أدمون صعب. ولست، في أي حال،  ممن يعطون الشهادات بإدمون صعب ولكنني ممن يطمحون للحصول عليها منه ومن الكبار أمثاله . كانت آخر مرة التقيت فيها إدمون صعب واقعًا (لان اللقاءات الافتراضية عبر فايسبوك استمرت حتى نال منه المرض) في حفل توقيع روايتي الأولى ”النوم الابيض“. كان فخورا بي. كلامه ونظراته تنم عن حب كبير وإعجاب ودهشة. كان يردّد:” جنى من اكتشافي“. وكتب مُعلقّا على إحدى المقابلات التي أجريتها بشأن الرواية:”  نحبّك ونقدّرك لانك كاتبة صادقة، يا صاحبة النوم الأبيض الذي كشف موهبتك الروائية

شكرا لك استاذ إدمون لأنك  كنت بوابة عبوري إلى ”النهار“، ”النهار“ التي كانت مدرسة و أقفلت صفوفها تباعًا بعد أن تخلّت عن كبارها. شكرا لأنك علمتني الكثير. شكرا لأنك أتحت لي أن أمرّ في هذه الصحيفة في زمنك وزمن أنسي الحاج وغسان تويني والياس خوري والمدير فرنسوا عقل (أطال الله عمره) وجبران تويني الذي كان يؤمن بجيل الشباب ويغامر في فتح ابواب الصحيفة العريقة أمامه. شكرا لك لأن كنت صعبًا كما هو اسمك. وعذرا لأنني لم أتعلّم منك القدرة على مقابلة من أحب في مرضهم وضعفهم

القاهرة هي التفاصيل ومتعة الغرق حتى القعر

 

لم أنجح يومًا في تحرير إجابة مُقنعة عن السبب الذي يدفع اللبنانيين عمومًا إلى التحدُّث باللهجة المصريّة إذا إلتقوا مواطنًا مصريًّا كما لم أنجح في تفسير السبب الذي يدفع المصريين إلى العمل حصرًا  في محطات الوقود في لبنان. ورغم أن لا علاقة تربط الأمرين ببعضهما، فإن هذين السؤالين متلازمين في رأسي، علمًا أن السؤال الأول يشغل بالي بوتيرة أعلى من الثاني بل أشعرأنني مُستفزة كلّما سمعت لبنانيًّا يتحدّث باللهجة المصريّة مع مواطن مصري، إذ  يبدو لي أحيانا كأنه يُترجم له من لغة أخرى وليس من لهجته اللبنانيّة إلى اللهجة المصريّة. قد يبدو الأمر ”منطقيًّا أو مُفسّرًا“ لمن يعتبر أن هناك لغةً لبنانيّة (وليس لهجة) قائمة بذاتها لا علاقة لها باللغة العربيّة! في أي حال، حرصت حرصًا شديدًا في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة، على ألاّ أنطق سوى باللهجة اللبنانيّة التي، وللمفارقة، ظنّ المصريون بناءً عليها، أنني سوريّة. قد لا تشكّل هذه المقدمة مدخلًا مناسبًا للجزء الثاني من زيارتي إلى القاهرة، ولكنها ملاحظة على الهامش ظلّت تلح عليي طوال رحلتي من دون أن يشكّل إغراء التحدّث باللهجة المصريّة الذي انتابني أكثر من مرّة إجابةً شافية على تساؤلاتي

 

تفاجئك القاهرة بقدرتها على الصمود. هذا ما يقوله الزائرون وما لا يوافق عليه أهل البلد. الصمود صورة خارجيّة، أمّا الواقع فهو تراجعٌ وانهيارٌ مستمران، يقولون. وإذا حذفنا القاهرة ووضعنا مكانها بيروت، سيساعدنا ذلك من دون شك على فهم ما يعنيه المصريّون في اعتراضهم على فكرة الصمود. ولكن ذلك لا ينفي أن القاهرة تبقى جميلة ومميّزة  في عين الزائر- السائح وإن كان يشعر بنظرة استغرابٍ وأحيانا شفقة تعلو وجه محدّثه المصريّ كلّما استفاض الزائر مديحًا ببلاد الفراعنة. فكيف إذا كان الزائر المدهوش لبنانيّا (أحلى ناس، كما يصفهم المصريون)، عندها يشك المحدّث المصري في السلامة العقلية للزائر اللبناني أو يفترض في أحسن الأحوال أنه يسخر منه ومن بلاده. في أي حال، وبمعزل عن رأي المصريين وموقفهم، فإن البلد الذي ما يزال يُقيم اعتبارًا وازنًا للثقافة، هو بلد فيه الكثير من مقومات الصمود أو الأمل في انطلاقة جديدة. ففي القاهرة التي يزداد فيها الفقر والجوع، وتنخفض قيمة العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها (الدولار الأميركي يعادل 18 جنيهًا) تنتشر المكتبات بشكل لافت. كيفما سرت، وأينما تهت لا بدّ أن تصادفك عناوين كتب ومجلدات منها ما هو حديث، ومنها ما هو قديم، ومنها ما هو نادر. كتب على الأرصفة، وكتب في المكتبات التي حافظت على مفهوم المكتبة بمعناها العريق، أي مكتبة تناقش مع صاحبها أو العامل فيها عناوين الكتب. ينصحك بكتاب أو يطلعك على آخر اصدارات هذا الدار أو ذاك المؤلف. لذا، تبدو زيارة القاهرة من دون تمضية جزء من وقتك في مكتباتها، زيارة ناقصة على المستويين السياحي والفكري. استرجع المصريون عادة القراءة، قال لي صديق مصريّ، بنبرة لا تخلو من الشعور بالفخر في زمن أصبحت فيه القراءة من أفعال الماضي السحيق، وتابع قائلًا أن ثمة كتّابًا جددًا يحققون مبيعات لأعمالهم تلامس حدود الـ 200 ألف نسخة في السنة. والمقارنة مع عدد السكان هنا لا تبدو ذات دلالة، لأن فعل القراءة موضوع النقاش لا يتحدّث عن كلّ المصريين، بل عن جيل  الشباب والمتعلمين. ويبدو أن المصريين لا يقرأون فحسب، بل يتذوقون فنونًا أخرى. لذا، إذا قرّرت أن تحضر عرضًا في الأوبرا المصريّة عليك ان تحجز البطاقات باكرًا لأنها قد تنفذ سريعًا. يخال المرء أن حضور عرض في الأوبرا المصريّة، هو إمّا نخبويّ وإمّا سياحيّ. والمقصود بالسياحيّ أن الشركات التي تنظم رحلات سياحيّة إلى القاهرة، تحجز لزبائنها في الأوبرا من ضمن برنامج الرحلة. رغم صحّة الاحتمالين، فإن نسبة المصريين الذين يقصدون دار الأوبرا مرتفعة نسبّيا، وهم لا ينتمون بالضرورة إلى ”صفوة المجتمع“ ولا إلى أغنيائه حصرًا، وهو ما يمكن تحديده من لباسهم العادي والمتواضع، بل هم من عامة الشعب التي تتذوق الفن وتقدّره. وللفن في دار الاوبرا نكهة خاصة ومستوى عالميًّا وخصوصًا حين يكون العرض رقص باليه مع فرقة موسيقيّة حيّة ويحمل اسم ”كسارة البندق“. ساعتان من المتعة الخالصة. عرض باهر وآسر مع راقصين يوازون النجوم العالميين خفّة ورشاقة وحرفيّة عالية وجمهور متذوّق مسك أنفاسه طوال ساعتين قبل أن يشعل الصالة تصفيقًا حارًا.      ليست العروض الفنيّة محصورة في دار الاوبرا الذي مهما قصده المتواضعون والمحبّون للفنون الذين ربما يقتصدون طوال الشهر لحضور عرض فيه، تبقى سمته العامّة نخبويّة. العروض الفنيّة والمعارض متوفرة في القاهرة على مدار الأيام والأسابيع، ولو أراد الزائر أن يتابعها جميعها لما سعفه الوقت. فإذا أردت مثلًا أن تشاهد رقصة التنورة التي تُعرض في مسرح الغوري في شارع عبده المتفرّع من شارع الأزهر، عليك ان تحضر قبل ساعة ونصف الساعة من موعد العرض وتقف من صف طويل وزحمة خانقة بين المصريين الذين يتهافتون للحصول على بطاقة دخول. العرض ليس مجانيًا ورغم ذلك فإن الزحمة خانقة. والحضور ليس كلّه أجنبياً ولا هو سياحيّ محض، إذ امتلأت القاعة مناصفة بين السوّاح الأجانب وبين المواطنين المصريين الذين يدفعون ثمن بطاقة الدخول 5 جنيه مقابل 75 جنيه لغير المصري. الثقافة مدعومة في بلدٍ ترتفع فيه معدلات الفقر والبطالة ويعاني مشاكل إقتصادية جمّة، واستطرادًا فإن كل المتاحف والعروض الفنيّة والمرافق السياحيّة متاحة أمام المصريين بأسعار زهيدة، حتى تلك التي تحوّلت إدارتها من القطاع العام إلى القطاع الخاص مثل برج القاهرة. لم يكن الوصول إلى وكالة الغوري، وهذا هو اسم المكان، أمرًا سهلًا. ليس ما يشير إلى أن ثمة مبنىً تراثيّا في هذه الناحية يُستخدم للعروض الفنيّة. حتى عندما تسأل عن المكان ويدلّونك عليه بالبنان : هناك، تقول أن ثمة التباس. لعلّهم يشيرون إلى مكان آخر غير وكالة الغوري. ويعود سبب الانطباع إلى كميّة النفايات المُحيطة بالمكان والروائح الكريهة المنبعثة إلى القطط السارحة التي تعبث بالنفايات. تدرك أنّك وصلت إلى المكان المنشود بسبب الصف الطويل ممن سبقوك للحصول على بطاقة دخول. تقف بين الناس وتشعر أن العرض بدأ للتو. لعلّها من المرّات النادرة التي وقفت فيها في صف طويل لا أحد يحترم فيه دور الآخر، ولم أتذمر أو أعود ادراجي عازفة عن حضور العرض لأن الزحمة تشعرني بالاختناق الفعلي لا النظري. كنت فرحة بما يدور حولي. أراقب الناس وأستمع إلى أحاديثهم. أستمتع وأبتسم وأشعر مجددًا أنني في مشهد سينمائي بامتياز على خلفية موسيقيّة لأغنية محمد عبد المطلب”ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين، وعشان أنول كل الرضى يوماتي أروحله مرتين“. في المناسبة، لا أدري لماذا كنت أدندن هذه الأغنية كلما انطلقت في رحلة مشي جديدة في شوارع القاهرة. سيّدة مُحجّبة تصرخ في رجل حاول أن يتجاوزها وتطالبه في احترام الدور، يحاول الردّ عليها، تحرجه، يتلعثم في الكلام ثم يتراجع إلى الخلف مطأطأ الرأس. ورغمة جديّة الموقف لم أنجح في تمالك نفسي من الضحك، ولحسن حظّي أن السيدة التي كانت قبل لحظات في فورة غضبها، تخلّت عنه فجأة وشاركتني الضحك من القلب. هم هكذا يضحكون دائمًا في أقسى المواقف وأصعبها. لم تضربهم لوثة العدائية بعد.  ندخل العرض وننتظر ساعة كاملة رغم امتلاء القاعة. يبدأ العرض في تمام الساعة المحدّدة. عرض محترف، ممتع، ورائع بسعر زهيد لأن الثقافة مدعومة وليس لأن الفرقة مغمورة أو دون المستوى المطلوب كما ظننت حين فوجئت بسعر البطاقة

إنها بعض أوجه الحياة في القاهرة التي لا تنام ولا تستسلم. إنها القاهرة التي تفشل كلّ المحاولات لخلق مسافة بينك وبينها، لأن ذلك يبقيك عائمًا على سطحها ويفقدك التمتع بسحرها. القاهرة هي التفاصيل، والتفاصيل لا تُقرأ ولا ينظر إليها من أعلى، بل تعاش شارعًا بشارع وزقاقًا بزقاق. القاهرة هي الناس ومهما صمدت في الحفاظ على خصوصيتك فلا بدّ أن ينتهي بك المطاف وانت تستعير طرافتهم وتتحدث لهجتهم وتجيب كلّ من سألك عن رحلتك بالقول: زي القِشطة

 

القاهرة إطار لذاكرة مصورة في اللغز والرواية والفيلم

كانت القاهرة أول عاصمة زرتها في حياتي. لم اشعر يومها أنها ستكون زيارتي الأخيرة لها. لا علاقة لهذا الشعور بالمثل القائل ”اللي يشرب من النيل لازم يرجع له تاني“، بل لأنه لا يُمكن لزائر هذه العاصمة الحيويّة أن يتعامل معها سياحيّا، أيّ أن  تنتهي وظيفتها ما إن ينهي جولاته السياحيّة التي يُتوّجها بزيارة الأهرامات والتقاط الصور التذكاريّة أمام أبو الهول، ليُخطّط بعدها لزيارة بلد آخر والتقاط صور يضيفها إلى ألبومه السياحيّ.  لست واثقة إذا كان الشعور نفسه ينتاب الذين يزورون بيروت. ولكن أخمّن ذلك. تكرّرت زياراتي إلى القاهرة. وكنت أشعر في كلّ مرّة أنني أعيد اكتشافها، أو بالأحرى أكتشف فيها أشياء جديدة

كانت زيارتي الأخيرة إلى القاهرة سياحيّة الطابع. سببها الرئيس هو الهروب من زحمة بيروت في الأعياد التي تزداد أضعاف ما هي عليه مع انهمار المطر وتشكّل السيول وبرك المياه في وسط الطرق العامة. قد تبدو المفارقة غريبة ومُضحكة. لا أحد يهرب من الزحمة إلى القاهرة. هذه العاصمة التي يدخلها يوميًّا ما يزيد على مليونيّ مواطن لانهاء معاملات رسميّة ويقيم فيها عشرة ملايين نسمة.  زحمة خانقة في القاهرة، ولكن السماء صافية وليست هناك أمطار، فلا بدّ إذن من المشي علمًا أن الهواء بارد جدًا في أحيان كثيرة

  القاهرة مشيًا تختلف عن القاهرة بالسيارة. والقاهرة فوق الجسور(الكوبري) هي غير القاهرة تحت الجسور التي تحملك إليها ”غوغل ماب“ لتجنّبك السير في الطرق العامة بعدما تحدّد المكان الذي ترغب في الوصول إليه عبر هذا التطبيق، مشيًا. زحمة سير فوق الجسور وزحمة بشر تحتها. أبواق سيارات تصمُّ الآذان في الأعلى، ونداء الباعة وصراخ الزبائن وصريرالجسر تحت وطأة آلاف العجلات التي تجتازه على مدار الساعة  إلى روائح الأطعمة والخضروات المُتعفّنة التي تختلط بروائح الناس  في الأسفل. تشعر بالقلق والتوتر ثم بالاختناق ثم بالرغبة في التلاشي لأنها الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المكان الذي أوجدت نفسك فيه هربًا من الزحمة في الأعلى وتجنبًا لقيادة المصريين المتهورة. ليست هناك إشارة تخبرك أين أنت، و”غوغل ماب“ يحدّد لك فقط عدد الكليومترات التي عليك اجتيازها لبلوغ وجهتك : منطقة الحسين! ثم ما همّك إذا عرفت اسم الشارع الذي أنت فيه أو لم تعرفه، ما دام ذلك لن يساعدك في الخروج من المأزق الذي وضعت نفسك فيه، سوى السير قُدُمًا والتأكد من أنك تضع قدمك في المكان المناسب، من دون أن تدوس على أيّ من البضائع المفروشة أرضًا حيث تختلط الخضروات باللحوم، واللحوم بالدجاج، والدجاج بالأقمشة، والأقمشة بالنحاسيّات، والنحاسيّات بالأدوات الكهربائية… وكلّها محاطة بأكوام من الوحول والقمامة والمياه الآسنة. لم تردعنا هذه الزيارة (أنا وسمير) من تكرار التجربة ثانيةً. اعتبرنا أننا ضللنا طريقنا في المرة الأولى وأنه لا بدّ أن نتعلم من خطئنا في المرّة الثانية. سنذهب الى ميدان التحرير ومنه إلى شارع طلعت حرب هناك سنسأل كيف يُمكننا الوصول مشيًا إلى متحف السُحيمي في شارع المعز. إنها مسافة قصيرة نسبيّا لا تتعدى كليومترين إثنين. لم تكن التجربة الثانية أفضل من الأولى، بل ربما أسوأ. لذا، ظلّت الحاجة إلى ”غوغل ماب“ مُلحّة ربما للشعور بأن الأقمار الإصطناعيّة ترعانا! لم يكن هناك زحمة. الشوارع شبه فارغة لأن اليوم جمعة ولن يخرج المصريون إلى ممارسة حياتهم اليوميّة قبل الصلاة . بدأنا المشي ووجدنا نفسيْنا ندخل أحياء شعبية وطرقًا لم نطأها من قبل لا بواسطة السيارة ولا مشيًا ولا بأي نوع من وسائل التنقل. أصبحنا في منطقة يكثر فيها أصحاب اللحى وترتفع فيها أصوات مآذن الجوامع. رعب حقيقي انتابني لحظة اجتياز هذه المنطقة. ماذا لو اوقفونا؟ ماذا لو اعتدوا علينا؟ ماذا لو شتمونا؟ ماذا لو انفجرت عبوة ما؟ عشرات الأسئلة المشابهة اخترقت رأسي في عشر الثانية وجعلتني ألهث وأتصبب عرقًا باردًا. حين أخبرت صديقي المصري عن هذه المغامرة قال لي بعدما أبدى كلّ علامات الاستغراب والاستهجان لوصولنا إلى هناك إن ”هواجسي كانت  في مكانها لو زرت هذا المكان قبل أربعة اعوام. أما اليوم فجلّ ما قد يفعله الملتحون هو النظر شذرا“. صادفنا القليل من الرجال في بادئ الأمر ثم بدأ العدد يزداد تدريجيًا وكان السواد الاعظم منهم من أصحاب اللحى. ظهر عدد قليل من النساء ولكن جميعهنّ محجبّات ثم ارتفع العدد وبقين جميعهن محجبات. كنت السافرة الوحيدة التي تسير في الشارع ما ضاعف خوفي وتوتري. نخرج من  أحياء شعبية لندخل في أحياء أكثر شعبيّة. كنّا كمن يدور في متاهة لا نعرف كيف ننفذ منها. ترفع رأسك قليلًا ”عسى ولعلّ“ تجد من أو ما يرشدك إلى الطريق، فلا تجد سوى أبنية مهترئة، ألوانها باهتة لا تميّز حدودها لشدة التصاقها ببعضها البعض.أبنية خُلعت أبوابها ونوافذها واستعيض عنها بصفائح من الحديد أو ألواح من الخشب أو قطع من القماش. أبنية تشعر أنها ستهوى فوق رأسك لشدّة قدمها  وارتفاع عدد الناس الذين حشروا بداخلها. تشير”غوغل ماب“ إلى ان كليومترا واحدًا يفصلنا عن متحف السُحيمي. كيف يُعقل أن يكون ثمّة متحف في هذه المنطقة التي تراءى لنا أنها الاكثر شعبية وفقرا في القاهرة. لا بدّ أن ثمة خطأ ما، ولكن لا خيار أمامنا سوى اللحاق بإرشادات ”الغوغل ماب“. وكنا كلما توغلنا في هذه الأحياء كلما ازداد الوضع سوءًا إلى أن بلغنا مكانًا قرأنا فيه لافتة ”باب الشعرية“. هنا أصبت بالجمود. باب الشعرية. انا أقف هنا في باب الشعرية. اي سائح يقصد هذه المنطقة! في زيارتي الأولى للقاهرة في العام 1994، طلبت من سائق التاكسي أن يأخذني في جولة إلى الزمالك والمهندسين وغاردن سيتي ، حين سالني عن الغاية من هذه الجولة أجبته:”أريد أن أرى الأمكنة التي رافقتني في طفولتي حين كنت أدمن قراءة المغامرين الخمسة“. ابتسم وقال: ”هذا اغرب طلب سمعته في حياتي“. في رحلتي التالية التي جاءت  بعد أعوام طويلة، بحثت عن عمارة يعقوبيان إثر قراءتي لرواية ”عمارة يعقوبيان“ لعلاء الأسواني. وقفت أمامها وتأملتها ، ولم أجرؤ على الدخول إليها لأن الظلام كان قد حلّ، ولم تكن القاهرة تعيش أفضل أيام الامان . وسمعت أحد الرجال الذين سألتهم عن العنوان، يقول بعدما رآني أقف أمام المبنى وأتأمله من الخارج ”ناس مخّها فاضي“. في باب الشعرية ووقفت وتلفتت حولي. توقعت أن أصادف الفتوة فريد شوقي أو الخارج عن القانون توفيق الذقن أو الفتوة الآخر محمود المليجي أو رجل المباحث عمر الحريري أو العالمة ناديا الجندي. ولم أصح من الحلم إلّا على صوت سمير ينادني لأسرع الخطى. وكأني سمعته يقول لي ” اطلعي من الكادر“. ولكن القاهرة هي إطار لذاكرة مُصوّرة في اللغز والرواية والفيلم لا يمكن الخروج منها. تلك كانت القاهرة التي لطالما بحثت عنها في رحلاتي.  القاهرة من الأسفل…يتبع

 

النراجيل الغائب الأكبر في معرض الكتاب

 

IMG_1223

أما وقد أنهى معرض الكتاب الدولي في بيروت دورته الـ 62، فإنّ ثمّة تساؤلات تتعلّق في ماهيّة هذا المعرض ووظيفته ودوره والحاجة  الفعليّة له في الشكل الذي آل إليه

ليس مؤكدًا أن ما شهده مركز أرينا في الواجهة البحرية على مدى أثني عشر يومًا ( من 6 كانون الأول وحتى 17 منه) هو معرض للكتاب في المعنى التقليدي للكلمة.  تغيّر شكل المعرض ووظيفته عامًا بعد عام إلى أن أصبح شيئًا هجينًا لا هوية محدّدة له. تخلّى تدريجيًّا عن دوره، فكاد أن يكون مكانًا عامًا للقاءات عابرة ومتفرقة على خلفية كتب مرصوصة على رفوف تنتظر روّاد القراءة والمطالعة. ولولا حفلات التوقيع التي دخلت في خانة اللياقات الاجتماعيّة لزائري المعرض، وشكّلت مصدر دخلٍ لدور النشر لم يخفّض في كل الأحوال من ”نقهم“ المستمر لتراجع مبيعات الكتب، لاستحق معرض الكتاب صفة الحديقة العامة المُغلقة، أو الكافيتريا بأسعار غير مُخفّضة

لم يعد المعرض حيزًا يُتيح لك التنقّل بين دور النشر المُشاركة فيه لتطّلع على أحدث الإصدارات وأقدمها لأن الممرات الفاصلة بينها تزدحم بأشخاص لا يفعلون شيئًا سوى التواصل الاجتماعي المباشر والتقاط الصور لعرضها على مواقع التواصل الافتراضي. كما لا يُمكنك أن تفلفش صفحات  كتاب ما لفت نظرك فتسأل صاحب الدار عنه لأنه قد يكون مشغولًا بأمر خاص أو منصرف إلى التلهي بهاتفه  أو قد يقول:”لا رغبة لي في الكلام الآن، لأني تحدّثت كثيرًا خلال النهار

تعود الشكوى من تدهور وضع معرض الكتاب إلى أعوام طويلة، وبدلًا من أن يتحسن الوضع في السنة التي تلي عملًا بمبدأ الاستفادة من الملاحظات أو الانتقادات فهو يزداد سوءًا.  والحجة جاهزة دائمًا ومرفقة بأي كلام قد يُساق بحق المعرض: لا أحد يقرأ. وأصبح الحديث عن تصدر كتب الطبخ والأبراج المراتب الأولى في المبيعات ملاحظة باهتة وقديمة لكثرة الملاحظات التي تراكمت على مرّ الأعوام. توحي لك بعض الأجنحة أنك دخلت جامعًا أو حوذة دينية ولا تتذكر أنك في معرض للكتب إلّا حين تقرأ ”حبًّا بالمصطفى حسم 70% على جميع الكتب“. الحسم هو الذي يعيدك الى أجواء المعرض وليست عبارة ”حب المصطفى“. الحديث عن الكتب الدينية في المعرض قد يستفز البعض انطلاقًا من أن الكتب الدينية هي كتب ولها جمهورها ولدور النشرالحق في عرضها في المعرض حتى لو احتلت مساحات واسعة منه عامًا بعد عام. واذا صحّ هذا المنطق فإن الاعتراض على كتب الطبخ والأبراج يصبح باطلًا

واذا اسقطنا هاتين النقطتين من قائمة الملاحظات، فلا يعني هذا أن المعرض أصبح في أحسن أحواله وأن الزحمة فيه دليل على أن وضع الكتاب بألف خير، ذلك أن كل ممرات المعرض تؤدي في نهاية المطاف إلى الكافيتيريا حيث يقف الروّاد في صف طويل تحت غيوم من دخان السجائر بانتظار الحصول على كرسي للجلوس

واذا كان وجود الكتب الدينيّة كما كتب الطبخ والأبراج مبررًا في المعرض فما هو مبرّر وجود

  جناح للأشغال اليدوية

  توقيع ألبومات غنائية

  لعب للأطفال

 فرق موسيقية وطبل وزمر

   موشحات دينيّة وصوفيّة وروائح بخور؟

ولكن

ماذا لو حلّت الكتب التي تناقش الفكر الديني بدلًا من كتب التعاليم الدينيّة؟

ماذا لو منع ادخال كتب الطبخ والنفخ والأبراج وتعلم اليوغا في خمسة أيام الى المعرض لأنها خارج الموضوع؟

ماذا لو وُضعت الكافيتيريا خارج حرم المعرض واستغلت هذه المساحات لنشاطات فكريّة وثقافيّة متنوّعة؟

ماذا لو استحدث مركز استعلامات يُرشد رواد المعرض إلى دور النشر ويساعدهم في الاستفسار عن بعض العناوين ربما؟

ماذا لو تطورت وظيفة المعرض ليصبح مركزًا لاستقدام دور نشر أجنبيّة وتوقيع عقود ترجمة الأعمال العربيّة كما  يحصل في  معارض  أخرى في العالم ومنها معرض الشارقة على سبيل المثال لا الحصر؟ عندها يجوز القول أن بيروت ما تزال مركزًا ثقافيًا  وحاضنًا للكتاب والكتّاب لا أن نفرح ونفتخر بدور لبنان الثقافي رغم كل الويلات المُحيطة به لمجرد أن روائية حشدت صفًا طويلًا للحصول على توقيعها أو أخذ صورة سلفي معها

لم يكن ينقص معرض بيروت في دورته الـ 62 سوى إدخال النراجيل وإجراء سحوبات التومبولا حتى يكتمل مشهد الحديقة العامة! وكل عام وأنتم بخير

 

 

 

فن الاقناع بانتخاب مرشح لنقابة المحررين بعشر ثوان

 ألو بونسوار

 أهلا… بونسورين

 ما عرفتيني

 بصراحة لا

 أنا … مش أنت بتعلمّي معي بالجامعة؟

 …لا والله يا ريت

  أه، لأن اسمك نازل بجداول نقابة المحررين

  هلق كلّ اللي اسماءهم بالجدول صاروا بعلموا؟؟؟ هني بالكاد عم يشتغلو بالمهنة

(لا مش القصد … بس أنو ما بعرف (وخلافه من الكلام غير المفهوم والمُعمع

هذا ليس حوارًا متخيّلًا بل حقيقيًا مئة في المئة، بين محررتين، أنا الناخبة المفترضة أحداهما، والثانية محرّرة وأستاذة جامعيّة مرشحة على انتخابات نقابة المحررين غدًا

انتهى الحوار السوريالي بطلب واضح من المُتصلة التي لن أذكر اسمها (احترامًا للزمالة ولأصول المهنة التي لا أدري إلى أي مدى ما تزال مُحترمة في بلاد الأرز) بانتخابها عضوًا في النقابة. ذكّرني هذا الاتصال بأولئك المتصلات للترويج لمستحضر جديد: ”مدام ربحتي معنا جلسة ”ميك أب“ مجانيّة“، أو المتصلات (ولا أدري لماذا النساء هن اللواتي يقمن بهذة المهمّة) للتسوّل الحضاري بحجة مساعدة الفقراء. لم يكن هذا الاتصال الأول وقد لا يكون الأخير، قبل حلول موعد الانتخابات غدًا، للزملاء(وللأمانة، لم يتّصل بي كل المرشحين ولكن نسبة لا بأس بها) الذين يطلبون مني انتخابهم. أتخيّلهم يفتحون الدفتر الذي فيه أسماء المحرّرين المنتسبين إلى النقابة ويتصلون بهم تباعًا وفق الترتيب الأبجدي. حتى النقيب اتصل وطلب مني انتخابه! يطلبون، هكذا، بكلّ بساطة، طلب مجرّد من أي حافزٍ أو محاولة إقناع، أو تقديم سبب وجيه سوى أنّني ناخبة لأن اسمي مُدرج على الجدول وأن المتصل مرشح. لا يقولون الكثير في اتصالهم: مرحبا، كيفك؟ العيلة منيحة؟ بدنا همتك نهار الخميس. انتهى. لعل الحوار أعلاه هو الأطول بسبب الالتباس في الأسماء وفق ما برّرت لي الزميلة المُتصلة! يريد المرشح إقناعي بأقل من دقيقة واحدة انتخابه ليمثلني في نقابة المحررين. إنه فن الاقناع في عشر ثوانٍ الذي لن تختلف نتيجته عن تعلّم الصينيّة في عشرة أيام. هكذا تجري الأمور في كل النقابات، قالت لي صديقتي المحاميّة. ولكن هذا الذي يجري ليس مقبولًا في أيّ انتخابات أيّا كان نوعها لأنه يتعارض مع أبسط حقوق الناخب في معرفة من ينتخب؟ ولماذا؟ فكيف في نقابة المحررين التي تضم صحافيين واعلاميين وصنّاع رأي

ينتقدون المرشحين على الانتخابات النيابية وأساليبهم المعتمدة في جذب الناخبين ويحذون حذوها

يخطّون صفحات في الحديث عن تدخل الأحزاب وتأثيرها على سير العملية الانتخابية في سائر النقابات والانتخابات الطلابية، ولا يشذون عن القاعدة حين يحين دورهم

يأخذون على النواب أنهم يغيبون عن السمع لأعوام ولا يظهرون مجددًا ألّا عند حاجهتم لأصوات الناخبين، وعلى خطاهم يسيرون

وحتى يكتمل المشهد الانتخابي أوردت إحدى الصحف التي ما زال فيها محررون يعملون، وتلك نعمة ادامها الله عليهم، أن أحد المرشحين أبلغ بواسطة الواتساب أن النقليات مؤمنة ذهابًا وإيابًا إلى مركز الإقتراع في الفرورم دو بيروت بواسطة شركة شارلي تاكسي. ولم تجر أي إشارة إذا كان العرض يشمل السندويشات أو لا

المؤسسات الإعلامية تحتضر، ولكن النقليات مؤمنة

الصحافيون لا يتقاضون رواتبهم ولكن الاتصالات جارية على قدم وساق لحشد أكبر عدد من الناخبين

العاطلون عن العمل في هذه المهنة يزيد بنجاح كبير ولكن لا هم يكفي أن يتحفنا المرشح بصوته الرخيم عبر الهاتف حتى تغمرنا السعادة ونقتنع بضرورة انتخابه. يا عيب الشوم

ملاحظة أولى: حدود هذا المقال هو اعتراض على شكل الدعوة إلى الانتخابات الذي يشي بالكثير. والمكتوب أحيانًا يُقرأ من عنوانه. اما النقاش في نقابة المحررين نفسها فحديث يطول ويحتاج الى دعوة عامة يشارك فيها كل المحررين المنتسبين إلى الجدول الذهبي. و في المناسبة، قد تكون تلك خطوة أولى في اتجاه ارساء نموذج للانتخابات في شكلها الصحيح

ملاحظة ثانية: لن أقاطع انتخابات نقابة المحررين، ليس تلبية للاتصالات التي وردتني ، بل لقناعة في أن اعطي هذه النقابة فرصة جديدة حتى لا أتهم بالتنظير عن بعد، وبعدها الحساب ولن يكون في الشكل

لأنك رحلت

  

235031Image1

كلّما سمعت المطلع الموسيقيّ لأغنية ”يا هلا يا هلا فيكن وغناني الحب اغنانيكن“ رفعت صوت المذياع في السيّارة، وابتسمت. سأستمع لربع ساعة من الوقت برفقة ”أبو الزلف“ ومونولوغه الرائع الذي يضحكني في كلّ مرّة كأنني أسمعه للمرّة الأولى. لم يُخفّف استماعي لهذا المونولوغ، على أثير “صوت الشعب” على مدى أعوامٍ طويلة وبمعدّل مرّة في الأسبوع على الأقلّ، من بريقه. كما لم ينل من دهشتي الدائمة التي تستدرج قهقهة عالية لدى سماعي بعض المقاطع والعبارات الواردة فيه

… وتعرّفت على زياد أبو عبسي. لم أُصدّق أنني أتعرّف على ”أبو الزلف“ الذي أرعبني حين هبط على مسرح البيكاديللي قبل أن ألتقيه شخصيًا بنحو ستة أعوام. وفي المناسبة، كانت ”شي فاشل“  المسرحيّة الوحيدة التي شاهدتها لزياد الرحباني على المسرح ( من انتاجه خلال الحرب). وما أزال أذكر تمامًا الذعر الذي أصابني حين قفز ”أبو الزلف“من كتاب التاريخ على المسرح محدُثًا ما يشبه الزلزال بنظر المراهقة التي كنتها.  لا أذكر ظروف التعارف، ولكنّنا صرنا صديقين جمعنا حرم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة التي كنت أتعلّم فيها وكان هو يُدرّس فيها المسرح والإخراج. يقولون أن كلّ الذين يعانون من السُمنة المُفرطة يتمتعون بطرافة لافتة وبقلب طفل. لا أدري إذا أمكن التعميم، ولكن أبو عبسي كان من هذه الطينة. كان طفلًا. يحرد، يشاغب، يلعب، يضحك من قلبه، يحب المأكولات على أنواعها ويتناولها سرًا بعيدًا عن أعين الناس الذين سيلومونه على عدم الإهتمام بصحّته 

عملت مع زياد أبو عبسي في مسرحيتين، أنا التي تقتصر علاقتي بالمسرح على المشاهدة فقط. ولكنه أصرّ. هكذا يفعل الأصدقاء برأيه، يعملون سويّة. أوكل إليّ مهام مديرة المسرح  . كانت المسرحيّة الأولى أماديوس(قصة حياة موزار)، وكانت عملًا أكاديميًا رائعًا عُرض على خشبة مسرح غولبنكيان في الجامعة. أما المسرحية الثانية فكانت ”رجع نعيم راح“ من تأليفه وإخراجه وعُرضت على خشبة مسرح فرساي على ما أظن. تخرجت في الجامعة وانصرفت الى العمل وغرق كلّ منّا في قصصه وهمومه. لم اعد التقي زياد أبو عبسي إلّا في ما ندر، ولكن” أبو الزلف” كان رفيقي الدائم ينتزع مني القهقهة نفسها رغم كل التوتر الذي يحيط بي في زحمة السير. كان في لقاءاتنا القليلة المتباعدة فائض حبٍ وودٍ وضحك ووعد بلقاء حقيقي مثل أيام زمان. يرسل إليّ سلامًا وأشواقًا مع أصدقاء وأبادله بالمثل ونجدّد وعودنا بلقاء قريب.”بحبك زياد كتير وبيحترمك“ يقول لي الأصدقاء الذين نكتشف أنهم مشتركون فنحملهم السلامات والتحيّات. و”أنا      أيضًا أحبّه كثيرًا“ أجيب بمودة كبيرة

لم نلتق. ورحل زياد. هكذا بهذا القدر من البساطة والأسى رحل. ومع كل رحيل عزيزٍ أتيقن كم أن الحياة سخيفة وتافهة. رحيل زياد تأكيد إضافي على هذه القناعة. لماذا نهمل لقاء الناس الذي نحبّهم؟ لماذا نؤجّل لقاءهم؟ لماذا لا نستفيق على حجم الخسارة إلّا لحظة فقدانهم، لماذا لا نلتقيهم في حياتهم، ونفتقدهم في مماتهم؟

بحثت عن مقابلة أجريتها مع زياد أبو عبسي منذ زمن طويل. فلفشت كلّ أرشيفي. لم أجدها. مقابلة أجريتها في زمن كنت ما أزال أكتب على الورق، ولا احتفظ بنسخة مما أكتب إلّا في حال نشر الموضوع في الصحيفة. بحثت وبحثت ليس لأنني أرغب في أن أعيد نشر هذه المقابلة على مدونتي فسحب، بل لأنني كنت أتوق لأستعيد ذكريات هذا اللقاء. ماذا سألته؟ وبماذا أجاب؟ كنت أرغب في أن أحييه مجددًا في صورته التي عرفته فيها على مدى أعوام طويلة: فرحًا، ضاحكًا وطفلًا كبيرا 

سأنتظر ”أبو الزلف“ على الإذاعة، وسأرفع صوت المذياع، وسأقهقه كما في كلّ مرّة وسأضيف دمعتين مع كلّ ضحكة… لأنك رحلت