فن الاقناع بانتخاب مرشح لنقابة المحررين بعشر ثوان

 ألو بونسوار

 أهلا… بونسورين

 ما عرفتيني

 بصراحة لا

 أنا … مش أنت بتعلمّي معي بالجامعة؟

 …لا والله يا ريت

  أه، لأن اسمك نازل بجداول نقابة المحررين

  هلق كلّ اللي اسماءهم بالجدول صاروا بعلموا؟؟؟ هني بالكاد عم يشتغلو بالمهنة

(لا مش القصد … بس أنو ما بعرف (وخلافه من الكلام غير المفهوم والمُعمع

هذا ليس حوارًا متخيّلًا بل حقيقيًا مئة في المئة، بين محررتين، أنا الناخبة المفترضة أحداهما، والثانية محرّرة وأستاذة جامعيّة مرشحة على انتخابات نقابة المحررين غدًا

انتهى الحوار السوريالي بطلب واضح من المُتصلة التي لن أذكر اسمها (احترامًا للزمالة ولأصول المهنة التي لا أدري إلى أي مدى ما تزال مُحترمة في بلاد الأرز) بانتخابها عضوًا في النقابة. ذكّرني هذا الاتصال بأولئك المتصلات للترويج لمستحضر جديد: ”مدام ربحتي معنا جلسة ”ميك أب“ مجانيّة“، أو المتصلات (ولا أدري لماذا النساء هن اللواتي يقمن بهذة المهمّة) للتسوّل الحضاري بحجة مساعدة الفقراء. لم يكن هذا الاتصال الأول وقد لا يكون الأخير، قبل حلول موعد الانتخابات غدًا، للزملاء(وللأمانة، لم يتّصل بي كل المرشحين ولكن نسبة لا بأس بها) الذين يطلبون مني انتخابهم. أتخيّلهم يفتحون الدفتر الذي فيه أسماء المحرّرين المنتسبين إلى النقابة ويتصلون بهم تباعًا وفق الترتيب الأبجدي. حتى النقيب اتصل وطلب مني انتخابه! يطلبون، هكذا، بكلّ بساطة، طلب مجرّد من أي حافزٍ أو محاولة إقناع، أو تقديم سبب وجيه سوى أنّني ناخبة لأن اسمي مُدرج على الجدول وأن المتصل مرشح. لا يقولون الكثير في اتصالهم: مرحبا، كيفك؟ العيلة منيحة؟ بدنا همتك نهار الخميس. انتهى. لعل الحوار أعلاه هو الأطول بسبب الالتباس في الأسماء وفق ما برّرت لي الزميلة المُتصلة! يريد المرشح إقناعي بأقل من دقيقة واحدة انتخابه ليمثلني في نقابة المحررين. إنه فن الاقناع في عشر ثوانٍ الذي لن تختلف نتيجته عن تعلّم الصينيّة في عشرة أيام. هكذا تجري الأمور في كل النقابات، قالت لي صديقتي المحاميّة. ولكن هذا الذي يجري ليس مقبولًا في أيّ انتخابات أيّا كان نوعها لأنه يتعارض مع أبسط حقوق الناخب في معرفة من ينتخب؟ ولماذا؟ فكيف في نقابة المحررين التي تضم صحافيين واعلاميين وصنّاع رأي

ينتقدون المرشحين على الانتخابات النيابية وأساليبهم المعتمدة في جذب الناخبين ويحذون حذوها

يخطّون صفحات في الحديث عن تدخل الأحزاب وتأثيرها على سير العملية الانتخابية في سائر النقابات والانتخابات الطلابية، ولا يشذون عن القاعدة حين يحين دورهم

يأخذون على النواب أنهم يغيبون عن السمع لأعوام ولا يظهرون مجددًا ألّا عند حاجهتم لأصوات الناخبين، وعلى خطاهم يسيرون

وحتى يكتمل المشهد الانتخابي أوردت إحدى الصحف التي ما زال فيها محررون يعملون، وتلك نعمة ادامها الله عليهم، أن أحد المرشحين أبلغ بواسطة الواتساب أن النقليات مؤمنة ذهابًا وإيابًا إلى مركز الإقتراع في الفرورم دو بيروت بواسطة شركة شارلي تاكسي. ولم تجر أي إشارة إذا كان العرض يشمل السندويشات أو لا

المؤسسات الإعلامية تحتضر، ولكن النقليات مؤمنة

الصحافيون لا يتقاضون رواتبهم ولكن الاتصالات جارية على قدم وساق لحشد أكبر عدد من الناخبين

العاطلون عن العمل في هذه المهنة يزيد بنجاح كبير ولكن لا هم يكفي أن يتحفنا المرشح بصوته الرخيم عبر الهاتف حتى تغمرنا السعادة ونقتنع بضرورة انتخابه. يا عيب الشوم

ملاحظة أولى: حدود هذا المقال هو اعتراض على شكل الدعوة إلى الانتخابات الذي يشي بالكثير. والمكتوب أحيانًا يُقرأ من عنوانه. اما النقاش في نقابة المحررين نفسها فحديث يطول ويحتاج الى دعوة عامة يشارك فيها كل المحررين المنتسبين إلى الجدول الذهبي. و في المناسبة، قد تكون تلك خطوة أولى في اتجاه ارساء نموذج للانتخابات في شكلها الصحيح

ملاحظة ثانية: لن أقاطع انتخابات نقابة المحررين، ليس تلبية للاتصالات التي وردتني ، بل لقناعة في أن اعطي هذه النقابة فرصة جديدة حتى لا أتهم بالتنظير عن بعد، وبعدها الحساب ولن يكون في الشكل

لأنك رحلت

  

235031Image1

كلّما سمعت المطلع الموسيقيّ لأغنية ”يا هلا يا هلا فيكن وغناني الحب اغنانيكن“ رفعت صوت المذياع في السيّارة، وابتسمت. سأستمع لربع ساعة من الوقت برفقة ”أبو الزلف“ ومونولوغه الرائع الذي يضحكني في كلّ مرّة كأنني أسمعه للمرّة الأولى. لم يُخفّف استماعي لهذا المونولوغ، على أثير “صوت الشعب” على مدى أعوامٍ طويلة وبمعدّل مرّة في الأسبوع على الأقلّ، من بريقه. كما لم ينل من دهشتي الدائمة التي تستدرج قهقهة عالية لدى سماعي بعض المقاطع والعبارات الواردة فيه

… وتعرّفت على زياد أبو عبسي. لم أُصدّق أنني أتعرّف على ”أبو الزلف“ الذي أرعبني حين هبط على مسرح البيكاديللي قبل أن ألتقيه شخصيًا بنحو ستة أعوام. وفي المناسبة، كانت ”شي فاشل“  المسرحيّة الوحيدة التي شاهدتها لزياد الرحباني على المسرح ( من انتاجه خلال الحرب). وما أزال أذكر تمامًا الذعر الذي أصابني حين قفز ”أبو الزلف“من كتاب التاريخ على المسرح محدُثًا ما يشبه الزلزال بنظر المراهقة التي كنتها.  لا أذكر ظروف التعارف، ولكنّنا صرنا صديقين جمعنا حرم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة التي كنت أتعلّم فيها وكان هو يُدرّس فيها المسرح والإخراج. يقولون أن كلّ الذين يعانون من السُمنة المُفرطة يتمتعون بطرافة لافتة وبقلب طفل. لا أدري إذا أمكن التعميم، ولكن أبو عبسي كان من هذه الطينة. كان طفلًا. يحرد، يشاغب، يلعب، يضحك من قلبه، يحب المأكولات على أنواعها ويتناولها سرًا بعيدًا عن أعين الناس الذين سيلومونه على عدم الإهتمام بصحّته 

عملت مع زياد أبو عبسي في مسرحيتين، أنا التي تقتصر علاقتي بالمسرح على المشاهدة فقط. ولكنه أصرّ. هكذا يفعل الأصدقاء برأيه، يعملون سويّة. أوكل إليّ مهام مديرة المسرح  . كانت المسرحيّة الأولى أماديوس(قصة حياة موزار)، وكانت عملًا أكاديميًا رائعًا عُرض على خشبة مسرح غولبنكيان في الجامعة. أما المسرحية الثانية فكانت ”رجع نعيم راح“ من تأليفه وإخراجه وعُرضت على خشبة مسرح فرساي على ما أظن. تخرجت في الجامعة وانصرفت الى العمل وغرق كلّ منّا في قصصه وهمومه. لم اعد التقي زياد أبو عبسي إلّا في ما ندر، ولكن” أبو الزلف” كان رفيقي الدائم ينتزع مني القهقهة نفسها رغم كل التوتر الذي يحيط بي في زحمة السير. كان في لقاءاتنا القليلة المتباعدة فائض حبٍ وودٍ وضحك ووعد بلقاء حقيقي مثل أيام زمان. يرسل إليّ سلامًا وأشواقًا مع أصدقاء وأبادله بالمثل ونجدّد وعودنا بلقاء قريب.”بحبك زياد كتير وبيحترمك“ يقول لي الأصدقاء الذين نكتشف أنهم مشتركون فنحملهم السلامات والتحيّات. و”أنا      أيضًا أحبّه كثيرًا“ أجيب بمودة كبيرة

لم نلتق. ورحل زياد. هكذا بهذا القدر من البساطة والأسى رحل. ومع كل رحيل عزيزٍ أتيقن كم أن الحياة سخيفة وتافهة. رحيل زياد تأكيد إضافي على هذه القناعة. لماذا نهمل لقاء الناس الذي نحبّهم؟ لماذا نؤجّل لقاءهم؟ لماذا لا نستفيق على حجم الخسارة إلّا لحظة فقدانهم، لماذا لا نلتقيهم في حياتهم، ونفتقدهم في مماتهم؟

بحثت عن مقابلة أجريتها مع زياد أبو عبسي منذ زمن طويل. فلفشت كلّ أرشيفي. لم أجدها. مقابلة أجريتها في زمن كنت ما أزال أكتب على الورق، ولا احتفظ بنسخة مما أكتب إلّا في حال نشر الموضوع في الصحيفة. بحثت وبحثت ليس لأنني أرغب في أن أعيد نشر هذه المقابلة على مدونتي فسحب، بل لأنني كنت أتوق لأستعيد ذكريات هذا اللقاء. ماذا سألته؟ وبماذا أجاب؟ كنت أرغب في أن أحييه مجددًا في صورته التي عرفته فيها على مدى أعوام طويلة: فرحًا، ضاحكًا وطفلًا كبيرا 

سأنتظر ”أبو الزلف“ على الإذاعة، وسأرفع صوت المذياع، وسأقهقه كما في كلّ مرّة وسأضيف دمعتين مع كلّ ضحكة… لأنك رحلت 

دولة الـ اندر كونترول تتفوّق على نفسها في مكافحة جريمة الكلمة

41179723_303.jpg

 أرسل لي زميل وصديق مصري على البريد الخاص يسألني: ”من اللي يقدر يقمعك؟ قوليلي وأنا أخطفهولك على طول“. لم يخطر في باله أن شعار ضد القمع الذي شكّل إطارًا لصورتي الشخصيّة على فايسبوك هو جزء من حملة تعترض على ما آل اليه وضع حريّة التعبير في لبنان. لم يصدق! ”حتى أنتم في لبنان تتعرّضون للقمع! احنا عنا في مصر بيعملو قانون لمراقبة الفايسبوك واحنا  معارضينه“ قال لي .”يبدو أننا نتناول من الطبق عينه”، أجبته. له الحق في ألّا يصدّق أن القمع بات ظاهرة تستوجب الاعتراض في لبنان. في المناسبة، حصل هذا الحديث قبل استدعاء الدكتورعصام خليفة للتحقيق معه لدى المباحث الجنائيّة على خلفيّة شكوى مقدمّة ضدّه من رئيس الجامعة بجرم القدح والذم، ممّا وفّر عليّ حرجًا كبيرًا، لأنني لن أجد ما أدافع به إذا قال لي مثلًا:”ايه ده انتو سبقتونا بأشواط، أو إنتو بقيتو مدرسة في القمع بعد ما كنتو مدرسة في الحرية“. لن نفتح الآن كتاب التاريخ وننهل من الأمثلة ونستذكر الأحداث والمواقف التي تؤكد أنّ استغراب صديقي مبرّر ومشروع. لقد أصبح، استطرادًا، كلّ لبنان مجرد تاريخ، ويبدوأننا نعيش منذ أعوام قليلة وحتى يومنا هذا في بلد آخر هو غير لبنان الذي قرأنا عنه أو أخبرتنا عنه الأجيال السابقة. هذا ألطف إخراج لتدحرج البلاد على المستويات كافة إلى قاع القاع. مراقبة ما يقال أو يكتب أو ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو لا شك أمر مثير للشفقة وينطبق عليه المثل القائل من راقب الناس مات همًا. إنهم الناس بالمعنى الواسع والفضفاض للكلمة . يتحدثون على صفحاتهم تمامًا كما يتحدّثون في الأفران، والمقاهي، وسيارات الأجرة، والبيوت، ومن على شرفات المنازل. إنهم يثرثرون، ويتذمّرون، ويشكون همومهم، ويحلمون، ويطبخون، وينفخون . أي إنهم يعيشون يوميّاتهم عبر هذه الصفحات. كيف يمكن مراقبة كلّ هؤلاء بشكلٍ عادلٍ ومن دون التمييز بين مواطنٍ وآخر في التعامل مع ما يتفوّه به على مدار الساعة ؟

لقد فات أجهزة المراقبة أو مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية (بالمناسبة الإسم وحده يحدث الرعب في النفوس :جرائم !!!) أنهم يساهمون من حيث يدرون أو لا يدرون في نشر ما يعتبرونه قدحًا وذمًا وإساءةً في حق الوطن ورجالات الدولة على أوسع نطاق مع توقيف كلّ من يعتبرونه تجاوز حدود الكلام المسموح به في أعرافهم. وللأمانة لم يكن معظم المواطنين، على سبيل المثال لا الحصر، على اطلاعٍ على ما قاله شربل خوري عن مار شربل ولا يدرون بتعليق جويل سليم على مار شربل أيضًا. ولكن بفضل مكتب مكافحة جرائم المعلومات أصبح كلّ اللبنانيين على علم بتفاصيل القول والردّ ”المجرميْن“ التي جرت مكافحتهما بالتحقيق ثم منع شربل خوري من استخدام حسابه على فايسبوك لمدة شهرٍ كامل. ونعم الحكم!!! هناك آلاف التعليقات والصور التي تدرج في خانة القدح والذم بحسب المفهوم الرسمي للتعبير تُبث على مدار الثواني وليس الساعة عبر صفحات الفيسبوك ولا يراها الرقيب ولا يعاقب عليها ؟ماذا عن صورة العلم اللبنانيّ الذي استُبدلت فيه الأرزة بنبتة الحشيش في الإشارة إلى النيّة في تشريع الحشيش في لبنان؟ أو ليس في هذه الصورة التي انتشرت في لبنان والمهجر، عفوا بلاد الانتشار، تحقيرًا لعلم البلاد ودائما بحسب المعايير الرسميّة؟ لماذا لم يوضع الشعب اللبناني المقيم والمهاجر،عفوا المنتشر، في النظارة؟ أو ليس هذا ظلمًا يعكس عدم مساواة بين المواطنين ؟ لا بدّ أن تفعّل الدولة أجهزة الرقابة وأن تتفرّغ لمراقبة كلّ حرف يُكتب أو كلّ نفس في غير مكانه حتى تُحقّق المساواة المنشودة. ما دام تحقيق العدالة في الميادين الأخرى أمرًا مستحيلًا وميؤوسًا منه، فلتتحقق على هذا المستوى!!  هكذا تكتمل صورة المساواة في أبهى حللها ويمكن للدولة عندها أن تطمئن أن كلّ الامور تحت السيطرة وترفع شعار”دولة الـ أندر كونترول“.  وحتى  يستقيم وضع العدالة والمساواة لا بدّ أن يطال العقاب كلّ من لييك (من لايك ) وكلّ من شيّر(من شير) ”الكلام المجرم“ الذي استوجب توقيف صاحبه. ولا ضير في أن يوقفوا أيضًا كل من ابتسم أو ضحك أو ساهم في نشر التعليق شفويًا. ولمزيد من ضمان سير العدالة وإحقاقها لا بدّ من مراقبة الواتساب الشيطان الأكبر في نشر الشر.  لطالما ردّدت أنه لو أيقن مارك زوكربرغ أن الفايسبوك سيقع بين أيدي اللبنانيين، لما سمح لهذا الاختراع العبقري أن يُبصر النور. ولا يرتبط  هذا الموقف بما يقال عبر الفايسبوك بقدر ما له علاقة بالـ”جلقان” في استخدام هذه الوسيلة لعرض أتفهم الأمور بدءًا من قصة الشعر مرورا بتحديد المطاعم والمقاهي التي يرتادونها وصولًا الى الجلوس في ال ”في اي بي لونج“ في مطار بيروت الدولي. أما وقد تفوّق مكتب مكافحة جرائم المعلومات في لبنان على نفسه وعلى اللبنانيين أجمعين، فلا بدّ أن السيّد مارك يشعر بأسف وذنب تجاه اللبنانيين الذي سبّب لهم اختراعه  هذا متاعب جديدة وحوّل التعبير أكان حرًا أو سفيهًا إلى جريمة يعاقب عليها القانون الفضفاض الذي يعاد تفصيله وفق مقاسات استنسابيّة

عذرًا يا صديقي المصري إذا كنا قد سبقناكم في الرجوع خطوات إلى الوراء فنحن اعتدنا أن نكون السبّاقين في كل شيء. ولكن شاء حظنا العاثر أن ثمة من غيّر وجهة سيرنا من الأمام إلى الخلف وبالسرعة نفسها. ونحن شعب مسكين لا حول له ولا قوة ينتخب ولا يعترض، ويتلهى عبر الفايسبوك إلى أن يحين موعد الانتخابات المقبل، فيسير خطوات دؤوبة إلى الوراء

ملاحظة: أرجو ألّا يجري استدعائي خلال عطلة نهاية الأسبوع لارتباطي بمناسبة مهمة وعزيزة على قلبي. وأنا تحت أمركن إعتبارا من  الساعة الحادية عشر من صباح الاثنين وليس قبل لارتباطي بموعد لتنظيف البيت…وشكرًا

الطائفيون المجموعون والمطروحون والمنقسمون … التقوا في حفل زياد الرحباني

37081915_982496058571503_1093048870226624512_o_418662_highres

الصورة من جريدة النهار

قد لا تكون حفلة زياد الرحباني في مهرجانات بيت الدين من أجمل حفلاته. قد لا يكون زياد فكّر أو أراد أن يقدم الأجمل. قد لا يكون مقتنعًا بهذه التصنيفات أصلًا. إنها حفلة موسيقيّة قدّم فيها قديمه وأغنية واحدة من جديده. قد يستحق الأمر بالنسبة له إحياء حفلة لإطلاق أغنية جديدة وليس ألبومًا كاملًا. لم يطلق الوعود وهذا ليس من عاداته أصلًا. كلّ هذا ليس مهمًا أو بالأحرى لم يعد مُهمًا في مقاربة أعمال زياد وإنتاجه الموسيقيّ. ذلك أنّ التعاطي مع زياد يجري دائمًا من منظار مختلف. تحاكم أعمال الرجل الفنيّة والموسيقيّة والمسرحيّة من خلال مواقفه في شتى الميادين الأخرى ولا سيّما السياسيّة. ولأن زياد شخصية مشاكسة بطبعها ولا تهادن، ولأنه لا يُؤْمِن بأن على الفنان التزام الحياديّة وعدم التعبير عن آرائه حفاظًا على صورته أمام جمهوره، فهو يعبّر عن آرائه السياسيّة بحريّةٍ تامة وبأسلوبٍ يراه البعض إستفزازيًا. ولكن الردّ لا يأتي في مناقشته في ما يقول بل في النيل من أعماله عمومًا والتقليل من إبداعه والقول بأنه أفلس ولا يملك جديدًا يقدّمه. وقد يطال الرد شخصه، فيتهم بأنه أدمن الكحول تارةً أو أنه يتعاطى الممنوعات طورًا أو يعاني من مرضٍ عضال
بعد غياب بضعة أعوام عن الساحة الفنيّة، دبّ النشاط مجددًا بزياد الرحباني ، فأحيا سلسلة حفلات في مقهى البلو نوت إحتفالا بعيد العمّال في أول أيّار. هكذا عَنْوَن حفلاته ولَم يكن الحضور، إستطرادًا، من العمّال بل ممن ينظرون نظرةً مغايرةً لنظرته إلى هذه الفئة، وهنا بيت القصيد الأول. ثمّ استكمل نشاطه بافتتاح مهرجانات بيت الدين باروكسترا كاملة تحت إدارة المايسترو هاني سبليني وزياد خلف البيانو طبعًا. جاءت هذه الحفلة بعد مواقف ناريّة أطلقها الرحباني في مقابلة مع تلفزيون ”المنار“ أعلن فيها مجددا انتماءه للمحور المُسمّى ممانعة. وانهالت عليه الانتقادات من كلّ حدبٍ وصوب من هم في المحور المقابل المُسمّى اعتدال
في بيت الدين، بدا المشهد مختلفًا وهنا بيت القصيد الثاني، والمقصود في “البيتين” جمهور زياد الرحباني. هذا الجمهور المنوّع كلّ التنوع أفقيًا وعموديًا، سياسيًا وإجتماعيًا، إقتصاديًا وطبقيًا، جندريًا وعمريًا. في حفلة زياد تجد اليساري واليميني، الممانع والمعتدل، الغني والفقير، العامل ورب العمل ، الشاب والكهل، العروبي والفرنكفوني والأنكلوساكسوني. كلّ هؤلاء وسواهم احتشدوا على مدى يومين إلى بيت الدين ليستمعوا إلى زياد . يكفي أن يقول ”مرحبا“ أو ”هون الوضع غير“حتى يعلو التصفيق. هنا أهميّة زياد: ما يزال من القلّة القليلة القادرة على جمع جمهور غفير ومتنوّع في بلد أحسن وصفه في مسرحياته ولاسيما في شي فاشل التي افتتح الحفل بموسيقاها           قائلًا ”صارت شي ناجح“.  هذا البلد الذي تنخره كلّ الآفات الإجتماعيّة (وهذا شرح يطول) يتفق على حب زياد، وهذا بحد ذاته إنجازيحتسب لصالح الرجل أيًّا كانت مواقفه السياسيّة. نجاحه في بيت الدين مرتبطٌ هذه المرّة وبعد الحملة التي تعرّض لها ، بجمهوره وتحديدًا ذاك الذي يختلف معه سياسيًّا أو فكريًّا والذي بدا راغبًا وقادرًا، وهذا الأهم، على الفصل بين آراء زياد السياسيّة وأعماله الفنيّة. يحبّونه رغم أنهم يختلفون معه على كلّ فاصلة سياسيّة. بهذا المعنى بدا جمهوره المختلف معه أكثر وعيًا من النخب التي تحلّل وتحرّم، تقيّم وتوزّع النقاط، تعلي شأن من تشاء وتحط من قدر من لا يعجبها. زياد الذي أعلن يأسه من شفاء المجتمع من تناقضاته الطائفيّة في كلّ أغنية و”اسكتش” وعملٍ مسرحيّ، استطاع أن يجمع اللبنانيين فيُجمعون على الإعجاب به والتماهي معه. جيل زياد الذي نشأ معه وخصوصًا وأن موهبته بدأت في سن مبكرة، الجيل الذي يكبره ، الجيل الذي تلاه كلّهم يستخدمون قاموسه في تعابيرهم اليوميّة ونكاتهم وتهكّمهم. هو ليس القاموس اللبناني كما يظنّ البعض، بل هو قاموس زياد
لعلّ صدقه وصراحته، بل فجاجته في التعبير عن مواقفه دون الحاجة إلى تدوير الزوايا – إحدى المواهب اللبنانيّة الصرفة- جعلت الناس كلّ الناس يقبلونه وينسون اختلافهم عنه في القناعات والممارسات. مع زياد فقط لا يكون النجاح الشعبي، شعبويًا. مع زياد هناك دائمًا إتقان في الموسيقى والكلمة واللحن، وإن احتاج الناس إلى بعض الوقت لاستعياب موسيقاه. ”كان غير شكل الليمون“ التي قامت الدنيا ولَم تقعد حين غنّتها فيروز في المرة الاولى لاعتبارها دون المستوى ، هذه الأغنية نفسها وحدت الحناجر في بيت الدين وتمايل الحضور المتنوّع على أنغامها
شكرا زياد على هذا المشهد الجامع ولو انتهى مفعوله مع انتهاء الحفل

ملاحظة : لست من المعجبين بالرئيس السوري بشار الأسد ولا بوالده من قبله ولا بنظام البعث. اقتضى التوضيح وليحب زياد من يشاء ويكره من يشاء

نحن العرب وهم الإسرائيليون

f9c67b083ce38ca72869b214953226a6

 

 مللنا فلسطين. مللنا هذه القضية. مللنا إصرار البعض على جعلها قضية العالم العربي الأولى. مللنا الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني. مللنا…مللنا… مللنا. آن الأوان لأن نلتفت لقضايانا الخاصة. خلص فلسطين”. هكذا كانت فلسطين بالنسبة للبعض أو ربما للكثيرين، مجرد قصة مملة. تكرار لا طائل منه. موضة بالية

في الوجه الثاني للعملة: خطابات طنّانة ورنّانة. تهديد ووعيد للمحتل من خلف المنابر. تعاطف لا يتجاوز حدود الكلام. دعم لا يتخطى صفحات الجرائد ومواقع التواصل الإجتماعي. صورة للمسجد الأقصى تضامنًا أو للقدس حبًا وتعاطفًا. وانتهى البيان

اليوم، وبعد ما جرى ويجري في فلسطين، عادت القضية على الموضة وسطع الوجه الثاني للعملة. تضامن خطابي من الطراز الرفيع، صور وأعلام على مواقع التواصل الإجتماعي. ومن كانوا يعتبرون بالأمس أن قضية فلسطين باتت مملة وبالية، نفضوا عنها الغبار ولمّعوا صورتها مجددًا. لا حاجة للاستفاضة في الشرح والتفصيل حتى لا يقع هذا الكلام في خانة الوجه الثاني للعملة

ملاحظة: الحكومات العربيّة مُكلّلة بجامعة الدول العربيّة لم تبدّل موقفها منذ أعوام طويلة وإصرارها واضح في إهمال هذه القضية وإدراجها في خانة ”مللنا“ من دون أن تحاول ولو لمرّة واحدة أن تنفض عنها غبار التجاهل. هو ليس ملل بقدر ما هو موقف واضح وصريح وممنهج يرمي إلى انهاء هذه القضية لصالح الإسرائيليين. ولا يحتاج الأمر الى بحث وحفر لإيجاد الدلائل والبراهين التي تثبت هذا الكلام، فيكفي اختيار بعض المواقف بشكل عشوائي لتأكيد المؤكد

في المقلب الآخر: لم يملْ الإسرائيليون من لعب دور الضحيّة. لم يملّوا من استدرار عطف العالم إزاء ”الهولوكوست“، علمًا أن هناك شك كبير في الرواية التاريخيّة للهولكوست لجهة المبالغة في تضخيم حجم ضحاياها. حوّلوا اغتصاب فلسطين إلى “حق”. أقنعوا العالم أنهم الضحيّة وليسوا الجلّاد. تعاطف معهم الغرب وصار ينوح أكثر منهم على الهولوكست. حضر الهولوكست في معظم الأفلام الهوليوديّة كما سجلت القلسونة اليهوديّة حضورًا بارزا في أعمال الفن السابع الأميركيّة والأوروبيّة. لم يضجر الإسرائيليون ولا ضجر المتعاطفون معهم من حمل لواء قضيتهم المفتعلة عبر السنين. ولن يضجروا ولن يملّوا ولن يترفّعوا عن تسخير كلّ الأساليب المتاحة وغير المتاحة، بالترغيب والترهيب، لابقاء قضيتهم القضية الرقم واحد في العالم الغربي

هذا نحن وهذا هم. ولا عجب بعد اليوم في ما نحن عليه وفي ما هم عليه. هم يدركون أن القضايا المصيريّة لا تنتهي صلاحيتها، أما نحن فنلحق الموضة حتى في أهم قضايا حياتنا وأخطرها، وفلسطين نموذج صارخ

غدًا نطوي صفحة فلسطين ويتسرب الملل إلى قلوبنا ونعيد ونكرّر” خلص فلسطين”. أما هم فيفتحون صفحة جديدة ويسجلّون نقطة إضافية لصالحهم ويرون التاريخ كما يحلو لهم ويناسبهم ويقنعون به من يشاؤون

 

 

أنا مواطن من هذا الشعب العنيد سأقاطع الانتخابات لهذه الأسباب

download
عن موقع العربي الجديد

 

تفشل كلّ المحاولات لتجنّب الجنون الانتخابّي الدائرة رحاه في البلاد منذ حين طويلٍ ومملٍ. يلاحقك هذا الحدث الجلل كيفما تحركت وتلفتت. صور وشعارات وبرامج وكلام ووعود في الطرق العامة والفرعيّة وربما على شرفة منزلك وباب بيتك في حال كان لجارك قريب مرشح أو كان، من حسن حظك أو بالأحرى سوئه، هو نفسه مرشحًا. ولا تنجو من أضرار عاصفة الانتخابات إذا انعزلت في بيتك  وأطفأت التلفاز وأسكتت الراديو، لأن هاتفك المحمول قادر على التعويض عن كلّ التلوث السمعي والبصري الذي تُحاول أن توفّره على نفسك. رسائل قصيرة ، واتساب، فايسبوك كلّها وسائل مُسخّرة لهذا الحدث التاريخي، تقتحم خصوصيتك ولا تترك لك مجالًا للتملّص من سطوتها. كلّ هذا ليس بجديد. الشكوى نفسها أصبحت مُملّة ومُكرّرة وتندرج في خانة ال”نق” الذي لا طائل منه. كتبت علينا درب وسنسيرها حتى نبلغ 6 أيّار ونتنفس بعدها الصعداء آمين. ولكن ما استجد وفرض إعادة تشغيل أسطوانة التذمر هو المعلومات التي تردّدت بأن هناك 100 نائب بات وصولهم محسومًا إلى مجلس النواب، أي أن كلّ هذا الضجيج الانتخابي الذي تردّدت أصداؤه في دول المهجر، يدور على 28 مقعدًا فقط لا غير ! هل كان يستحق الأمر كلّ هذا العناء والمصاريف ؟ هل يستحق 28 نائبًا تأجيل الانتخابات لدورتين متتاليتين، ثم ابتكار قانون انتخابي يحتاج الى تخصص لفهم تفاصيله وكيفية احتساب الأصوات وضم وفرز الأقضية والمحافظات؟

سلطة قادرة على اقتسام كل شيء من النفط إلى الغاز إلى المال العام إلى الوظائف إلى الدبلومسيين إلى إلى إلى، أصابها العجز في تدبّر أمر 28 نائبًا ! ولو …في حال كان الأمر ناتجًا فعليًا عن عجز فهو لا يعوّل عليه، ولا يمكن اعتباره أول الغيث لفقدان هذه السلطة قدراتها على ابتكار فنون التذاكي على المواطن. ولكن السلطة تدرك تمامًا ما تفعل ، معركة انتخابيّة وهميّة كرمى لعيون 28 نائبًا تشرّع لها وجودها لأربع سنين إضافية وربما أكثر. انتهى البيان. الإنتخابات، إذن  لها وظيفة محدّدة ومدروسة، وهي شرعنة هذه السلطة. وهذا ليس بجديد ولا هو اكتشاف. ولكن المساهمة في شرعنة هذه السلطة لم تعد مقبولة بل أصبحت مُعيبة. لذا، المقاطعة هي الحلّ. ولا حلّ أنجع من المقاطعة ورفع نسبة العازفين عن الانتخاب لتفوق نسبة الذين سيعطون شرعيّة جديدة لهذه السلطة. ثمة من يعتقد أن انتخاب المرشحين الجدد أو من يطلقون على أنفسهم المجتمع المدني – وهو خليط هجين، مكوناته وانجازاته غير واضحة  ليتحمّس الناخب للإدلاء بصوته لصالحهم ( مراجعة مقال حفل شواء)-، هو الحل. ولكن الخرق بمعقدٍ، بمقعدين أو ربما بثلاثة ليس حلًا بل ملهاة تقدّمها السلطة لتقول أنها تمارس الديموقراطية في أبهى حللها. نحن الشعب العنيد، لم نصنع بعد بديلًا جديًا عن السلطة الحالية. نحن الشعب العنيد لا نفعل سوى التذمر. نحن الشعب العنيد ، مرجعيتنا طائفتنا. نحن الشعب العنيد نتلهى بالقشور، نحن الشعب العنيد تشغلنا تغريدة تافهة بين “اعلاميتين” مدّة أسبوعين. نحن الشعب العنيد لم نقم حتى اللحظة سوى بدور الطبّال. ولإنّ كاتبة هذه السطور ينطبق عليها ما ينطبق من مواصفات على الشعب العنيد، لذا قرّرت أن تقاطع هذه الإنتخابات لأن المقاطعة موقف ولأن الورقة البيضاء لا تُحتسب. قانون لا يعرف كيف يحتسب الورقة البيضاء، هو قانون لا يمكن الانتخاب على أساسه

ملاحظتان من خارج النص ولكن ضمن السياق الانتخابي

أولًا:هل يملك أحد تفسيرًا لمشاهد السعادة والفرح والاحتفال الذي تزيينه الأعلام اللبنانية، التي تبثّها وزارة الداخلية ضمن حملة الترويج للانتخابات النيابية؟ من أين جاءت بمشاهد الفرح العارم؟ مشاهد تمثيلية مثلًا، كما كلّ شيء في هذا البلد

ثانيًا: طلب من العاملين في دوائر النفوس، هل يمكن تزويدنا بأسماء أحفاد الطبقة السياسية الحاكمة وأعمارهم ولا حاجة لمعرفة هوايتهم، فتلك يحدّدها الأجداد؟  فقط من باب العلم بالشيء لعلنا نكوّن فكرة مُسبقة عن نوابنا الجدد في المستقبل القريب

 

 

النبيذة لإنعام كجه جي رواية مذاقها سلس مثل النبيذ ومرّها يضاهي مرورته

   36385167

تُحدث رواية ”النبيذة“ في قارئها أثر النبيذ المُعتّق في شاربه! تستحق الرواية أن تكون اسمًا على مسمى، علمًا أن الروائية إنعام كجه جي اختارت عنوان روايتها للدلالة على بطلتها تاج الملوك وفق ما تشير في الصفحة 248  ”تاجي عنقود من عنب أسود يعاند الأرجل العاصرة. نبيذها حلو، وهيمنتها على مذكراتي تضنيني(…) أمسك القلم وأتردّد. أكتب نبيذ وأتأمل المفردة. أضيف إليها تاء التأنيث ”نبيذة“. تنسج كجه جي خيوط روايتها الصادرة عن دار الجديد في العام 2018 على مدى 325 صفحة من خلال ثلاث شخصيّات هي:  تاج الملوك عبد المجيد العراقيّة من أصل إيراني والصحافيّة المتحرّرة صاحبة مجلة الرحاب التي رعاها نوري السعيد في أربعينيّات بغداد، ومنصور البادي زميلها الفلسطينيّ  في إذاعة كراتشي الذي هاجر إلى فنزويلا وأضحى مستشارًا لرئيسها هوغو تشافيز، ووديان الملّاح العراقيّة وعازفة الكمان في الأروكسترا الوطنيّة التي يُثقل أذنيها صمم عوقبت به لأنها تمرّدت على  نزوات “الأستاذ”. تسخّر  كجه جي هذه الشخصيّات الثلاث لتوغل في  تاريخ العراق القديم والحديث وترسم صورة يختلط فيها الواقع بالخيال لهذا البلد الذي خرج منه المُستعمر الإنكليزي ليعود إليه عبر اتفاقية بورتسموث التي رفضها الشارع العراقي فسالت الدماء ولم تسقط الاتفاقية. ذلك  هو العراق الذي عرفته تاج الملوك، الصحافيّة الموالية للقصر، مدلّلة نوري السعيد  التي خرجت منها هربا من الاعتقال بعدما انقلبت على نوري السعيد وشاركت في التظاهرات المعادية للاتفاقية.  موقف سيعاقب عليه العراقيون وفق ما أشارت إليه كجه جي في ص 151 ”سيُعاقب أبناؤها على جهودحهم. وتبقى المعاهدة سرّية حتّى ربيع 56. وقبل انتهائها جاء حلف بغداد… يا أم حسين كنّا بوحدة صرنا اثنتين“. في المقابل، هناك العراق الذي عاشته وديان الملّاح، أي العراق الذي خاض حربًا طويلة مع إيران، والعراق الذي عانى الظلم والاضطهاد في عصر صدام حسين ودفع شعبه أثمانًا غالية من القهر والذل والقتل والاعتقال وضياع المستقبل. يلتقي هاذان “العراقان” في باريس لتكتمل صورة البلاد المُمزّقة في تاريخها القديم كما الحديث. ولكن للعراق جوانب جماليّة وإبداعيّة وفنيّة لا تُغفل الروائية ذكرها بل توثّقها بلغة العارف بإرث البلاد الغني بشعرائه وأدبائه ورساميه… حين تخرج كجه جي من العراق، تذهب إلى فلسطين التي تحكي حكاية أخرى بل هي أولى حكايات العصر الحديث عن الشتات واللجوء وعذابات شعب انتقلت من جيل الى جيل الى جيل، فولدوا وماتوا لاجئين في دول العالم.”فعلناها يا خيي… أسّسنا سلالة عربيّة في فنزويلا. لا يدري كيف مرّ العمر عليه في القارّة البعيدة. لم يكن يدري أن واحدًا من تلك السلالة العربية سيصبح سفيرًا لفنزويلا في عاصمة لا تبعد عن القدس كثيرًا”. تختصر كجه جي  بهذه العبارة الواردة في الصفحة 292  وبعبارات كثيرة مشابهة في كثافة معانيها، قصة الشتات والعودة  المؤجلة إلى فلسطين التي ربما استحالت مستحيلة للبعض. إذ أسّس الفلسطنيّون سلالة في الجانب الآخر من العالم وأصبحوا سفراء لدول غير دولتهم الأم!  ورغم أن الرواية ليست عن فلسطين ولا عن الفلسطينيين، فقد نجحت كجه جي في إدخال قصة فلسطين في قصة العراق متجنبة بذكاء الوقوع في فخ الإقحام. هكذا دخل منصور البادي في صلب الرواية  وشارك الى جانب وديان وتاج الملوك في حبك أحداث الرواية وصهرها لتبدو كلّا متجانسًا ومتماسكًا

انتقلت كجه جاي في رواية ”النبيذة“ من ذاكرة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر برشاقة وسلاسة، فحملت القارئ من زمن نوري السعيد ”الحليف الوفيّ الغامض. مرن وجبّار. هكذا وصفته غرترود بيلّ، صانعة الملوك” (ص154) إلى زمن ”الأستاذ“ الذي يجسّد صورة النظام البعثي السلطوي والقمعي والمستهين بكرامات المواطنين وصولا إلى زمن احتراق بغداد، وهو مشهد تتشارك وديان وتاج الملوك في متابعته من باريس. ”تابعنا معًا التلفزيون. رأينا الحشود وحاملات الطائرات والبوارج تتجه نحو الخليج. تركنا العشاء باردًا وأطفأنا الضوء. تركت التلفزيون صوت بلا صورة وغطّيت تاجي بعدما سمعت شخيرها“(ص298). كثيرة هي المعاني التي ضمنتها كجه جي في وصفها مشهد الاحتراق : كان العراق بذاكرتيه القديمة والحديثة بل بتاريخيه القديم والحديث يتحوّل إلى مشهدٍ من نار على شاشة أميركيّة هي ”السي.أن.أن“. الترميز هو اللغة التي اعتمدتها كجه جي في أكثر من موقع في رواية ”النبيذة“. وما بدا استخدامًا ذكيًا في مواقع معينة منها مشهد احتراق العراق، بدا غير منطقيّ في مواقع أخرى أهمها  شخصيّة ”الأستاذ“ الذي تسبّب بعاهة الصم لدى وديان. ليس مبرّرًا أن يكون ”الأستاذ“ الشخصية الوحيدة التي لم تطلق عليها كجه جي أسمًا في رواية تتّسم بالواقعية والتوثيق لمحطات من تاريخ العراق القديم والحديث، لعلّها أرادت من خلال ذلك ألّا تحصر البطش في شخص واحد وتصوير الأمر على أنه فعل فرديّ أو شخصيّ، بل رغبت في أن يشكّل الأستاذ “نموذجًا” لمفهوم القوة والسلطة والتحكم في العباد انطلاقًا من النظام الأمني الممسك بكلّ مفاصل البلاد، علمًا أنها في وصفها كانت تعني شخصًا واحدًا دون سواه ولم ينقص سوى أن تخطّ إسمه، وهو ما لم تفعله خوفًا ربما؟!  أحسنت كجه جي اختيار أحداث روايتها. لم تغرق في التفاصيل ولا انزلقت في أحداث قد تضعف الحبكة وتخرجها عن سياقها بقدر ما تجنّبت التسطيح. ولعل الضعف الوحيد الذي يسجّل في حق الرواية يتعلّق في رسم شخصيّة تاج الملوك المرأة التي فتنت قلوب الرجال ولوّعتهم. إغراء وجمال وجاذبيّة وسواها من الصفات التي نقرأ عنها من دون أن نلمسها أو نشعر بها، ممّا يجعل هذه الشخصيّة غير مُقنعة في كثير من جوانبها. قد يعود الأمر إلى المبالغة في الأدوار التي أناطتها الروائيّة بتاج الملوك، وكانت غير منطقيّة ولا منسجمة مع بعضها. وبدا تكرار هذه الصفات بشكل لافت وفي كلّ مناسبة تلتقي فيها برجل ما، لزوم ما لا يلزم، وخصوصًا أنها جاءت على حساب مشاهد أخرى كانت تستحق عناية أكبر من الكاتبة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر زيارة وديان لبغداد بعد طول غياب عنها لحضور جنازة والدتها. اختصرت الكاتبة هذه الزيارة بعبارة مُقتضبة من دون أن تبرّر ذلك أو تفسّره ما عكس نقصًا مهمًا في أحداث الرواية. في المقابل، رسمت كجه جي شخصيّة وديان بعناية واتقان خلافًا لشخصية تاج الملوك إلى حد يشعر فيه القارئ أن الصمّ قد أصابه أيضًا بنفس القدر الذي يسمع فيه عزف الكمان صادرًا من الكتاب ويرى النوتات الموسيقية تتراقص أمام عينيه. ذلك أن كجه جي تحدّثت عن الموسيقى بلغة العارف ووصفت علاقة وديان بآلة الكمان بأدق التفاصيل وأرق المشاعر والأحاسيس، ما يدل على ثقافة عالية وحرص على التعمق في بحثها في كلّ المواضيع التي تناولتها روايتها واستوجب ايراد معلومات بشأنها. وساهمت اللغة الرشيقة والصور الشاعرية التي طغت على مناخ الرواية في تعزيز هذا الانطباع وترسيخه، علمًا أنه يؤخذ على كجه جي أنها صاغت عملها بلغة واحدة استخدمتها في كل مستويات الرواية ومحاورها. فتحدثت عن الحرب بنفس اللغة التي اعتمدتها للحديث عن الحب مما أضعف الرواية في بعض جوانبها

بدأت رواية ”النبيذة“ قصّة عن العراق، وانتهت قصّة حب غير مكتمل بين تاج الملوك ومنصور البادي. فصارت قصّة الحب في الجزء الأخير من الرواية هي الأساس بعدما كانت في الجزء الأكبر من الرواية اطارًا جماليًا وشفافًا لرواية مليئة بالقهر والظلم والدموع. قد يظن القارئ أن الرواية ستنتهي عند مشهد احتراق بغداد، بل يشعر فعلًا أن الستارة ستسدل على هذا المشهد، ليتفاجأ أن الرواية تستأنف أحداثها لتصبح قصّة حب بامتياز ما يفقد العمل سحره ويقفل باب تخيّل النهايات، اللعبة التي يحبّ القارئ أن يتركها له  الكاتب لا أن يُقدمها له. وبمعزل عن جماليّة الوصف الذي طرّزت فيه كجه جي ذبول جسم تاج الملوك وانطفاء خلاياها خليّة خليّة، فقد بدا هذا المشهد في غير مكانه. وجاء سيناريو اللقاء بين الحبيبين، وقد تجاوزا الثمانين من عمرهما ليهبط بالرواية بدلًا من أن يُبقيها مُحلّقة كما كانت على مدى صفحاتها السابقة، وخصوصًا أن الكذبة التي روتها تاج الملوك لوديان حول لقائها حبيبها منصور في السرير، يذكّر برائعة غابرييل مارسيا ماكيز “حب في زمن الكوليرا”. ولأن ماركيز ارتقى في وصف اللقاء بين بطليّ روايته إلى أعلى وأجمل درجات الوصف، فإن لقاء أي حبيبين في هذا العمر ملك له. وأيّ وصف مشابه سيبقى دون المستوى واستعارة يحتاج صاحبها لأن يحدّد مصدرها لينقذ المشهد    من تهمة التقليد. ينطبق المبدأ نفسه على وصف منصور البادي للقائه معشوقته وهو مأخوذ من فيلم “سانس اند سانسيبليتي” لـ جين اوستن علمًا أن نهاية الحب بدت أقوى من الحب نفسه الذي يشعر القارئ أنه هبط عليه بمظلة

رواية ”النبيذة“، عمل متقن، غنيّ بمعلوماته، عميق بأفكاره، مؤثر بأحداثه ومعه يكتشف القارئ مرة جديدة أن ما ينقصنا في العالم العربي وجود محرّر ينصح الكاتب ويصوّب انحرافاته التي تضعف الرواية وتنال من قوتها وكمالها