الثأر: رصاصة في الرأس وأخرى في القلوب المتحجرة

أكثر ما أحتاج إليه الآن هو آلة التحكّم بالزمن. وحدها هذه الآلة قادرة على أن تعيد إليّ بعضًا من توازني المفقود، أن تخرجني من جنوني الذي تسرّب إلى كلّ حواسي، أن تخفّف من شهوة القتل التي تملّكتني منذ حين لتصبح حاجةً مُلحّةً بعد جريمة مرفأ بيروت. صورة واحدة تُسيطرعلى خيالي الإجرامي الذي لم يكن جامحًا يومًا، أنا التي أدفن وجهي بين يديّ كلّما شاهدت القتل والعنف في الأفلام والمسلسلات. صورةٌ واحدةٌ تُسيطر على خيالي الإجرامي وتلازمني ليل نهار وتزداد وطأتها كلّما تكشّف حجم الدمار والأشلاء وفاضت الدموع واختنق البكاء: أحمل مسدسًا وأصوّب على رؤوسهم واحدًا واحدًا، ثمّ أُطلق رصاصةً أخرى على قلوبهم المُتحجّرة بعد أن يسقطوا أرضًا. عندها فقط قد تعلو وجهي الأسود من شدّة الحزن والأسى ابتسامة رضى.
لا أبحث عن آلة التحكّم بالزمن خوفًا من شهوة القتل التي سيطرت على كلّ حواسي، بل أريدها أن تبقى حتّى تحقيق العدالة لأنّ قتلهم كان واجبًا قبل وقوع الإنفجار الإجرامي وأصبح ضرورةً مُلحّة بعده انتقامًا للدماء التي سالت في بيروت، واحترامًا للشهداء التي زُهقت أرواحهم ظلمًا، وتعويضًا على الأحياء الذين أصبحوا أجسادًا بلا أرواح. أحتاج إلى آلة التحكّم بالزمن لا لأن أعود إلى العصر الذهبي في لبنان الذي سمعنا عنه ولم نعشه نحن جيل الحرب والمأساة، جيل الفساد والفاسدين، جيل الذين يبحثون عن الحياة في مكان آخر. لا، ليس هذا ما أسعى إليه. أريد أن أعيد الزمن إلى الساعة السادسة إلّا ربعًا من عصر ذاك اليوم المشؤوم. أريد أن يقف الزمن هناك، وأن نعود الى روتيننا الذي نشكو منه. أريد أن يشكو الناس من زحمة السير على مدخل بيروت الشمالي، لا أن تتطاير أجسادهم وتتحوّل إلى أشلاء. أريد أن ينقطع الإرسال في هاتفي الجوّال حين أمرّ في محاذاة شركة “تاتش” وأتساءل عن هذا اللغز المُحيّر وخصوصًا أنّني أحمل رقمًا من هذه الشركة وليس من منافستها. لا أريد ان أرى المبنى مهشّمًا وأتساءل من نجا من موظّفيه؟ ومن أُصيب؟ وما نوع الإصابة؟ أريد أن أراقب السيارات وأهزأ ممن يضع كمّامة وهو وحيد في سيارته، أو من يُزيلها وهو سائق “فان” مزدحم بالركّاب لا أحد منهم يلتزم بأدنى شروط السلامة الصحيّة. أريد هذه اللحظة! أريد أن أشتم الكورونا وإجراءات الحكومة التي تنمّ عن إرباكٍ وجهلٍ كبيرين. أريد أن نموت بالكورونا لا بالأمونيوم. أريد أن نختار موتنا لا أن يفرضه علينا المجرمون. أريد حين أمرّ في محاذاة شركة الكهرباء أن أرى ظلال والدي الذي عمل فيها جابيًا. أريد أن أذكره وأترحم على طيبته التي دفعته إلى دفع فواتير عن مواطنين لا يملكون ثمن الكهرباء المقطوعة. أريد هذه اللحظة، ولا أريد أن يموت زملاء له في هذه الشركة تحت جدران تهدّمت فوق رؤوسهم. جدران كان يفترض أن تقع على رؤوس كلّ من قطع عنّا التيار الكهربائي لأعوام وأعوام وأعوام وسرق ونهب ودمّر هذا المرفق الحيوي. أريد أن أسأل عن سعر صرف الدولار، وأقارن الأسعار وأشتم الصرّافين والتجّار ومصرف لبنان وحاكمه، وجميعة المصارف ورئيسها.
أبحث عن آلة التحكم بالزمن لأعيده بضع دقائق الى الوراء، فيعود حمد “الابن الطويل والحلو والمحبوب واللي عيونوعسليّات” إلى والدته التي تنتظره، أبحث عن هذه الآلة بإلحاح من أجل خطيب سحر الذي ينتظرها ليستكملا التحضيرات لزفافهما. أريدها من أجل الصورة التي تنبض بالحياة لفوج الإطفاء والتي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي. أريد لأبطال هذه الصورة أن ينشرونها فخورين بمهنتهم، فأضع لهم قلبًا نابضًا لا أن توضع تحيّة لاستشهادهم، فأضع لهم قلبًا داميًا. أبحث عن آلة التحكّم بالزمن من أجل جو ووالدته التي تنتظره حتى يعود من دوام عمله الطويل في إهراءات القمح، أبحث عنها من أجل الذين رحلوا غدرًا ومن أجلنا جميعا نحن الأحياء – الأموات.
أبحث عن آلة التحكّم بالزمن حتى لا أسمعهم يقولون أن بيروت ستولد من جديد. لا أريد لطائر الفينيق أن يُحلّق مجدّدا في سمائنا لأنّه لا يحضر إلّا بعد موتنا. بيروت تموت مع كلّ اغتيال وموت غادر، بيروت تحيا بأبنائها وتموت معهم . روح بيروت امتلأت ندوبًا، فكيف ستحيا؟ كرمى لكلّ الذين رحلوا لا تقولوا أنّ بيروت ستحيا من دونهم. لن تحيا بيروت ما لم يمت كل من أمعن في قتل روحها.
أريد أن أعيد الزمن بضع دقائق الى الوراء، أريد هذا الوقت، احتاجه بعدما أصبحث جثّة تتنفس فقط، أريده حتّى أفرّغ غضبي وأضغط على الزناد، وأقتلهم جميعًا بدمٍ باردٍ وبسمة رضى.