مطلوب تذكرة سفر باتجاه واحد

قرأنا عن الهجرة حين كنّا أطفالًا. لم تكن قراءة مختارة بل كانت درسًا من دروسنا في المرحلة الابتدائيّة. حفظنا أعداد المهاجرين والدول التي انتقلوا إليها والأعمال التي امتهنوها. درسنا عن الهجرة كجزء أساسيّ  من تركيبة هذا البلد الفريد. في المناسبة، الفرادة كانت أيضًا أحد الدروس التي تعلّمناها في المدرسة، يضاف إليها لبنان الرسالة، وهوعنوان عجز العالم عن فكّ طلاسمه. شكّلت الهجرة حالةً ثابتة، مثل مساحة لبنان وطقسه المعتدل شتاءً والحارّ صيفًا، وفصوله الأربعة، وجباله وبحره، ونظامه الخدماتيّ وخلافه. درسنا عن الهجرة في كتاب الجغرافيا أكثر ممّا درسنا عنها في كتاب التاريخ، ما يعني أنّها لم تكن يومًا حالةً طارئةً أو عابرةً حصلت في حقبةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، فاقتضت الإشارة إليها حرصًا على الموضوعيّة وتجنّبًا لإخفاء الحقائق مهما بدت مؤلمة (نحن أسياد الموضوعيّة وتوحيد كتاب التاريخ ليس مطلبًا أقدم من التاريخ نفسه!). درسنا عن الهجرة بوصفها مفخرة من مفاخر الوطن، وعن المهاجرين بوصفهم أبطالًا رفعوا اسم لبنان عاليًا، من جبران خليل جبران إلى حسن كامل الصبّاح مخترع الكهرباء الذي تغرق بلاده في العتمة (أحد أوجه الفرادة) وسواهما من الأسماء التي لا مجال لذكرها هنا، فالقائمة طويلة وطويلة جدًّا ولا تستثني من كان جدّ جدّه لبنانيًّا حتّى إن كان المعنيّ نفسه غير مدركٍ أصله الأول، أو غير مهتمٍّ لا بسِيَر أجداد الأجداد ولا بصلة الرحم التي تجمعه بهم. نحن الفخورون بنجاحات اللبنانيّين في المهجر، نتكفّل بأن نبحث عميقًا في أصل وفصل كلّ عبقريّ أو مشهور، وأن نُعلن على الملأ بتباهٍ واعتزازٍ منقطعَيِ النظير، ونُطبّل ونُزمّر حتى لو تبيّن أنّه الحفيد ما بعد العاشر لجدٍّ ذي أصولٍ لبنانيّة. نُصبح جميعنا أنتربولوجيّين وإثنولوجيّين، لنؤكّد أنّ هذا النجاح أو هذه الموهبة أيًّا كان نوعها، فقد نبتت جذورها في بلاد أرز الربّ. سلمى حايك، شاكيرا، الرئيس البرازيليّ السابق ميشال تامر رئيس بلاد الدومينيكان الحاليّ دانيلو ميدينا وسواهم، هم مواطنون لبنانيّون سقطت هويّتهم الأمّ على درب هجرة الأجداد، لكنّ نجاحاتهم ارتبطت بهذه الهويّة، وإلّا فما الذي يبرّرهذا السعي المحلّيّ الدؤوب لفحص الـ “دي أن أي” لكلّ من يسطع اسمه عالميًّا في الأدب أو الفنّ أو العلوم أو السياسة. بمعنًى آخر، لم تقدَّم الهجرة في المناهج المدرسيّة على أنّها خيارٌ سيّئ أو فعلٌ يتمّ بالإكراه، بل بدت أشبه بالحلم وحرّكت لدى كلّ طالب قرأ وحفظ واستظهر قصص المهاجرين الأوائل، الرغبة الجامحة في خوض غمار التجربة. إنّها القيمة المُضافة التي عليه اكتسابها حتى يرقى إلى مستوى أعلى. يلد اللبناني بمهاجرًا بالفطرة، كما تلد رغبة الماروني برئاسة الجمهورية ما إن يتكوّن جنينًا وكذلك رغبة السنّي في ترأس الحكومة أما رغبة الشيعي فما تزال طموحًا مؤجلًا أو بالأحرى غير معلن

قرأنا عن الهجرة أطفالًا في المدرسة، ثم عايشناها شبابًا ومراهقين خلال الحرب. آنذاك، لم تبدُ خيارًا ظالمًا، بل بدت أفقًا جديدًا أكثر اتساعًا ورحابةً من بلاد الأرز التي استحقّت في حينها لقب بلاد البارود والنار. لم يُشفق “الصامدون”  في الوطن، أو بالأحرى الذين لم تُتح لهم فرصة مغادرته، على أولئك الذين يهجرونه، بل ربّما حسدوهم في قرارة أنفسهم. لم يغادر السواد الأعظم منهم تحت تهديد السلاح، لم ينتقلوا في سفن الموت التي يغرق معظمها في البحر كما يحصل مع اللاجئين السوريين والليبيين والتونسيين والأفغان، بل  شكلت مغادرتهم مفخرةً أخرى وتأسيسًا لظهورعباقرة جدد يرفعون اسم لبنان عاليًا، هذا الهمّ الأزليّ الذي ليس له أيّ تفسير منطقيّ أو علميّ. وكلّما ازداد، استطرادًا، منسوب هذا الهمّ كلّما انرلقنا نحو الهاوية. عاش المهاجرون حياةً طبيعيّةً في حدّها الأدنى حتّى لا نقول الأقصى ونُتّهم بالمبالغة. عاشوا حياةً فيها أحلام. عانوا فراق الأحبّة ونوستالجيا الأمكنة والذكريات، ولكن “الصامدون” لم يغرفوا في حينها من نبع السعادة، ولا كانوا يغمّسون الخبز المرقوق في جاط الكبّة النيّة ويرتشفون كأس العرق، ثمّ يُمسكون على الدبكة. عانى المهاجرون من دون شكّ، ولكنّهم كانوا ينفخون صدورهم ويرفعون رؤوسهم عاليًا عندما يتحدّثون عن ابنهم الذي دخل إلى هارفرد أوعن ابنتهم التي تخرّجت من كامبريدج. ولا شكّ أنّ الأجيال القادمة من اللبنانيين ستبحث في شجرة عائلة الوطن وتفتخر ذات يوم بانجازاتها. حتّى الذين ذهبوا باتجاه القارّة السمراء حصدوا ما يرغبون في التباهي به، بيوت بل قصور ومال وذهب وألماس وسيارات فارهة. لا شكّ في أنّ المهاجرين عانوا، ولكنّهم غادروا طواعية بحثًا عن ترقٍّ اجتماعيّ وعلميّ وماليّ. عانى المهاجرون لكنّهم لم يكونوا لاجئين سياسيّين؛ بكى المهاجرون واشتاقوا لكنّهم لم يكونوا منفيّين. وهنا يكمن الفرق كلّ الفرق. استطرادًا، الهجرة  ليست امتيازًا لبنانيًّا ولا ضريبةً يدفعها اللبنانيّ دون سواه. إنّها آفة المجتمعات الفقيرة ودول العالم الثالث الذي ينتمي إليه بلدنا الحبيب، (بلد الفرادة والرسالة) رغم أنّ أبناءه يرطُنون باللّغات الأجنبيّة ويتفوّقون دائمًا على أنفسهم   

أقول لكلّ من ينظّر في أهمية الصمود وضروراته، لكلّ من غادر البلاد وعاد إليها بعد أن اطمئنّ إلى مستقبله ومستقبل أولاده، لكلّ من وضع جواز سفر أجنبيّ في جيبه ليضمن ألّا يموت على باب المستشفى، أقول لكلّ هؤلاء صمودكم اليوم هو لزوم ما لا يلزم. هو ليس صمودًا بل موقفٌ ومزايدةٌ لا قيمة لهما سوى استفزاز من لم يغادر الوطن لأنّه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعندما أراد أن يفعل جاء من يقول له: لا،لا تستسلم، لا يجوز، اصمد! الغربة قاسية وطعم التبّولة فيها “غير”! لهؤلاء أقول: مزّقوا جوازات سفركم الثانية، واصمدوا بعدها وناضلوا قدر ما تشاؤون، اجعلوا لصمودكم معنًى حقيقيًّا وليس فلوكلوريًّا، وإلّا فاصمتوا ولا تنتقدوا كلّ من يُفكّر اليوم في الهجرة. بلى، كانت الهجرة خلاصكم؛ لا تنكروا هذه الحقيقة. ونحن بقينا ليس لأننا نحب الوطن أكثر منكم، وإذا ادّعينا ذلك، فنحن نزايد عليكم بقدر ما تزايدون أنتم علينا. وحتى ننجح في أن “نفهم على بعض”، لا بدّ من أن نتبادل الأمكنة، اصمدوا في الوطن واشبعوا منه ودعونا نذهب نحن بدلًا منكم لنعيش تجربة المعاناة في المهجر. فلنتبادل الأدوار إذن

نلطم على الهجرة ولا نذهب إلّا عند الطبيب “خريج بلاد برّا”، نلطم على الهجرة ونزيّن جدران بيوتنا ومكاتبنا في كلّ مهننا بمهارات اكتسبناها في الخارج. نلطم على الهجرة ونروي عن إنجازات أبناء شعبنا العظيم في المهجر، نلطم وسنلطم أكثر بل سننتحب في حال مُنعنا من الهجرة حتّى لو تحوّل بلدنا إلى جنّة على الأرض. نحن مهاجرون بالفطرة، بالجينات، وبلدنا محطة ومرقد عنزة وكلمات في أغنية وطنية فقط لا غير

لا يندرج موقفي هذا في سياق تبنّي (أو الدفاع عن) الشريط التسيجيليّ الذي روّج للهجرة، وانقسم إزاءه البلد إلى وطنيّين وغير وطنيّين، ودار الردح لأيام وليالٍ، فإمّا أن تكون مع أو تكون ضدّ، فلا رأي ثالث في هذا الموضوع كما في كلّ القضايا في وطننا الحبيب، من الأكثر تفاهةً إلى الأكثرعمقًا وتعقيدًا (نموذج آخر للفرادة والرسالة). ورغم أنّني من أكثر المتحمّسين لمغادرة البلاد، ورغم أنّني أقول وأردّد أن الطابور الوحيد الذي سأقف فيه يومًا هو الطابور أمام شبّاك التذاكر لشراء تذكرة ذهاب من دون إياب، لم أشعر بالتماهي مع هذا الشريط التسجيليّ. لم أتأثّر، لم أتفاعل، لم أحزن، أسفت فقط على تدنّي المستويين الفنّي والمهنيّ للعمل. شعرت أنّه شريط تسجيلي دعائيّ للبنان بالاتجاه المعاكس، شريط يعتمد على نفس القاعدة الترويجيّة الكلاسيكيّة لأيّ منتج. لا يختلف منطق هذا الشريط عن الإعلانات الترويجيّة التي تبثّها وزارة السياحة فتُظهر قلعة بعلبك من دون محيطها البائس، أو سوق البترون من دون مشروع سلعاتا، أو آثار صور من دون التحليل والتحريم، أو قلعة صيدا من جبال النفايات المجاورة لها، وأسواق طرابلس من دون باب التبّانة وجبل محسن. يدعو الشريط إلى الهجرة على لسان أناس (مع احترامي وحبّي الكاملين لعايده صبرا وزكي محفوظ) يملك معظمهم خيارًا ثانيًا أصلًا. يُشبه هؤلاء في حديثهم المهاجرين _العائدين الذين يقولون لنا: اصمدوا. أقول لهم في المقابل إذا كانت لديكم القدرة على الهجرة فارحلوا، واحترموا مشاعر من لا يملك هذا الخيار. لم أنسَ استفزاز الشريط التسجيليّ إلّا حين سمعت الغيارى يقولون: الوطن ليس فندقًا. بالطبع هو ليس فندقًا، لأنّك في الفندق تحصل على إقامةٍ مُحترمةٍ مقابل ما تدفع لأجله. يا ليت لبنان كان فندقا، فلو كان ما كنت لأفكّر في أن أرحل عنه يومًا، ولا كنت لأندم أشدّ الندم على عدم مغادرته حين أتيحت لي الفرصة. لبنان ليس فندقًا ولا يرقى حتّى إلى مستوى مزرعة، لبنان شيء هجين ما من تسمية تفيه حقّه. وأن تغادر هذا الشيء الهجين لا يعني أنّك  جبانًا أو متخاذلًا، بل محبًّا للحياة تحت عنوان مهاجر