المكتبة في مواجهة المكتبة-السوبرماركت

 

لطالما ظننت أن المكتبة ليست مجرد مكان لبيع الكتب والقرطاسية. ولطالما رأيتها فضاءً مختلفًا. لا بدّ أن تكون كذلك وإلّا ما الذي سيميّزها عن المخازن التجارية الكبرى أي ”السوبرماركت“ كما نقول في لغتنا المحكية (وهو التعبير الذي يعطي الفكرة معناها بشكل أوضح). لطالما نظرت إلى صاحب المكتبة على أنه شخص مُميّز عن أقرانه ممن يتعاطون في التجارة. كنت أحسده في سري. أتخيّله دائمًا غارقًا بين الكتب يختار منها ما يشاء ليقرأه. كنت على قناعة تامة أنه يقرأ كلّ ما في مكتبته أو مطّلع، على الأقل، على محتويات الكتب التي تملأ الرفوف. أراه أستاذًا لا يقل شأنًا عن الأساتذة الذين كنت أفترض أن باستطاعتهم الإجابة على أيّ سؤال يطرحه عليهم الطلاب. إنه  مرجع صالح للنصح بهذا الكتاب أو ذاك، ملمّ بآخر الإصدارات وأحدثها، الجيّد منها والسيّىء. قد تقصده وليس ببالك كتاب محدّد، فلا يُخيّب ظنّك بل يقترح عليك قائمة عناوين لتختار منها ما يناسبك، ولا يتردّد في مساعدتك في الاختيار. تسأله عن عنوان كتاب فيُزوّدك به مرفقَا بعشرات العناوين الأخرى التي تعالج الموضوع محور اهتمامك  أو يخبرك عن أهم إصدرات المؤلف وأكثرها رواجًا وشعبيّة على سبيل المثال. هذا ما كان يميّز صاحب المكتبة عن الآخرين ممن يتعاطون لغة البيع والشراء. هو ليس تاجرا والكتب ليست سلعا تعرض على الرفوف

لم تعد هذه المكتبات ولا عاد أصحابها- كما تخيّلتهم أو ربما صادفتهم حين كنت يافعة- موجودة. وإذا وجدت فعددها لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة موزّعة على مساحة الوطن بعدما حلّت ”سوبرماركت“ الكتب بديلًا عنها. قد يشكّل فيلم ”You’ve Got A Mail 1998“ من بطولة (ماغ راين وتوم هانكس) تجسيدًا لهذه المعضلة بمعزل عن الجانب الرومانسيّ اللطيف لهذا الفيلم. يفرض عليك الدخول إلى ”المكتبة – السوبرماركت“  تحديد اسم الكتاب الذي تحتاجه مُسبقًا. أن تعتمد على الحصول على نصيحة بكتاب تقرأه أو أن تتوقّع إجابة شافية ودقيقة بشأن آخر الإصدارات في هذا الميدان أو ذاك قد يكون مغامرة تعود عليك بنتائج سلبيّة. إذ قد لا يتمتّع الموظّف الذي حلّ مكان صاحب المكتبة بسعة المعرفة والاطلاع اللذين يخولانه القيام بهذه المهمّة. يرتكز عمله على الحاسوب الذي يدخله ليتأكد من توفّر الكتاب الذي طلبه الزبون ومن دون الحاسوب يجد نفسه تائها ولا تسعفه ذاكرته أو ثقافته في المساعدة. هو مجرّد موظّف واهتماماته في الأرجح مغايرة تمامًا للوظيفة التي يشغلها ليتقاضى في مقابلها راتبًا في نهاية الشهر. لم تعد المكتبة مكانًا مناسبًا لتوسيع المعرفة وتعزيزها، بل أصبحت متجرًا يشبه سواه من المتاجرمع اختلاف نوعية السلع المعروضة. غالبًا ما لا يجد الموظف (بعد بحثه في الحاسوب) الكتاب المطلوب، فيقترح على الزبون أن يؤمّن له نسخة من دار النشرعلى أن يمرّ بعد بضعة أيّام بالمكتبة لاستلامها. ذلك أن ”المكتبة – السوبرماركت“ لا تعرض كلّ الكتب على رفوفها ولا تكدّسها فوق بعضها البعض كما كان  الحال في المكتبات التقليديّة. ترفض إدارة المكتبات هدر المساحات لصالح كتب قد يأتي من يسأل عنها أو قد لا يأتي. عدا عن أن جميع الكتب بالمقاييس التجاريّة هي سلع غير مطلوبة. لذا، تكتفي ”المكتبة – السوبرماركت“ بنسختيّن من كلّ إصدار جديد ليصبح بعدها توفّره على رفوفها خاضعًا لمبدأ الطلب وليس العرض. هكذا خسرت المكتبة بمفهومها الحديث أحدى أهم خصائصها  بل أسباب وجودها، وخسر معها القارئ واحدة من أهم متع القراءة أي الوقوف بين الرفوف وتصفّح الكتب التي تلفتك عناوينها -لأنك قد لا تجد الكثير من الكتب أصلًا- والخوض مع صاحب المكتبة – الأستاذ في نقاش بشأن كتاب ما. قد تخرج من المكتبة خالي الوفاض كما دخلت إليها تماما ما لم تكن مزودًا بقائمة العناوين التي تريدها. لم يعد متاحًا أن تكتسب من زيارة المكتبة أيّ معرفة إضافيّة كما كان الحال في ”قديم الزمان“. لن تفيدك زيارة المكتبة لمعرفة من هم الروائيّون في بلادك مثلا، ماذا صدر لهم حديثا، وماذا هو انتاجهم عموما. وما يصح في الكتاب المحليّ ينطبق، بطبيعة الحال، على الكتاب العربيّ. تفكّر أنها مسؤوليّة دور النشر في عدم التسويق لمنشوراتها الجديدة كما القديمة. ولكن دور النشر ترمي بالمسؤولية على المكتبات التي ترمي المسؤولية بدورها على القارئ. ”ما في بيع“ أو ”ما حدا بيقرا“. إنها العبارات نفسها التي تستخدم في أيّ ميدان لإزالة المسؤولية عن كاهل المعنيين انطلاقًا من نظريّة  ”الجمهور عايز كده“ التي باتت تستخدم لتبرير أيّ تقاعص أو تراجع في أيّ من الميادين الإبداعيّة أو الفكريّة

تنسحب أزمة المكتبات على كلّ لبنان لتصل إلى مطار بيروت الدوليّ . هناك تواجه نوعًا آخر من المشاكل التي لا تجد لها أيّ تفسير منطقي سوى أن مكتبة المطار هي مكتبة خاصة ويعود القرار في نوعيّة الكتب المعروضة على رفوفها إلى  المستثمر. في مطار بيروت الدوليّ تحتل المساحة المخصّصة للكتب الأجنبيّة أضعاف المساحة المخصّصة لتلك العربيّة. وفي حال إهمال هذه النقطة التي تحتاج إلى نقاشٍ من نوعٍ آخر، لا يشكّل هذا المقال المكان المناسب لها، فإن ما لا يمكن التغاضي عنه هو احتلال الكتب المترجمة الى العربيّة المساحة الأكبر من الحيز المتواضع المخصّص للكتاب العربيّ. ففي مطار بيروت الدولي تظنّ أحيانا أن الروائيّة الأولى في بلادك هي أليف شافاك ينافساها بولو كويلو في مكانتها. ذلك أن كلّ رواياتهما المترجمة (وليس رواية واحدة أو إثنتين) معروضة على الرفوف وبدل النسخة الواحدة هناك عدد من النسخ يصل الى العشرة أحيانا، كما تتفوّق كتب الأبراج على أيّ حضور روائيّ أو أدبيّ أو فكريّ آخر. الإستثمار الخاص لا يبرّر هذه الإستنسابيّة، والقول أن  الأمر مماثل في كل مطارات العالم ليس سوى عذر أقبح من ذنب، إذ لا ضير أن نتميّز لمرة واحدة أو  نبادر إلى ابتكار خصوصيّة معيّنة. ليس مطلوبًا مكتبة وطنيّة في مطار بيروت الدوليّ ما دامت المكتبات الوطنيّة غير متوفرة أصلًا في البلد نفسه ما خلا بعض التجارب الفردية لمكتبات مجانيّة في بيروت وعدد من المناطق ، ولكنه تمنّي في تنويع الكتب المعروضة ما دامت كلّها تحظى بموافقة الأمن العام قبل دخولها الى المطار واستقرارها على الرفوف هناك

أما مفهوم ”المكتبة – السوبرماركت“ هذا الحوت الذي ابتلع المكتبة بمعناها التقليدي، فيحتاج الى ورشة عمل تشارك فيها كل قطاعات الدولة  لمحاربته، وإعادة الإعتبار للكتاب بوصفه مادة إبداعيّة. ولكن هذه قضية تدرج في خانة الكماليّات في وطننا الذي حين ”تحز المحزوزية“ يستنفر بكلّ قواه الرسميّة ليذكّر العالم بأنه ذات يوم صدّر لهم الحرف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s